
ليست الأمم سواءً في الطريقة التي تتذكر بها نفسها. فلكل أمة ذاكرة تختارها، ولكل حضارة لحظة تقرر أن تبدأ منها تاريخها. فمنها من يخلّد انتصارًا عسكريًا، ومنها من يؤرخ بتتويج ملك، ومنها من يجعل استقلاله السياسي ميلاده الجديد. والطريقة التي تؤرخ بها الأمم ليست مجرد قرار إداري، بل هي إعلان صامت عن منظومة القيم التي تريد أن تبقى حية في وجدان أبنائها.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا لم يبدأ المسلمون تاريخهم ببدر، أول انتصار عسكري في الإسلام؟ ولماذا لم يجعلوه يبدأ بفتح مكة، وهو أعظم انتصار سياسي في السيرة النبوية؟ ولماذا لم يؤرخوا بمولد النبي ﷺ أو ببعثته، مع أن كلاً منهما أعظم شأنًا في ميزان العقيدة؟
لقد اختار الصحابة رضي الله عنهم حدثًا آخر، يبدو في ظاهره أقل صخبًا من مشاهد الانتصار، لكنه كان في حقيقته أعمق أثرًا في صناعة التاريخ؛ اختاروا الهجرة.
ولم يكن ذلك لأن الهجرة كانت مجرد انتقال من مكة إلى المدينة، ولا لأنها كانت إعلانًا لقيام سلطة جديدة، وإنما لأنها مثلت ميلاد مجتمع جديد، يقوم على الإيمان والعدل والرحمة، ويصون كرامة الإنسان، ويحفظ الحقوق، ويجعل من التعايش والتعاون أساسًا للعلاقات بين الناس. لقد كانت الهجرة انتقالًا من مرحلة الصبر على الأذى إلى مرحلة بناء الإنسان، ومن جماعة مؤمنة متفرقة إلى مجتمع متماسك يحمل رسالة أخلاقية للعالم.
ولهذا كان اختيارها بدايةً للتقويم الإسلامي قرارًا حضاريًا بالغ الدلالة. وكأن الصحابة أرادوا أن يقولوا لكل جيل يأتي بعدهم إن نهضة الأمم لا تبدأ عندما تمتلك القوة، وإنما عندما تعرف لماذا تمتلكها، ولأي غاية تستخدمها. فالقوة في الإسلام ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الحق، وإقامة العدل، وصيانة كرامة الإنسان.
ولعل اللافت أن الهجرة نفسها لم تقع في شهر محرّم، ومع ذلك اختير محرّم ليكون أول شهور السنة الهجرية. ولم يكن ذلك مصادفة؛ فهو يأتي بعد موسم الحج، حيث يعود المؤمن من رحلة إيمانية يتجدد فيها العهد مع الله، ويولد فيها الإنسان من جديد. وكأن العام الإسلامي لا يبدأ بتبدل الأرقام، وإنما يبدأ بتجدد القلوب، وتجدد العزم على السير في طريق الإصلاح.
ومن هنا يصبح محرّم أكثر من أول شهور السنة؛ إنه دعوة سنوية إلى هجرة جديدة، لا من وطن إلى وطن، بل من حال إلى حال، ومن إنسان الأمس إلى إنسان الغد.
ومن يتأمل الهجرة النبوية يدرك أنها لم تكن رحلة بحث عن مكان أكثر أمنًا، ولا انتقالًا من مدينة إلى أخرى، وإنما كانت انتقالًا من مرحلة إلى مرحلة، ومن رؤية إلى رؤية، ومن مجتمع تحكمه العصبية إلى مجتمع تحكمه القيم.
ولذلك لم يبدأ النبي ﷺ في المدينة ببناء حصن، ولا بتشكيل جيش، ولا بإعلان هيمنة على من حوله، وإنما بدأ ببناء المسجد، لأنه أراد أن يربط المجتمع بخالقه قبل أن يربطه بمصالحه. ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، ليعلن أن رابطة الإيمان أقوى من روابط القبيلة والعرق. ثم كتب وثيقة المدينة، التي أقامت العلاقة بين مكونات المجتمع على أساس العدل، والحقوق، والواجبات المشتركة، والتعاون في حماية الوطن، واحترام التعدد الديني والاجتماعي.
وهكذا لم تكن الهجرة إعلانًا عن ميلاد قوة جديدة بقدر ما كانت إعلانًا عن ميلاد مجتمع جديد؛ مجتمع يرى أن الإنسان هو أعظم ثروة، وأن العدل هو أساس العمران، وأن الرحمة ليست خُلُقًا فرديًا فحسب، بل هي مبدأ تُبنى عليه العلاقات بين الناس.
ومن هنا نفهم لماذا لم يجعل الصحابة رضي الله عنهم بداية التاريخ الإسلامي يوم بدر، مع ما فيه من مجد وانتصار، ولا يوم فتح مكة، مع ما فيه من عزة وتمكين. لقد أرادوا أن يربطوا ذاكرة الأمة باللحظة التي بدأ فيها بناء الإنسان؛ لأنهم أدركوا أن الانتصارات العسكرية قد تصنعها القوة، أما الحضارات فلا يصنعها إلا الإنسان الذي تربى على القيم.
ولذلك فإن التقويم الهجري ليس مجرد وسيلة لحساب الأيام، بل هو رسالة تربوية متجددة. فكلما كتب المسلم تاريخًا هجريًا جديدًا، فهو يُذكَّر، من حيث يشعر أو لا يشعر، بأن الزمن لا تكتسب قيمته من مرور السنين، وإنما من القدرة على تجديد النفس، وإصلاح المجتمع، والوفاء بالمبادئ التي قامت عليها الرسالة.
ولعل هذا ما يفسر أيضًا اختيار شهر محرّم ليكون أول شهور السنة، مع أن الهجرة نفسها لم تقع فيه. فقد جاء محرّم بعد موسم الحج، حيث يعود الحاج وقد جدد عهده مع الله، وطهر قلبه، واستأنف حياته بروح جديدة. فكأن العام الإسلامي لا يبدأ بعدِّ الأيام، وإنما يبدأ ببداية الإنسان من جديد. إنها هجرة تتكرر كل عام، لا بالأقدام، وإنما بالقلوب والعقول والإرادة.
ومن هنا فإن الإسلام لا يدعو الإنسان إلى أن يعيش أسير الماضي، وإنما إلى أن يحول الماضي إلى مصدرٍ للهداية. فالذاكرة في التصور الإسلامي ليست مخزنًا للأحداث، بل مدرسة للقيم. ولهذا لا يروي القرآن قصص الأنبياء لتسجيل الوقائع، وإنما ليصنع بها الضمير، ويهدي بها السلوك، ويعلم الإنسان أن السنن التي حكمت الأمم السابقة ما تزال تحكم حياة الناس إلى يوم القيامة.
ومن أروع ما يميز شهر محرّم أنه يجمع في أيامه أكثر من صفحة مضيئة من صفحات هذه الذاكرة الأخلاقية. ففي عاشوراء يتذكر المسلمون نجاة موسى عليه السلام، لا لأنها قصة انتصار قوم على قوم، وإنما لأنها قصة انتصار الحق على الطغيان، والإيمان على اليأس، والثقة بالله على حسابات القوة المجردة. لقد وقف موسى أمام البحر، وخلفه جيش لا يرحم، حتى قال قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فجاء الجواب الذي بقي درسًا خالدًا لكل الأجيال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
ولم يكن هذا اليقين مجرد موقف في لحظة أزمة، بل إعلانًا عن حقيقة كبرى، وهي أن الأمم لا تنتصر أولًا بعددها وعدتها، وإنما تنتصر عندما يكون الحق أوضح في قلوبها من الخوف الذي يحيط بها.
غير أن شهر محرّم لا يحمل في ذاكرة المسلمين معنى النجاة وحده، بل يحمل أيضًا ذكرى من أشد اللحظات ألمًا في تاريخهم، يوم استشهد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما. وليس من الوفاء للحسين أن يُختزل في مأساة، كما ليس من الإنصاف للتاريخ أن يبقى أسيرًا لجراحه.
لقد أحب المسلمون الحسين لأنه حفيد رسول الله ﷺ، ولأنه نشأ في بيت النبوة، ولما عرف عنه من علم وفضل وشجاعة واستقامة. وكانت فاجعة استشهاده مصابًا هز ضمير الأمة، ولا يزال كذلك إلى يومنا هذا. لكن القيمة الكبرى التي ينبغي أن تبقى حاضرة في الوجدان ليست استحضار الألم لذاته، وإنما استحضار المعاني التي عاش الحسين من أجلها؛ الكرامة، والوفاء للمبدأ، ورفض الظلم، والثبات على الحق مهما غلت التضحيات.
غير أن التاريخ الإسلامي يقدم لنا بعد كربلاء درسًا آخر، لا يقل عظمة عن الدرس الأول، ويتمثل في شخصية الإمام علي بن الحسين زين العابدين، الذي خرج من قلب تلك المأساة شاهدًا عليها، وحاملًا لآثارها في نفسه، لكنه رفض أن يجعلها بداية لدائرة لا تنتهي من الانتقام والكراهية.
لقد كان يستطيع أن يجعل حياته كلها وقوفًا عند الجراح، لكنه اختار أن يقف عند الرسالة. فانصرف إلى العبادة والعلم وتربية النفوس، حتى أصبح أحد كبار علماء الأمة وأئمة الزهد فيها. ولم يكن ذلك هروبًا من التاريخ، بل كان أسمى صور الانتصار عليه؛ إذ أدرك أن بناء الإنسان أبلغ أثرًا من تأجيج الخصومات، وأن إصلاح القلوب أبقى من استثارة الأحقاد.
وهنا تتجلى عبقرية الذاكرة الإسلامية؛ فهي لا تريد أن يبقى الإنسان سجينًا للماضي، وإنما أن يكون الماضي معلمًا له. فهي تستحضر موسى عليه السلام لتتعلم كيف تواجه الطغيان باليقين، وتستحضر الهجرة لتتعلم كيف تبني مجتمعًا يقوم على الرحمة والعدل، وتستحضر الحسين لتتعلم أن المبادئ أغلى من المصالح، ثم تستحضر زين العابدين لتتعلم أن الجراح، مهما عظمت، لا ينبغي أن تتحول إلى ميراث من الكراهية، بل إلى دافع للإصلاح، ووسيلة لتزكية النفس، وتجديد الأمل.
ولعل هذه هي الرسالة التي يحتاجها عالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالمجتمعات لا تتمزق بسبب اختلاف قراءتها للتاريخ فحسب، وإنما بسبب عجزها عن الارتفاع فوقه. أما الأمم الحية فهي التي تحفظ ذاكرتها، لكنها لا تجعلها سجنًا لأجيالها، بل تجعلها مصدرًا للحكمة، ودافعًا إلى البناء، وجسرًا يصل الماضي بالمستقبل.
ولعل الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس أنهم يقابلون بين الهجرة والنصر، وكأنهما طريقان مختلفان. والحقيقة أن الهجرة في التصور الإسلامي ليست بديلاً عن النصر، وإنما هي الطريق إليه.
فبدر لم تكن لتأتي لولا الهجرة، وفتح مكة لم يكن ليتحقق لولا المجتمع الذي بُني في المدينة، وكل نجاح عظيم في التاريخ يبدأ بتحول أخلاقي وفكري يسبق التحول السياسي أو العسكري. ولهذا لم يكن اختيار الهجرة بدايةً للتاريخ تقليلاً من شأن الانتصارات، وإنما تأكيدًا أن النصر الحقيقي لا يولد في ساحات القتال، بل يولد في الضمير، ثم في الأسرة، ثم في المجتمع، قبل أن يظهر في ميدان المواجهة.
إن القرآن نفسه يلفت الأنظار إلى السنن التي تسبق النتائج؛ فهو لا يعد المؤمنين بالنصر لمجرد انتمائهم، وإنما يربطه بالإيمان، والصبر، والوحدة، وإعداد القوة، وإقامة العدل. فالنتائج تأتي ثمرةً للأسباب، وليست بديلًا عنها. والهجرة كانت أعظم هذه الأسباب؛ لأنها صنعت الإنسان الذي صنع الحضارة.
ومن هنا لم يكن العام الهجري دعوة إلى استحضار الماضي، وإنما دعوة إلى صناعة المستقبل. فكل بداية عام تسأل المسلم: ما الهجرة التي تنتظرك هذا العام؟ وما العادة التي ينبغي أن تهجرها؟ وما الخلق الذي ينبغي أن تتحلى به؟ وما الظلم الذي يجب أن تتخلص منه؟ وما الخير الذي تستطيع أن تضيفه إلى مجتمعك ووطنك والإنسانية من حولك؟
فالهجرة ليست حدثًا جغرافيًا، بل مشروعًا أخلاقيًا دائمًا. ولذلك قال النبي ﷺ: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، فنقل معنى الهجرة من حدود المكان إلى آفاق النفس، ومن رحلة وقعت في التاريخ إلى رسالة تتجدد في كل زمان ومكان.
وهنا تلتقي جميع معاني محرّم في لوحة واحدة؛ نجاة موسى تعلمنا أن اليقين أقوى من الطغيان، والهجرة تعلمنا أن بناء المجتمع يسبق بناء القوة، والحسين يعلمنا أن المبادئ لا تُباع مهما اشتدت المحن، وزين العابدين يعلمنا أن أعظم الانتصارات أن ننتصر على دوافع الانتقام، وأن نحول الألم إلى إصلاح، والذاكرة إلى حكمة، والجراح إلى طاقة للبناء









