د. فايد محمد سعيد يكتب: تجديد قراءة السيرة (7): نصارى نجران في مسجد النبي ﷺ… حين كان الاختلاف بابًا للحوار لا سببًا للعداء
مقالات للرأي

حين ندعو إلى تجديد قراءة السيرة النبوية، فإننا لا نبحث عن سيرة جديدة، ولا نريد مجرد إعادة سرد أحداث حفظنا أسماءها وتواريخها، وإنما نعود إلى السيرة نفسها بأسئلة عصرنا: كيف تعامل النبي ﷺ مع المختلف دينيًا؟ وكيف أدار الحوار في أعظم قضايا العقيدة؟ وهل كان وضوح العقيدة يعني إغلاق باب التعايش؟ وهل كان الاختلاف الديني مانعًا من حفظ الكرامة والحقوق والأمن؟ ولعل قصة وفد نصارى نجران من أغنى صفحات السيرة النبوية في الإجابة عن هذه الأسئلة؛ لأنها تجمع في مشهد واحد بين العقيدة والحوار، والاختلاف والتعايش، والدعوة وحرية الاعتقاد، والثبات على الحق وحفظ كرامة المخالف.
ونحن اليوم نعيش في مجتمعات متعددة الأديان والثقافات؛ يعيش المسلم إلى جوار المسيحي واليهودي ومن لا يؤمن بدين، ويلتقي الجميع في المدرسة والجامعة والعمل والمستشفى والسوق والحي الواحد. وقد يظن بعضنا أن هذا واقع جديد لم يعرفه المسلمون الأوائل، ولكن قراءة السيرة تقول لنا غير ذلك. لقد عرف النبي ﷺ مجتمعًا متعددًا، وتعامل مع اليهود والنصارى والمشركين والقبائل والوفود، ولم يكن المختلف دينيًا غائبًا عن حياته اليومية أو عن مشروعه في بناء المجتمع. ومن أروع الأمثلة على ذلك ما وقع مع نصارى نجران.
كانت نجران من أهم المراكز المسيحية في الجزيرة العربية، وقدم وفد من نصاراها إلى المدينة للحوار مع رسول الله ﷺ. ولنتأمل المشهد قبل أن نقرأ تفاصيله: لم يأت هؤلاء وقد أصبحوا مسلمين، ولم يأتوا ليعلنوا موافقتهم للنبي ﷺ، بل جاءوا وهم متمسكون بمسيحيتهم، يحملون أسئلتهم واعتراضاتهم، وكان موضوع النقاش من أعمق ما يمكن أن يقع فيه الاختلاف بين المسلمين والمسيحيين: المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام. ومع ذلك بدأ اللقاء بالحوار. وهذا وحده درس؛ فوجود الخلاف العميق لا يعني استحالة اللقاء، والتمسك بالعقيدة لا يعني رفض الاستماع إلى الآخر، والحوار لا يعني أن يتنازل الإنسان عن شيء من دينه.
لقد عرض القرآن عقيدته في المسيح عليه السلام بكل وضوح فقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 59-60]. وقبل ذلك قرر القرآن مكانة المسيح عليه السلام وأمه مريم عليها السلام فقال: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45]. فالحوار النبوي لم يبدأ بمحو نقاط الالتقاء، كما أنه لم يخف مواضع الاختلاف. وهذه قاعدة عظيمة نحتاج إليها اليوم: الحوار الحقيقي لا يحتاج إلى أن نخفي عقيدتنا، والتعايش الحقيقي لا يشترط أن نتفق في العقيدة.
ويروي ابن إسحاق في السيرة، عن محمد بن جعفر بن الزبير، أن وفد نجران لما قدم المدينة دخل على رسول الله ﷺ في مسجده بعد العصر، وكانوا في ثيابهم وهيئتهم، حتى قال بعض من رآهم من الصحابة إنهم لم يروا وفدًا مثلهم. ثم حانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجد رسول الله ﷺ متجهين إلى المشرق، فأراد بعض الناس منعهم، فنقل أن النبي ﷺ قال: «دعوهم»، فصلوا إلى المشرق.
وهذه الرواية مشهورة في كتب السيرة، وقد أوردها ابن إسحاق ومن طريقه ابن هشام وغيرهما، ولكن الأمانة العلمية تقتضي أن نبين أن سندها منقطع، ولذلك لا نقدمها باعتبارها حديثًا صحيحًا مسندًا، وإنما باعتبارها خبرًا مشهورًا من أخبار السيرة. كما أن الرواية لا تقول إنهم «صلوا بصلبانهم»، وهي عبارة تتردد في بعض الكتابات، فلا ينبغي أن نضيف إلى الرواية ما ليس فيها.
لكن المشهد، كما حفظته لنا كتب السيرة، يبقى عظيم الدلالة: قوم يختلفون مع النبي ﷺ في أصل من أصول العقيدة يدخلون مسجده للحوار، وحين يحين وقت عبادتهم لا يتحول الاختلاف إلى إهانة أو فوضى. لقد كان مسجد النبي ﷺ قلب المجتمع؛ فيه الصلاة والتعليم واستقبال الوفود والمشورة والنظر في شؤون الناس. ولم يقل النبي ﷺ لهم: لا أجلس معكم لأنكم تختلفون معي، ولم يقل: لا أسمع منكم حتى توافقوني، بل جلس معهم واستمع إليهم وحاورهم في أعمق مسائل الاعتقاد.
وهنا تأتي آية أرى أننا بحاجة إلى أن نتوقف عند كل كلمة فيها قبل أن نتحدث عن الحوار مع أهل الكتاب. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46].
تأملوا كيف بدأت الآية.
لم يقل الله سبحانه: جادلوا أهل الكتاب.
ولم يقل: جادلوهم بالحسنى.
بل بدأ بالنهي:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾.
والأصل في هذا التركيب المنع، ثم جاء الاستثناء بعده:
﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
فكأن الأصل أن تكف عن الجدال، إلا إذا استطعت أن ترتقي به إلى هذه المرتبة: ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
ولم يقل القرآن: «إلا بالحسنة»، وإنما قال: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ أي إن المسلم لا يُطلب منه في هذا المقام مجرد الكلام الحسن، وإنما اختيار أحسن ما يمكن من القول، وأحسن ما يمكن من الأسلوب، وأحسن ما يمكن من الحجة، وأحسن ما يمكن من الخلق.
وهذا يجعل الحوار مع أهل الكتاب في المنهج القرآني مسؤولية وليس هواية، وعلمًا وليس استعراضًا، وأمانة وليس ميدانًا للانتصار للنفس.
ولذلك فإن من لا علم له بما يعتقده هو أولًا، ولا معرفة له بما يقوله الآخر، ولا قدرة له على التمييز بين الحجة والشبهة، ليس من الحكمة أن يقتحم هذا الميدان. ومن لا يملك الصبر والحلم، ويغضب عند أول اعتراض، ويحول الحوار إلى خصومة، فليس هو الذي يحقق قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
ومن لا يستطيع أن يسمع قبل أن يجيب، ولا أن يفهم قبل أن يحكم، ولا أن ينصف المخالف قبل أن يرد عليه، فالصمت في حقه قد يكون أقرب إلى هدي هذه الآية من جدال يسيء به إلى الإسلام وهو يظن أنه يدافع عنه.
إن الحوار الديني ليس مباراة يفوز فيها من رفع صوته أكثر، وليس منصة لجمع المشاهدات، وليس فرصة لإحراج إنسان أمام الناس. الحوار في القرآن دعوة ومسؤولية وأخلاق.
وقد قال الله لنبيه ﷺ: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. فتأملوا مرة أخرى هذا الارتقاء: حكمة، وموعظة حسنة، وجدال بالتي هي أحسن. وليس المقصود أن ينتصر الإنسان في الحوار لنفسه، وإنما أن يفتح للحق طريقًا إلى القلب.
وهنا نفهم لماذا كان رسول الله ﷺ أقدر الناس على الحوار؛ لأنه كان أعلمهم بالله، وأوثقهم بما جاءه من ربه، وأصبرهم على الناس، وأرحمهم بهم. فاجتمع في حواره العلم والحلم، والحجة والرحمة، والثبات وحسن الاستماع.
ومن هنا ينبغي أن نراجع شيئًا من واقعنا اليوم. فقد أصبح الحوار الديني عند بعض الناس سهلًا؛ هاتف وكاميرا ومنصة، ثم يدخل الإنسان في أعقد قضايا العقيدة، ويجادل في المسيحية واليهودية والإلحاد وهو لم يستكمل أدوات العلم، وربما لم يحسن حتى عرض عقيدته. ثم إذا عجز عن الحجة لجأ إلى السخرية، وإذا ضاق بالاعتراض رفع صوته، وإذا لم يستطع إقناع محاوره حاول إحراجه. ثم يسمى ذلك دفاعًا عن الإسلام!
إن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾ ينبغي أن يسبق في أذهاننا حماسنا للجدال، وقوله: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ينبغي أن يكون الميزان الذي نزن به كل حوار: هل عندي علم؟ هل عندي حجة؟ هل عندي صبر؟ هل عندي إنصاف؟ هل أريد هداية الإنسان أم هزيمته؟ هل سيخرج من حواري أقرب إلى فهم الإسلام أم أشد نفورًا منه؟
ولذلك فليس كل من عرف شيئًا صالحًا للحوار، وليس كل من استطاع الكلام مأذونًا له أخلاقيًا وعلميًا أن يتصدر لهذا الباب. فمن لا علم له ولا صبر له ولا حلم له، فليتعلم أولًا، وليدع هذا الميدان لمن يستطيع أن يحقق شرط القرآن: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وهذا بالضبط ما نراه في حوار النبي ﷺ مع نصارى نجران. كان واضحًا في عقيدته، ولكنه لم يكن فظًا. وكان قويًا في حجته، ولكنه لم يكن مستهزئًا. وكان واثقًا مما عنده، ولذلك لم يحتج إلى إهانة من يخالفه.
واستمر الحوار في شأن المسيح عليه السلام حتى نزل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]. وهذه هي آية المباهلة.
وثبت في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا رضي الله عنهم وقال: «اللهم هؤلاء أهلي».
وهنا ينبغي أن نقرأ المباهلة قراءة أعمق. لقد بلغ الخلاف العقدي أقصى درجاته، والقرآن يقرر أن الحق واحد، والنبي ﷺ واثق بما جاءه من ربه. ولكن هل تحولت المباهلة إلى حرب؟ وهل أُجبر نصارى نجران على الإسلام؟ وهل عوقبوا لأنهم لم يقتنعوا؟
لم يحدث شيء من ذلك.
لم يختاروا المباهلة، وبقوا على دينهم، وانتقل التعامل من الجدل العقدي إلى تنظيم العلاقة وحفظ الحقوق. وهنا تظهر عظمة المنهج النبوي: نختلف في العقيدة، ولكن الاختلاف لا يسقط الحقوق.
وبعد الحوار كتب النبي ﷺ لأهل نجران كتابًا ينظم العلاقة معهم ويحفظ لهم حقوقهم. وقد نقلت المصادر المبكرة نصوصًا متقاربة لهذا الكتاب، ومن أشهر ما جاء فيه: «ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير». وجاء فيه كذلك: «لا يُغيَّر أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته…».
وقد رويت ألفاظ الكتاب وطرقه بصيغ مختلفة في مصادر منها الخراج لأبي يوسف، والأموال لأبي عبيد، والطبقات الكبرى لابن سعد، ودلائل النبوة للبيهقي، ولذلك ينبغي التعامل مع ألفاظه التفصيلية بما يليق باختلاف طرقها، لكن المعنى الذي تتضافر عليه هذه الأخبار واضح: تنظيم العلاقة مع نصارى نجران، وحفظ أنفسهم وأموالهم وشؤونهم الدينية في إطار العهد.
تأملوا الكلمات: أنفسهم، أموالهم، أرضهم، ملتهم، بيعهم، أساقفتهم، رهبانهم.
لم تكن الحماية للإنسان بعد تجريده من هويته، وإنما كان له في إطار العهد أمن على نفسه وماله وشأنه الديني.
وهنا نفهم قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]. فالإيمان الذي يريده الله ليس كلمة ينتزعها الإكراه من اللسان، وإنما تصديق يختاره القلب. وقال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، وقال لنبيه ﷺ: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99].
وهذا لا يعني أن القرآن يرى العقائد كلها سواء؛ فالقرآن واضح في بيان ما يراه حقًا وما يراه باطلًا، ولكنه يفرق بين بيان الحق وإكراه الإنسان عليه.
ومن الآيات التي تستحق أن تُقرأ من جديد في عصرنا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40].
تأملوا هذا الترتيب القرآني: صوامع، وبيع، وصلوات، ومساجد.
إن المسلم الذي يتألم إذا اعتُدي على مسجد ينبغي أن يفهم ألم المسيحي إذا اعتُدي على كنيسته، وألم اليهودي إذا اعتُدي على معبده؛ لأن العدل الذي جاء به الإسلام لا يكون عدلًا إذا طالبنا به لأنفسنا ومنعناه عن غيرنا.
وقد يقع بعض الناس في خطأ من الجهة الأخرى، فيظنون أن الحديث عن الحوار والتعايش يعني تمييع العقيدة أو القول بأن جميع المعتقدات شيء واحد. وقصة نجران نفسها ترد على ذلك. النبي ﷺ لم يخف عقيدته في المسيح، والقرآن ناقش عقيدة الوفد، ونزلت آية المباهلة، وكان الخلاف العقدي واضحًا وصريحًا، ولكن هذا كله لم يمنع العدل ولا الحوار ولا حفظ الحقوق.
إذن فالمعادلة النبوية ليست: لكي أتعايش معك يجب أن أقول إننا متفقان في كل شيء. وإنما هي: أختلف معك دون أن أظلمك، وأتمسك بعقيدتي دون أن أهينك، وأدعو إلى ما أراه حقًا دون أن أكرهك عليه، وأحفظ لك حقك كما أحب أن تحفظ لي حقي.
إنه ثبات بلا تعصب، وحوار بلا ذوبان، واختلاف بلا ظلم.
ونحن اليوم، وخاصة المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الأوروبية المتعددة الأديان والثقافات، نعيش سؤال نجران كل يوم. ندخل الجامعات مع المختلفين عنا، ونعمل معهم، ونسكن بجوارهم، ونتبادل معهم المصالح والأفراح والأحزان، وقد نتحاور معهم حول الله والنبوة والمسيح والأخلاق والأسرة والمجتمع. والسؤال ليس: هل نختلف؟ فالاختلاف موجود وسيبقى. وإنما السؤال: كيف نختلف؟
لقد علمتنا قصة مخيريق معنى قلنا إنه ينبغي أن يبقى مركزيًا في تجديد قراءة السيرة: الناس قد لا يقرؤون القرآن، ولكنهم يقرؤوننا نحن كل يوم.
وقصة نصارى نجران تضيف إلى ذلك معنى آخر: قد لا يدخل المختلف مسجدنا ليصلي معنا، لكنه قد يدخل حياتنا ليسألنا عن ديننا؛ فهل يجد عندنا علمًا يجيب عن سؤاله، وقلبًا يتسع له، وخلقًا يجعله يحترم الإسلام حتى حين لا يقتنع بما نقول؟
إذا كانت كتب السيرة تحفظ لنا صورة وفد مسيحي يدخل مسجد رسول الله ﷺ ويحاوره في عقيدته، وإذا كان القرآن نفسه قد حفظ لنا هذا الحوار، فلماذا نخاف نحن من السؤال؟ ولماذا يتحول بعض اختلافنا الديني إلى خصومة شخصية؟ ولماذا نظن أن إهانة المخالف انتصار للعقيدة؟
لقد جاء نصارى نجران إلى المدينة، واختلفوا مع رسول الله ﷺ في المسيح عليه السلام، وبلغ الحوار إلى المباهلة، ثم انتهى اللقاء دون إكراههم على الإسلام، ونظمت العلاقة معهم بما يحفظ الحقوق.
إنها صفحة تحتاج أن تُقرأ من جديد، لا لكي نسقط عليها مصطلحات عصرنا بلا ضابط، ولا لكي نحمل الروايات أكثر مما تحتمل، وإنما لكي نستعيد منها روحًا نحن في أمس الحاجة إليها: أن قوة العقيدة لا تحتاج إلى ظلم المخالف، وأن الدعوة لا تحتاج إلى الإكراه، وأن الحوار لا يعني التنازل، وأن التعايش لا يعني الذوبان، وأن من أراد أن يحاور باسم الإسلام فعليه قبل أن يتكلم أن يحمل علم الإسلام وحلمه وأخلاقه.
وقبل أن يدخل أحدنا في جدال ديني، فليسمع أولًا صوت القرآن:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾.
ثم ليسأل نفسه: هل أملك الاستثناء؟
﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
فإن لم يكن عنده علم، فليتعلم. وإن لم يكن عنده صبر، فليتربَّ عليه. وإن لم يستطع أن ينصف مخالفه، فليصلح قلبه قبل أن يحاوره. وإن كان يريد الانتصار لنفسه لا هداية الإنسان، فالصمت خير له وللدين الذي يريد أن يمثله.
أما من جمع العلم والحلم، والحجة والرحمة، والثبات والإنصاف، فليدعُ إلى الله كما أمر الله:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
وهذا هو محمد ﷺ الذي نحتاج أن نقدمه للعالم من جديد: نبيًا واثقًا من رسالته، واضحًا في عقيدته، فاتحًا بابه للحوار، حافظًا للعهد، عادلًا مع المخالف، ورحمة أرسلها الله للعالمين:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
والله من وراء القصد.
المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم: البقرة: 256؛ آل عمران: 45، 59-61؛ يونس: 99؛ النحل: 125؛ الكهف: 29؛ الحج: 40؛ الأنبياء: 107؛ العنكبوت: 46.
2. ابن هشام، السيرة النبوية، عن ابن إسحاق: خبر وفد نصارى نجران وحوارهم مع رسول الله ﷺ ورواية صلاتهم في المسجد. ورواية الصلاة من طريق محمد بن جعفر بن الزبير، وهي من أخبار السيرة وليست حديثًا صحيحًا متصل الإسناد.
3. صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في آية المباهلة ودعوة النبي ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا رضي الله عنهم وقوله: «اللهم هؤلاء أهلي».
4. أبو يوسف، كتاب الخراج: ما روي من كتاب النبي ﷺ لأهل نجران وضمان أنفسهم وأموالهم وشؤونهم الدينية.
5. أبو عبيد القاسم بن سلام، الأموال: كتاب أهل نجران وما ورد في حفظ حقوقهم.
6. ابن سعد، الطبقات الكبرى: خبر وفد نجران وكتاب رسول الله ﷺ لهم.
7. البيهقي، دلائل النبوة: أخبار وفد نجران والكتاب الذي كتب لهم بألفاظ متقاربة.
8. الطبري، جامع البيان؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: تفسير آيات وفد نجران والمباهلة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وآيات الدعوة وعدم الإكراه.








