مقالات الرأى

د.علي المبروك أبوقرين يكتب: الرؤية العربية للعلوم الطبية والصحية

مقالات للرأي

هناك لحظات في تاريخ الأمم يتغير فيها معيار القوة فلا يعود السؤال ماذا نملك إنما ماذا نستطيع أن نصنع بما نملك. وعندها لا تقاس ثروة الأمة بعدد جامعاتها ومستشفياتها وأطبائها وأجهزتها وأموالها، وإنما بقدرتها على تحويل مواردها إلى معرفة ومعرفتها إلى ابتكار وابتكارها إلى صناعة وصناعتها إلى صحة وصحتها إلى إنسان أكثر قدرة، ثم إلى إضافة حقيقية في مسيرة الإنسانية. من هنا تبدأ الرؤية العربية للعلوم الطبية والصحية ليس باعتبارها مشروعاً لخفض الاستيراد أو زيادة المنشآت، وإنما باعتبارها انتقالاً حضارياً من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن شراء التكنولوجيا إلى المشاركة في صناعتها، ومن امتلاك السوق إلى امتلاك القدرة التي تصنع ما يحتاجه السوق والعالم. العالم العربي لا يبدأ من العدم إنه يمتلك عناصر منظومة معرفية وصحية وصناعية تكاد تكون مكتملة إذا اجتمعت: ثروات طبيعية ومالية واسعة، جامعات وخبرات علمية وطبية، أعداد كبيرة من الشباب، صناعات دوائية وتقنية، ومؤسسات علاجية متقدمة، وأسواق عربية واسعة، وخبرات متراكمة في الصحة العامة والتعليم والبحث، وكفاءات عربية تعمل في أهم الجامعات والمختبرات والمؤسسات الصحية العالمية. هذه الإمكانات ليست متساوية بين الدول، لكنها متكاملة بطبيعتها وما تملكه دولة قد يكمل ما ينقص أخرى، وما تحتاج إليه منظومة في مجال يمكن أن تمتلك فائضاً منه في مجال آخر. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في جمع الموارد وإنما في وصلها حتى تتحول القدرات المتفرقة إلى قدرة عربية واحدة أكبر من مجموع أجزائها. إن التوطين الحقيقي للعلوم الصحية لا يبدأ من المصنع إنما من العقل؛ ولا يبدأ من خط الإنتاج إنه يبدأ من الجامعة والمختبر والبيانات والتجربة والملكية الفكرية. الدواء الذي نريد إنتاجه يجب أن تكون لدينا القدرة على اكتشافه وتطويره واختباره، واللقاح يجب ألا يكون مجرد منتج نصنعه إنما معرفة نفهم بها المناعة والمرض، والجهاز الطبي ينبغي أن يبدأ من هندسة المشكلة الصحية وليس من تجميع مكونات مستوردة، والتقنية التشخيصية يجب أن تكون ثمرة بحث يمكن أن يتحول إلى براءة اختراع وصناعة. عندها يصبح التصنيع نتيجة طبيعية للمعرفة وليس بديلاً عنها. وهذا هو التحول الذي يمكن أن يجعل العالم العربي منتجاً للمعرفة الطبية والصحية على مستوى العالم. فامتلاك منظومة عربية متكاملة في الأدوية الحيوية واللقاحات والجينوم والطب الشخصي والتشخيص الجزيئي والذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية والهندسة الطبية والأبحاث السريرية والوبائيات ومقاومة المضادات الحيوية والتقنيات التشخيصية ليس حلماً بعيداً عن الإمكانات الموجودة، وإنما نتيجة محتملة لتجميعها في مشروع معرفي طويل النفس. وحين تتصل الجامعة بالمختبر والمختبر بالمستشفى والمستشفى بالبيانات والبيانات بالذكاء الاصطناعي والبحث بالصناعة والصناعة بالسوق، تتحول الصحة من قطاع مستهلك للموارد إلى منظومة مولدة للمعرفة والقيمة الاقتصادية والقدرة الحضارية. وتصبح البيانات في هذه المنظومة أحد أهم أصول السيادة، فالأمة التي لا تعرف أمراضها بدقة لا تستطيع أن تبحث فيها، والتي لا تمتلك بياناتها لا تستطيع أن تتنبأ بمخاطرها، والتي لا تقيس نتائج علاجها لا تستطيع أن تطور نظامها. إن سجلات السرطان والأمراض النادرة والجينوم والأمراض المعدية ومقاومة المضادات ونتائج العلاج ليست سجلات إدارية، إنها بنية تحتية للمعرفة. ومن خلالها يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من تقنية مستوردة إلى قدرة عربية تنتج حلولاً تفهم الإنسان العربي وبيئته ولغته وخصائصه الصحية. ولا يقل عن ذلك أهمية أن تصبح العربية لغة لإنتاج المعرفة لا لترجمتها فقط؛ فالحضارة لا تظل حية بلغة تستقبل العلم وحده. إن بناء المحتوى العلمي العربي، والمصطلحات الحديثة، والمنصات التعليمية وقواعد البيانات والنماذج الذكية، والموسوعات الطبية، ليس مشروعاً لغوياً منفصلاً إنه جزء من استقلال المعرفة وقدرة المجتمع على المشاركة فيها. وفي قلب المشروع يبقى الإنسان. فالجامعة ليست مصنع شهادات، والمستشفى الجامعي ليس مكاناً لتدريب الطلاب فحسب، والمختبر ليس غرفة أجهزة. الجامعة مصنع للعقول، والمستشفى مدرسة للعلم ومختبر للاكتشاف، والمختبر بداية محتملة للصناعة. والطبيب في منظومة المستقبل ليس مستهلكاً للمعرفة، إنه منتج لها والممرض ليس تابعاً في منظومة الرعاية، هو شريكاً في علمها والصيدلي ليس موزعاً للدواء إنه شريكاً في اكتشافه وتطويره، والمهندس الطبي وعالم البيانات وعالم الجينات والمناعة والوبائيات جزء من فريق علمي واحد غايته تحويل الأسئلة الصحية إلى معرفة قابلة للاستخدام. وفي هذا السياق تصبح الثروة الطبيعية فرصة تاريخية وليست مجرد مورد اقتصادي. فالنفط والغاز والثروات المعدنية تستطيع أن تمول مختبرات وجامعات وصناديق بحث وشركات تكنولوجيا حيوية تستمر قيمتها بعد انتهاء المورد الذي مولها. وهكذا تتحول الثروة الناضبة إلى رأس مال معرفي متجدد، ويصبح المال جسراً إلى اقتصاد لا تنضب موارده لأن مصدره الإنسان. وتملك الكفاءات العربية في الخارج موقعاً استثنائياً في هذه المعادلة. فالعودة الحقيقية ليست بالضرورة عودة الجسد يمكن أن تعود المعرفة، وأن تعود الخبرة، وأن تعود الشراكة، وأن يعمل العالم العربي المقيم في أعظم المؤسسات العلمية في العالم ضمن شبكة معرفية عربية ممتدة. وحين تتحول العقول العربية المنتشرة في العالم من أفراد متفرقين إلى شبكة علمية، يصبح الانتشار قوة وليس نزيفاً. إن ما يمكن أن يصنع الفارق ليس مشروعاً واحداً ولا مؤسسة واحدة، وإنما منظومة عربية للبحث والابتكار الصحي، تمول أفضل الأفكار، وتربط البحث بالتطبيق، والتطبيق بالصناعة، والصناعة بالسوق، وتفتح المجال أمام الأبحاث السريرية والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والجينوم واللقاحات والأدوية والأجهزة والتشخيصات الجديدة. عندها لا يعود العالم العربي مجرد سوق كبيرة لمنتجات الآخرين إنما يصبح سوقاً ومختبراً ومصنعاً ومصدراً للمعرفة الصحية. والأهم أن هذه المنظومة لا تحتاج إلى أن تمتلك كل دولة كل شيء، فالقوة في التكامل وليس في التماثل. يمكن أن تتقدم دولة في الدواء، وأخرى في الجينوم، وثالثة في الذكاء الاصطناعي، ورابعة في التعليم، وخامسة في الأبحاث السريرية، وسادسة في الأجهزة الطبية، ثم تلتقي هذه القدرات في فضاء معرفي واحد. وعندما يحدث ذلك يصبح العالم العربي قادراً على إنتاج منظومة صحية لا تكتفي بتغطية احتياجاته إنما تستطيع أن تقدم حلولاً لأسواق العالم ومشكلاته الصحية. وهنا تتجاوز الرؤية حدود الصحة نفسها لأن المرض العالمي القادم لن يكون أقل تعقيداً من الذي نعرفه اليوم. الأوبئة ومقاومة المضادات والسرطان والأمراض النادرة والشيخوخة، والتغير المناخي، والأمراض المرتبطة بالبيئة والغذاء، والطب الشخصي، والذكاء الاصطناعي، كلها مجالات تحتاج إلى معرفة جديدة. وفي عالم كهذا لن تكون قيمة الأمم في قدرتها على شراء الحلول، وإنما في قدرتها على إنتاجها. إن الحضارة لا تقاس بما تستطيع الأمة أن تستهلكه إنما بما تستطيع أن تضيفه. والعالم العربي يمتلك اليوم من الموارد والعقول والخبرات والأسواق ما يسمح له إذا أحسن جمعها في منظومة واحدة بأن ينتقل من مستهلك كبير للمعرفة الطبية إلى أحد منتجيها. ليست القضية أن نصبح قادرين على شراء أفضل دواء أو جهاز أو تقنية، وإنما أن نصبح قادرين على اكتشاف دواء يحتاجه العالم، وتطوير تقنية يستفيد منها الإنسان، وبناء نموذج صحي يمكن أن تتعلم منه الأمم. وهنا يصبح الإنسان العربي هو الثروة الأعظم، فالموارد تمول المعرفة والمعرفة تبني الإنسان والإنسان يصنع الصحة، والصحة ترفع قدرة المجتمع، والمجتمع القادر يصنع الحضارة. وما نحتاجه ليس أن نستهلك المستقبل الذي يصنعه الآخرون إنما أن نمتلك الجرأة العلمية والحضارية للمشاركة في صناعته. من ثروات الأرض نمول المعرفة ومن المعرفة نصنع الإنسان، ومن الإنسان نبني الصحة، ومن الصحة نبني الحضارة، ومن الحضارة نضيف إلى الإنسانية. هذه ليست نهاية الرؤية، إنها لحظة انتقال العالم العربي من مستهلك للمعرفة إلى شريك في صناعتها.

زر الذهاب إلى الأعلى