مقالات الرأى

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب: تطورات المشهد الإقليمي وتأثير التصعيدات على الأمن القومي المصري* *مصر بين قوة الردع ودبلوماسية الوقاية وإدارة المخاطر

مقالات للرأي

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة دقيقة من إعادة تشكيل موازين القوى لم تعد فيها الأزمات منفصلة فما يجري في غزة يتقاطع مع لبنان وسوريا والعراق واليمن والخليج وما يحدث في البحر الأحمر يرتبط بأمن الملاحة وقناة السويس بينما تتداخل هذه الملفات مع السودان وليبيا والقرن الإفريقي وشرق المتوسط .

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اندلاع حرب إقليمية شاملة وإنما في استمرار التوتر الذي يجعل أي حادث محدود قابلاً للتحول إلى أزمة أوسع نتيجة الحسابات الخاطئة وأمام المنطقة ثلاثة مسارات (احتواء التصعيد عبر التفاوض أو استمرار صراعات منخفضة ومتوسطة الحدة أو الانزلاق إلى حروب مفتوحة) ويبدو أن المسار الثاني هو الأقرب مع بقاء خطر الأسوأ قائماً .

التصعيد الحالي لا تحكمه الأهداف العسكرية وحدها فهناك أهداف سياسية وتفاوضية واقتصادية وإعادة توزيع لموازين القوة والسؤال الأهم ليس فقط من أطلق الضربة؟ بل ماذا يريد بعدها؟ وهل يسعى لتحسين شروط التفاوض أو إضعاف خصمه أو جر أطراف أخرى إلى الصراع؟

*غزة •• قلب المعادلة*

تبقى القضية الفلسطينية أحد أهم مفاتيح الاستقرار الإقليمي ولا يمكن اختزالها في بعدها الإنساني فما يجري في غزة ينعكس على الأمن الإقليمي ومستقبل الدولة الفلسطينية والعلاقات الدولية وتتحرك مصر سياسياً وإنسانياً وأمنياً انطلاقاً من أن غزة ترتبط بالأمن القومي المصري بحكم الجغرافيا والتاريخ والحدود والرؤية المصرية تقوم على وقف الحرب وإدخال المساعدات وحماية المدنيين وإعادة الإعمار والوصول إلى حل سياسي عادل يضمن إقامة الدولة الفلسطينية وفي الوقت نفسه ترفض مصر تحويل الأزمة الإنسانية إلى وسيلة للتهجير الدائم أو تصفية القضية الفلسطينية فالحل ليس نقل المشكلة من مكان إلى آخر وإنما معالجة جذورها .

*البحر الأحمر وقناة السويس*

يمثل البحر الأحمر وباب المندب دائرة مباشرة من دوائر الأمن القومي المصري لأن اضطراب الملاحة ينعكس على التجارة العالمية وقناة السويس والاقتصاد المصري وقناة السويس ليست مجرد مصدر للدخل وإنما أصل استراتيجي عالمي ولذلك أصبحت حماية الممرات البحرية والموانئ والمنشآت الحيوية جزءاً من الأمن القومي الحديث الذي يشمل المعلومات والمراقبة الإلكترونية والأمن السيبراني وتأمين الطاقة وسلاسل الإمداد كما أن أي تصعيد في الخليج وفي مقدمة ذلك أزمة إيران يمكن أن ينعكس على الطاقة وأسعار النقل والتأمين والتجارة بما يجعل أمن الممرات البحرية قضية تتجاوز حدود الدول .

*السودان وليبيا والقرن الإفريقي*

السودان يمثل عمقاً استراتيجياً لمصر لارتباطه بالنيل والحدود والجغرافيا والمصالح المشتركة ولذلك فإن استمرار الحرب أو تفكك الدولة السودانية يمثل خطراً على المنطقة كما تمثل ليبيا امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري غرباً بينما يمثل القرن الإفريقي والبحر الأحمر امتداداً جنوباً وشرقاً ومن ثم تتمسك مصر بوحدة دول الجوار وسيادتها وتدعم الحلول السياسية التي تمنع تحولها إلى ساحات للصراع .

*الأمن القومي •• منظومة متكاملة*

الأمن القومي المصري اليوم لا يقتصر على حماية الحدود بل يشمل الجيش والاقتصاد والطاقة والغذاء والمياه والموانئ وقناة السويس والأمن السيبراني والمعلوماتي والتماسك المجتمعي مصر لا تبحث عن الحرب لكنها تمتلك عناصر القوة التي تحمي مصالحها وتردع أي محاولة لفرض إرادة خارجية عليها وفي الوقت نفسه تمثل الدبلوماسية الوقائية أداة مهمة لاحتواء الأزمات قبل تحولها إلى حروب مفتوحة وتحتاج مصر إلى شبكة واسعة من العلاقات والمصالح لا إلى محاور مغلقة بما يحافظ على استقلال قرارها ويعزز تعاونها العربي والإفريقي والمتوسطي والدولي .

*الجبهة الداخلية*

أحد أخطر تحديات المرحلة هو تزامن الأزمات غزة والبحر الأحمر والسودان وليبيا واضطراب الطاقة والحروب السيبرانية وحملات التضليل لذلك أصبحت الجبهة الداخلية جزءاً أساسياً من الأمن القومي فالشائعة قد تستهدف الاقتصاد أو العملة أو الجيش أو الحدود والهدف أحيانا زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة وهنا يأتي دور الإعلام المهني الذي يتحقق من المعلومات ويفسر الأحداث ويواجه الشائعات دون تهويل أو إثارة للهلع .

*مصر لا تنتظر الأحداث*

المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز أمن الحدود والملاحة ودعم استقرار دول الجوار وتنويع مصادر الطاقة والغذاء وحماية الاقتصاد من الصدمات وتطوير قدرات الأمن السيبراني والمعلوماتي والاستثمار في وعي الإنسان المصري فالاستعداد للأسوأ هو وسيلة لمنعه إن المنطقة تعيش مرحلة إعادة تشكيل حقيقية وأصبحت القوة مزيجاً من الجيش والاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات والدبلوماسية والموقع الجغرافي والقدرة على إدارة الأزمات ومصر تمتلك عناصر قوة مهمة لكن التحدي الحقيقي هو حسن توظيفها مصر لا تبحث عن الحرب لكنها لا تسمح بأن تُفرض عليها ولا تسعى إلى قيادة صراع لكنها تعمل على منع انتقاله إلى أراضيها ولا تنعزل عن محيطها لكنها تحافظ على استقلال قرارها الوطني وهذه هي معادلة الأمن القومي المصري *قوة تحمي •• ودبلوماسية تمنع •• ووعي يحصّن •• واقتصاد يصمد •• ودولة تعرف أين تقف ومتى تتحرك*

زر الذهاب إلى الأعلى