د. فايد محمد سعيد يكتب: حين تتغير الظروف ولا تتغير الأخلاق: الوفاء في سيرة سيدنا محمد ﷺ
مقالات للرأي

من الأخلاق العظيمة التي نحتاج إلى إعادة اكتشافها ونحن نقرأ سيرة سيدنا رسول الله ﷺ خُلُق الوفاء. والوفاء أكبر من أن يكون مجرد رد جميل بجميل، أو مكافأة إحسان بإحسان؛ إنه ذاكرة أخلاقية تحفظ الحقوق، وتصون العهود، ولا تسمح لتغير الظروف أن يمحو فضل الناس، ولا لتحول موازين القوة أن يغير المبادئ. وقد جعل القرآن الوفاء من صفات أهل الإيمان، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: 8]، وقال في وصف أهل البر: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: 177]، وقال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]. ولم تكن هذه الآيات عند رسول الله ﷺ مبادئ يتلوها على الناس فحسب، وإنما كانت حياة يمشي بها بينهم. وإذا قرأنا سيرته من زاوية الوفاء وجدنا شيئًا عجيبًا: كان وفيًّا في الرخاء والشدة، مع القريب والبعيد، مع الحبيب والمخالف، مع المسلم وغير المسلم، مع الحي والميت، بل كان وفيًّا حتى مع العدو في ساعة الحرب. وهنا تظهر حقيقة الأخلاق؛ فالوفاء عندما يكون مريحًا سهل، ولكن الوفاء حين تكون له كلفة هو الذي يكشف معدن الإنسان.
ومن أعظم مشاهد الوفاء في السيرة يوم الحديبية. جاء رسول الله ﷺ وأصحابه يريدون العمرة لا القتال، ومنعتهم قريش من دخول مكة، ثم انتهت المفاوضات إلى الصلح المعروف بصلح الحديبية، وكان الذي يفاوض رسول الله ﷺ عن قريش سهيل بن عمرو. ومن شروط الصلح أن من جاء إلى النبي ﷺ من قريش بغير إذن وليه يرده إليهم. وكان الشرط ثقيلًا على الصحابة، لكن قبل أن ينفض المجلس وقع امتحان الوفاء. جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو رضي الله عنه يرسف في قيوده، وقد استطاع أن يفلت من مكة، وألقى بنفسه بين المسلمين. إنه مسلم مضطهد، جاء يطلب النجاة من إخوانه، وأبوه سهيل هو الذي يفاوض النبي ﷺ، فقال: هذا أول من أقاضيك عليه أن ترده إليّ. يا له من موقف! أمام النبي ﷺ رجل مسلم معذب، وأمام الصحابة أخ لهم يرون قيوده وآثار ألمه، وأمام رسول الله ﷺ عهد لم يجف مداده بعد. كان يمكن للعاطفة أن تقول شيئًا، لكن الوفاء بالعهد قال شيئًا آخر. طلب النبي ﷺ من سهيل أن يجيزه له، فأبى، فلم ينقض رسول الله ﷺ العهد في أول امتحان، ولم يقل: لقد تغيرت الظروف، ولم يبحث عن حيلة يخرج بها من الاتفاق، بل أمر أبا جندل بالصبر والاحتساب، مؤكدًا أن المسلمين لا يغدرون بمن عاهدوهم. وكان الموقف شديدًا على الصحابة حتى إن عمر رضي الله عنه لم يحتمل ما يراه من الألم، ولكن رسول الله ﷺ كان يبني أمة تعلم أن العهد لا تكون له قيمة إذا التزمناه فقط عندما يوافق رغباتنا.
وهنا تظهر المقارنة الأولى التي ينبغي أن نقف عندها: نحن كثيرًا ما نفي بالعهد ما دام الوفاء لا يكلفنا شيئًا، فإذا أصبح الوفاء مؤلمًا بدأنا نبحث عن المخارج والتأويلات. أما محمد ﷺ فقد علم الأمة أن أخلاقك لا تُختبر عندما توافق مصلحتك، وإنما عندما تعارضها. فما قيمة الصدق إذا صدقنا فقط حين ينفعنا الصدق؟ وما قيمة الأمانة إذا حفظناها فقط حين لا تكلفنا؟ وما قيمة العهد إذا كان قائمًا ما دام في صالحنا ثم سقط عندما أصبح عبئًا علينا؟ في الحديبية كان يستطيع أن يكسب رجلًا مسلمًا برد أبي جندل إليه، لكنه كان يبني ما هو أكبر من موقف فردي: كان يبني مصداقية أمة.
ثم انظروا إلى يوم بدر، حيث يأتي الوفاء في صورة أشد عجبًا. كان المسلمون قلة، وكل رجل في صفهم له قيمة، وجاء حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأبوه إلى رسول الله ﷺ، وكانت قريش قد أخذت عليهما عهدًا ألا يقاتلا مع محمد ﷺ. وهما الآن بين المسلمين، والمعركة على الأبواب، والحاجة إلى الرجال شديدة. ماذا قال رسول الله ﷺ؟ قال: «انصرفا، نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم» رواه مسلم.
تأملوا المقارنة بين الحديبية وبدر. في الحديبية كان الوفاء يعني إعادة مسلم مضطهد إلى قريش، وفي بدر كان الوفاء يعني الاستغناء عن رجلين في لحظة يحتاج فيها المسلمون إلى كل رجل. اختلفت الظروف، وبقي المبدأ واحدًا. في الحديبية كان الثمن عاطفيًا شديدًا، وفي بدر كان الثمن عسكريًا، لكن محمدًا ﷺ لم يجعل تغير الظروف مبررًا لتغير الأخلاق. قال: «نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم». وما أعظم الجمع بين الجملتين: نفي نحن بما علينا، ثم نستعين بالله فيما نحتاج إليه. كأن النصر الذي يحتاج إلى خيانة العهد ليس هو النصر الذي يريده محمد ﷺ. إن القيم في سيرته لا تسقط عند أبواب المعارك، بل ربما كانت أحوج ما تكون إلى الظهور حين تشتد الخصومة.
ثم ننتقل من الوفاء بالعهد مع العدو إلى الوفاء بالجميل مع رجل لم يدخل الإسلام. عاد النبي ﷺ من الطائف بعد ما لقي من الأذى، وكان دخوله مكة يحتاج وفق أعراف ذلك المجتمع إلى جوار، فقبل المطعم بن عدي أن يجيره، ودخل رسول الله ﷺ مكة في جواره وحماية بنيه. ثم مات المطعم على غير الإسلام، ومرت السنوات، وهاجر النبي ﷺ، وجاء يوم بدر، وانقلبت موازين القوة، وأصبح أسرى قريش في أيدي المسلمين. وهنا تذكر رسول الله ﷺ جميلًا قديمًا، فقال في أسرى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيًّا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم له» رواه البخاري.
وهنا مقارنة أخرى تكشف معدن الوفاء. عندما أجار المطعم رسول الله ﷺ كان النبي في حاجة إلى الجوار، وعندما ذكره بعد بدر لم يعد محتاجًا إليه، بل كان المطعم قد مات أصلًا. كثير من الناس يتذكرونك ما دامت لهم حاجة عندك، فإذا انتهت الحاجة انتهت الذاكرة. أما محمد ﷺ فتغيرت موازين القوة، وانتهت الحاجة، ومات صاحب الجميل، لكن الجميل نفسه لم يمت في ذاكرته. وهذه من أنبل صور الوفاء: أن تتذكر من أحسن إليك بعد أن تصبح قادرًا على الاستغناء عنه.
ولم يسأل النبي ﷺ: هل مات المطعم مسلمًا؟ حتى يحفظ معروفه. فالاختلاف في العقيدة لم يمح حقيقة أخلاقية: هذا الرجل أحسن إليّ يومًا. وهذا درس عظيم في زمن أصبح فيه الاختلاف أحيانًا يمحو كل فضيلة للآخر. قد نختلف مع إنسان في الدين أو الفكر أو الرأي، لكن الاختلاف لا يبيح لنا إنكار معروفه. محمد ﷺ حفظ جميل المطعم مع بقاء الاختلاف بينهما. وهكذا يعلمنا أن العدل يحفظ الحقيقة، والوفاء يحفظ الجميل.
ثم إذا أردنا أن ننتقل من وفاء العهود إلى وفاء القلوب، فلا نجد أجمل من وفائه ﷺ لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها. ماتت خديجة، لكن مكانها لم يمت في قلبه. وهنا لون من الوفاء لا تحكمه معاهدة ولا يفرضه عقد ولا تخشى فيه ملامة أحد. إنه الوفاء الذي لا يراقبه إلا القلب.
تقول عائشة رضي الله عنها: «ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها»، وثبت أنه كان إذا ذبح الشاة قال: «أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة» رواه مسلم. تأملوا هذا الوفاء: لم يحفظ عهد خديجة معها فقط، بل حفظه مع صديقاتها. ماتت صاحبة العلاقة، لكن المعروف امتد إلى من كانت تحبهم. وكأن المحبة الصادقة تقول: من كان له مكان في قلب من أحببت، فله عندي شيء من ذلك المكان.
واستأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة رضي الله عنها، على رسول الله ﷺ، فلما سمع استئذانها تذكر خديجة، فقال: «اللهم هالة بنت خويلد» متفق عليه. صوت عند الباب أعاد إليه إنسانة رحلت منذ سنوات. وهذا هو الوفاء حين يصبح جزءًا من تكوين الإنسان؛ لا يحتاج إلى مناسبة حتى يظهر، فقد توقظه نبرة صوت، أو اسم، أو صديق قديم.
ولما غارت عائشة رضي الله عنها من كثرة ذكر خديجة، ظل النبي ﷺ يذكر فضلها ومكانتها. وقد وردت روايات في قوله ﷺ عنها بمعنى: آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، وهي روايات في أسانيد بعضها كلام، لكن أصل عظيم منزلتها ووفائه لها ثابت بأصح الأحاديث.
وهنا مقارنة إنسانية مؤثرة: خديجة كانت معه في زمن البدايات، فبقيت في ذاكرته زمن الانتصارات. وقفت معه يوم لم يكن حوله جمهور، فذكرها يوم أصبح حوله الآلاف. صدقته يوم كذبه الناس، فلم يمح تصديق الملايين بعد ذلك ذكرى أول قلب صدقه. وواسته يوم الشدة، فلم تنسه أيام السعة أيام المواساة.
وكم من إنسان يعرفنا في البدايات ثم ننساه في النهايات! وكم من يد أمسكت بأيدينا ونحن نصعد، فإذا وصلنا إلى مكان ما استثقلنا أن نذكر أصحاب تلك الأيدي! وكم من معلم علمنا الحرف الأول ثم غطت عليه الألقاب التي حصلنا عليها بعد ذلك! أما رسول الله ﷺ، فكلما اتسعت حياته اتسعت معها ذاكرة الوفاء.
ثم تأتي مكة والمدينة لتقدما لنا واحدة من أروع المقارنات في السيرة. مكة وطن الميلاد، وفيها البيت الحرام، وفيها الذكريات والأهل والعشيرة. والمدينة وطن الهجرة، وفيها الأنصار الذين آووا ونصروا.
خرج رسول الله ﷺ من مكة مكرهًا، ثم عاد إليها فاتحًا. وعندما فتح الله عليه مكة، تسلل إلى نفوس بعض الأنصار سؤال إنساني: الآن عاد رسول الله ﷺ إلى بلده، وفتحت له مكة، فهل يبقى فيها؟ هل انتهت حاجته إلى المدينة؟ هل يعود إلى قومه ويترك الذين آووه؟
بلغ ذلك النبي ﷺ، فقال للأنصار في المعنى الثابت في صحيح مسلم: «المحيا محياكم، والممات مماتكم».
تأملوا المقارنة: مكة وطن الميلاد، والمدينة وطن الوفاء.
في مكة ولد.
وفي المدينة نُصر.
في مكة أهله وعشيرته.
وفي المدينة رجال فتحوا له بيوتهم وقلوبهم.
ولما أصبح قادرًا على اختيار مكة، اختار الوفاء لمن آووه.
قال: المحيا محياكم والممات مماتكم.
وهكذا كان؛ عاش في المدينة، ومات فيها، ودُفن فيها ﷺ.
إنه لا يعلمنا ألا نحب أوطاننا الأولى، ولكنه يعلمنا أن الوفاء لا يسمح لنا أن ننسى من فتح لنا الباب عندما أغلقت الأبواب.
وهنا نصل إلى معنى أراه من أعجب معاني الوفاء النبوي. نحن عادة نطالب الإنسان بأن يتذكر من أحسن إليه، لكن رسول الله ﷺ كان في أكثر علاقاته هو صاحب الإحسان الأكبر. هو الذي علم أصحابه، ورباهم، وواساهم، ودعا لهم، وتحمل أذاهم، وهداهم الله به. ومع ذلك لم تكن ذاكرته مشغولة بما قدمه هو للناس، بل بما قدمه الناس له.
تذكر جوار المطعم.
وتذكر وقوف خديجة.
وتذكر صديقات خديجة.
وتذكر الأنصار.
وتذكر كل يد امتدت إليه بخير.
وهنا الفرق بين ذاكرة المَنّ وذاكرة الشكر.
النفوس الصغيرة تحتفظ بسجل طويل لما قدمته للآخرين، وتفتح هذا السجل عند أول خلاف: أنا فعلت لك، وأنا أعطيتك، وأنا وقفت معك. أما النفوس الكبيرة فتحفظ سجلًا آخر: من الذي علمني؟ من الذي وقف معي؟ من الذي أحسن إليّ؟ من الذي فتح لي بابًا؟ من الذي قال في حقي كلمة خير يوم احتجت إليها؟
ورسول الله ﷺ كان أكثر الناس إحسانًا إلى الناس، ومع ذلك كانت ذاكرته ذاكرة شكر لا ذاكرة مَنّ.
ولعل هذا من أشد ما نحتاج إليه اليوم. لقد أصبحت ذاكرتنا في كثير من الأحيان قوية جدًا مع الإساءة، ضعيفة جدًا مع الإحسان. قد يحسن إليك إنسان عشرين عامًا ثم يخطئ معك مرة، فتمحو لحظة الخطأ عشرين عامًا من الجميل. وقد يقف معك مئة موقف ثم يتأخر عنك في موقف واحد، فلا تتذكر إلا الموقف الذي غاب عنه.
نتذكر كلمة جرحتنا قبل سنوات، وننسى كلمات كثيرة داوت جراحنا. نتذكر من خالفنا، وننسى أنه وافقنا ونصرنا في مواطن كثيرة. نتذكر ساعة الخصومة، وننسى سنوات الصحبة.
أما محمد ﷺ فيعلمنا ذاكرة أخرى.
ذاكرة لا تنكر الألم، لكنها لا تسمح للألم أن يمحو الجميل.
وهذه المقارنة بين ذاكرتنا وذاكرته ﷺ ينبغي أن تجعلنا نراجع أنفسنا. نحن نحتاج أحيانًا إلى من يذكرنا بما قدمه الآخرون لنا، أما رسول الله ﷺ، وهو الذي قدم للناس ما لم يقدموا له مثله، كان هو الذي يتذكر.
وهذا خلق ينبغي أن نعيده إلى مفهومنا للسنة.
فنحن نتحدث كثيرًا عن اتباع السنة، وهذا من أعظم أبواب الخير، ولكن السنة ليست هيئة ظاهرة فقط.
الوفاء سنة.
حفظ العهد سنة.
تذكر الجميل سنة.
الوفاء للزوج والزوجة سنة.
إكرام أصدقاء من نحب سنة.
الاعتراف بفضل المعلم سنة.
حفظ فضل أصحاب البدايات سنة.
الوفاء لمن خالفنا إذا كان بيننا وبينه عهد سنة.
أن نختلف مع الإنسان ولا نجحد إحسانه سنة.
أن تتغير مناصبنا ولا تتغير أخلاقنا سنة.
أن نستغني عن الناس ولا ننسى فضلهم سنة.
وكيف يزعم الإنسان محبة رسول الله ﷺ والاقتداء به ثم تكون ذاكرته قصيرة مع من أحسن إليه؟ وكيف نتمسك ببعض السنن الظاهرة ثم ننسى سنة عاشها النبي ﷺ مع الزوجة والصاحب والمخالف والعدو؟
إن الاقتداء برسول الله ﷺ ليس أن نشبهه في بعض المظاهر فحسب، بل أن نحاول أن نحمل شيئًا من أخلاقه. قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
ومن أعظم أسوته ﷺ أنه لم يكن ينسى الجميل.
في الحديبية علّمنا أن نفي بالعهد حين يؤلمنا الوفاء.
وفي بدر علّمنا أن نفي بالعهد حتى مع العدو ونحن بحاجة إلى الرجال.
ومع المطعم علّمنا أن نحفظ جميل غير المسلم ولو مات وانتهت حاجتنا إليه.
ومع خديجة علّمنا أن الوفاء لا ينتهي بالموت.
ومع صديقاتها علّمنا أن الوفاء قد يمتد إلى من أحبهم من نحب.
ومع الأنصار علّمنا ألا ننسى الذين فتحوا لنا أبوابهم يوم كانت الأبواب مغلقة.
إنها ليست مواقف متفرقة.
إنها منهج واحد اسمه الوفاء.
وفي ذكرى المولد النبوي الشريف، ربما يكون من أجمل ما نحييه من سنته ﷺ أن نحيي في أنفسنا هذا الخلق: أن نتصل بمن أحسن إلينا، وأن نشكر معلمًا قديمًا، وأن نذكر فضل من وقف معنا في بداية الطريق، وأن نحفظ ود من رحل، وأن نكرم أهل من نحب، وأن نفي بكلمة أعطيناها ولو أصبحت مكلفة، وأن نختلف دون أن نمحو تاريخ الإحسان، وأن نتعلم أن تغير الظروف لا ينبغي أن يعني تغير الأخلاق.
فقد كان ﷺ وفيًّا عندما كان مستضعفًا، ووفيًّا عندما أصبح قائدًا، ووفيًّا في السلم، ووفيًّا في الحرب، ووفيًّا للحبيب، ووفيًّا للمخالف، ووفيًّا للأحياء، ووفيًّا للأموات.
كان في الحديبية قادرًا على أن يقدم العاطفة فاختار العهد، وفي بدر محتاجًا إلى الرجال فاختار الوفاء، وبعد بدر مستغنيًا عن المطعم فتذكر جميله، وبعد موت خديجة مستغنيًا عن شكرها فحفظ عهدها، وبعد فتح مكة قادرًا على البقاء في وطنه الأول فاختار الوفاء للأنصار.
وهنا تكمن عظمة محمد ﷺ:
كان يعطي الناس أكثر مما يأخذ منهم، ومع ذلك كان يتذكر ما أخذ منهم من جميل أكثر مما يتذكر ما أعطاهم من إحسان.
ولعل هذه هي الرسالة التي نحتاجها اليوم:
لا تجعلوا قوة ذاكرتكم في حفظ الإساءة، بل في حفظ الجميل.
فالوفاء ليس مجرد فضيلة اجتماعية، بل عبادة وأمانة وسنة نبوية.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد؛ ما أعظم وفاءه، وما أحوجنا إلى أن نجعل الوفاء سنة نعيشها، لا قصة نقرؤها.










