د. فايد محمد سعيد يكتب:من معرفة النبي ﷺ إلى محبته واتباعه: قراءة جديدة للسيرة
مقالات للرأي
في ذكرى المولد النبوي الشريف يكثر الحديث عن محبة سيدنا رسول الله ﷺ، ويكثر الحث على اتباع سنته والاقتداء به، وهذا كله حق، بل هو من صميم الإيمان؛ غير أن سؤالًا يسبق ذلك كله، وأحسب أننا بحاجة إلى أن نقف عنده طويلًا: كيف نطلب من الإنسان أن يحب من لم يعرفه؟ وكيف نطالبه بأن يقتدي بمن لم يتعرف إلى سيرته وشخصيته وأخلاقه؟
إن المحبة لا تُصنع بالأوامر وحدها، والاقتداء لا ينشأ من فراغ. وثمة طريق تربوي وإيماني متكامل يمكن أن نلخصه في ثلاث كلمات: المعرفة، ثم المحبة، ثم الاتباع. نحن أحيانًا نبدأ من نهاية الطريق، فنقول للناس: اتبعوا رسول الله ﷺ، وأحبوه، وتمسكوا بسنته. ولكننا لا نعطيهم دائمًا ما يكفي من المعرفة بهذا الرسول العظيم: كيف عاش؟ كيف تكلم؟ كيف عامل أهله؟ كيف أحب أصحابه؟ كيف عامل الأطفال؟ كيف كان مع الضعفاء؟ كيف واجه من آذاه؟ كيف كان في بيته؟ كيف كان إذا غضب؟ وكيف كان إذا انتصر؟ وكيف كان قلبه مع الإنسان؟
ومن هنا تصبح قراءة السيرة النبوية ليست مجرد دراسة لتاريخ مضى، وإنما طريقًا إلى الإيمان والمحبة والاقتداء.
أولًا: المعرفة… لأننا لا نستطيع التأسي بمن لا نعرف
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
والتأسي يفترض المعرفة. فكيف يكون رسول الله ﷺ أسوتنا ونحن لا نعرف كيف عاش؟ وكيف نتأسى بصبره إذا لم نقرأ مواطن صبره؟ وكيف نتأسى بعفوه إذا لم نعرف كيف عفا؟ وكيف نتعلم رحمته إذا لم نقف عند المواقف التي تجلت فيها هذه الرحمة؟ وكيف يكون قدوتنا في الأسرة إذا لم نعرف كيف كان زوجًا وأبًا وجدًّا؟
لهذا فإن أول طريق بناء الصلة برسول الله ﷺ هو أن نعرفه. وليس المقصود بالمعرفة أن نحفظ تاريخ مولده ووفاته، وأسماء الغزوات، وتسلسل الأحداث فحسب؛ فهذه معرفة مهمة، لكنها لا تكفي. إننا نحتاج إلى معرفة محمد الإنسان والنبي ﷺ؛ نعرف صدقه وأمانته، وحياءه وتواضعه، وشجاعته ورحمته، ووفاءه وصبره، وكيف كان يسمع للآخر، ويحفظ المشاعر، ويعيش مع أسرته، ويتعامل مع المخالف.
وإذا أردنا أن نعرف رسول الله ﷺ حقًا، فلنقرأه في أحلك ساعات حياته، لا في ساعات الرخاء وحدها؛ لأن الأخلاق الحقيقية تظهر عندما يشتد الألم، وحين يملك الجرح أن يغير الإنسان.
لنقف عند أُحد.
إنها ليست مجرد غزوة نقرأ أحداثها وأعداد المشاركين فيها ومواقع الجيش. إنها لحظة من أعظم لحظات الكشف عن معدن الشخصية النبوية.
في أُحد قُتل أصحابه أمام عينيه، وقُتل عمه حمزة رضي الله عنه، وأحيط برسول الله ﷺ، وأصيب في جسده الشريف، وشُج وجهه، وكُسرت رباعيته، ودخلت حلقتان من المغفر في وجنته. كان الدم يسيل من وجهه الشريف، وكان الموقف من أشد ما مر به ﷺ.
هنا ينبغي أن نتوقف.
ليس أمام رسول الله ﷺ قوم رفضوا دعوته فحسب. هؤلاء قوم يقاتلونه، وقد أصابوا جسده، وأسالوا دمه، وكسروا سنه، وقتلوا أحبابه وأصحابه.
وفي مثل هذه اللحظة يكون الانتقام مفهومًا في ميزان النفس البشرية. وفي مثل هذه اللحظة قد تنطلق من الإنسان كلمة غضب لا يلام عليها في أعراف الناس.
لكننا هنا أمام محمد ﷺ.
وتنقل كتب الحديث والسيرة في سياق أذيته ﷺ المعنى النبوي العظيم: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، وجاءت روايات بلفظ الهداية. وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ حكى عن نبي من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
وأيًا كان التفصيل في ألفاظ الروايات وطرقها، فإن هذا المعنى ينسجم مع السيرة كلها، ويكشف لنا بابًا عظيمًا من أبواب الرحمة النبوية.
تأملوا المشهد: الدم على الوجه، والدعاء بالخير على اللسان.
كان يستطيع أن ينظر إليهم بوصفهم أعداءه، لكنه نظر إليهم بوصفهم قومه: «قومي».
وما أعظم هذه الكلمة في ذلك المقام.
لم يقل: هؤلاء الذين فعلوا بي.
لم يقل: هؤلاء أعدائي.
بل بقيت رابطة المسؤولية عن هدايتهم حاضرة في قلبه حتى في لحظة الألم.
ثم يأتي العذر: «فإنهم لا يعلمون».
وهنا تبلغ الرحمة النبوية مقامًا عجيبًا؛ فهو لا يكتفي بألا ينتقم لنفسه، بل يبحث لمن آذاه عن باب إلى العذر: إنهم لا يعلمون.
وهذا هو الفرق بين من يحمل قضية لنفسه ومن يحمل رسالة للناس. صاحب القضية الشخصية يريد الانتصار ممن آذاه، أما صاحب الرسالة فيريد إنقاذ من آذاه.
إنه ﷺ لم يكن يسأل: كيف أنتصر عليهم؟ بقدر ما كان يحمل في قلبه سؤالًا آخر: كيف يصل النور إليهم؟
وهنا نفهم لماذا وصفه الله بقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ [التوبة: 128].
كان حريصًا عليهم حتى وهم يؤذونه.
ومن السهل أن نكون رحماء بمن يحبنا. ومن السهل أن نعفو عمن لم يجرحنا جرحًا عميقًا. ولكن الاختبار الحقيقي للرحمة أن يبقى في القلب مكان للخير لمن أساء إلينا.
وهنا نعرف شيئًا من محمد ﷺ.
نقرأ هذا المشهد، ثم نسأل: كيف لا نحبه؟
وهنا تنتقل المعرفة بطبيعتها إلى المرحلة الثانية.
ثانيًا: المحبة… ثمرة المعرفة
المحبة الحقيقية لا يمكن فرضها بقرار. يمكن أن تقول للإنسان: يجب عليك أن تحب رسول الله ﷺ، وهذا حق، ولكن كيف تدخل هذه المحبة إلى أعماق القلب؟ عرّفه برسول الله ﷺ.
حدثه عن يوم أُحد؛ عن وجهه الذي سال عليه الدم، وعن قلبه الذي لم يمتلئ بالحقد.
حدثه عن الطائف؛ حين خرج إليها يريد هداية الناس، فردوه وآذوه، ثم جاءه ملك الجبال يعرض عليه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال ﷺ: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» متفق عليه.
تأملوا كلمة «أرجو».
إنه لا يزال يرجو في الذين آذوه.
بل إن نظره تجاوزهم إلى أبنائهم الذين لم يولدوا بعد.
هم رأوا رجلًا يمكنهم إيذاؤه، وهو رأى في أصلابهم أجيالًا يمكن أن تهتدي.
إنها ليست رحمة بالحاضر فقط، بل رحمة بالمستقبل.
حدثوا أبناءنا عن محمد ﷺ الذي مات طائر صغير كان يلعب به طفل، فلم يستصغر حزن الطفل، بل واساه وقال: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» متفق عليه.
حدثوهم عن النبي ﷺ الذي كان يدخل الصلاة يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي فيخففها لما يعلم من شدة وجد أمه عليه.
حدثوهم عن رسول الله ﷺ في بيته. سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ فقالت: «كان يكون في مهنة أهله» رواه البخاري.
حدثوهم عن رحمته بالإنسان حتى مع اختلاف الدين. مرت به ﷺ جنازة فقام لها، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟» متفق عليه.
حدثوهم عن كل ذلك، ثم اتركوا القلب لفطرته.
فالنفوس مفطورة على محبة الجمال، وأي جمال أعظم من جمال الرحمة والصدق والوفاء والتواضع والعفو عند المقدرة؟
ولهذا لم تكن محبة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله ﷺ شعارًا تعلموه، وإنما كانت ثمرة حياة عاشوها معه. رأوه في المسجد، وفي السفر، وفي الشدة، وعند النصر، وفي البيت، ورأوا كيف يحمل همومهم، ويعود مريضهم، ويواسي ضعيفهم، ويعلم جاهلهم، ويصبر على أخطائهم.
عرفوه، فلما عرفوه أحبوه.
ومن أبلغ ما يصور ذلك قول عمرو بن العاص رضي الله عنه بعد إسلامه: «وما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ، ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له» رواه مسلم.
تأملوا هذا التحول. الرجل الذي كان يومًا في الجهة المقابلة أصبح يقول: «ما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ».
ماذا حدث بين الحالين؟
لقد عرفه.
وهذه قاعدة مهمة في تعريف أبنائنا، بل وفي تعريف غير المسلمين برسول الله ﷺ: لا تبدأ دائمًا بأن تطلب منهم موقفًا من محمد ﷺ؛ دعهم أولًا يعرفون محمدًا ﷺ.
لكن القرآن لا يريد للمحبة أن تبقى عاطفة جميلة في القلب. فالمحبة النبوية ليست قصيدة تقال فحسب، ولا دمعة تذرف، ولا احتفالًا يقام، وإنما هي قوة إيمانية وأخلاقية تغير السلوك. وهنا تأتي المرحلة الثالثة.
ثالثًا: الاتباع… برهان المحبة
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].
إنها معادلة قرآنية عظيمة: محبة الله تقود إلى اتباع رسول الله ﷺ، واتباع رسول الله ﷺ يقود إلى محبة الله للعبد: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
ومن هنا ندرك أن الاتباع ليس منفصلًا عن المحبة، بل هو ثمرتها وبرهان صدقها.
فالذي أحب رحمة رسول الله ﷺ ينبغي أن يظهر من رحمته شيء في حياته. والذي أحب عفوه ينبغي أن يتعلم العفو. والذي أحب تواضعه لا يجعل الكبر منهجًا في التعامل مع الناس. والذي أحب رفقه بأهله ينبغي أن يسأل نفسه عن أخلاقه داخل بيته. والذي أحب رحمته بالأطفال ينبغي أن يراجع طريقة حديثه معهم. والذي أحب حرصه على هداية الناس ينبغي ألا يجعل أول موقف له من المخطئ الرغبة في إقصائه أو التشفي فيه.
وهنا نحتاج إلى توسيع مفهوم اتباع السنة. فحين يسمع بعض الناس كلمة السنة يذهب الذهن مباشرة إلى بعض الهيئات والسنن الظاهرة، وهي جزء عزيز من سنة رسول الله ﷺ، لكن السنة أوسع من ذلك بكثير.
صدقه سنة، وأمانته سنة، ورحمته سنة، ووفاؤه سنة، وتواضعه سنة، وعفوه سنة، ورفقه بأهله سنة، واحترامه للطفل سنة، وحفظه لحقوق الجار سنة، وعدله مع المخالف سنة، وحرصه على هداية الناس سنة.
فمن الخطأ أن نأخذ من رسول الله ﷺ مظهرًا ونترك منهجًا، أو نعتني بتفصيل من هديه ونغفل عن الأخلاق الكبرى التي صنعت الشخصية النبوية.
إن الله سبحانه وتعالى حين قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لم يجعل الأسوة في جانب واحد من حياته، وإنما جعل رسول الله ﷺ نفسه أسوة.
وهكذا تتضح المراحل الثلاث: المعرفة، ثم المحبة، ثم الاتباع.
نعرفه ﷺ فتنجذب القلوب إلى جمال أخلاقه. نحبه فتتولد فينا الرغبة في القرب من هديه. نتبعه فتتحول المحبة من شعور في القلب إلى أخلاق في الحياة.
وعندئذ يصبح السؤال بعد قراءة السيرة ليس: كم صفحة قرأنا؟ ولا كم غزوة حفظنا؟ وإنما: ماذا غيّرت فينا معرفة رسول الله ﷺ؟
هل أصبحنا أرحم؟ هل أصبحنا أصدق؟ هل أصبحنا أكثر وفاء؟ هل أصبحنا أحسن إلى أهلنا؟ هل أصبحنا أرفق بمن يخالفنا؟ هل أصبحنا أسرع إلى العفو؟ هل أصبحنا أكثر حرصًا على هداية الناس وأقل رغبة في إدانتهم؟
لأن الغاية من الأسوة ليست أن نعجب بالنموذج فقط، وإنما أن نتحول به.
ومن هنا أرى أننا بحاجة إلى مراجعة طريقة تعليم السيرة لأبنائنا. لا ينبغي أن يكون هدف درس السيرة أن يخرج الطفل حافظًا للمعلومات فقط، بل أن يخرج وهو يقول: أريد أن أكون صادقًا لأن رسول الله ﷺ كان صادقًا. أريد أن أرحم لأن رسول الله ﷺ كان رحيمًا. أريد أن أحسن إلى أهلي لأن هذا هديه ﷺ. أريد أن أعفو لأن نبيي ﷺ عفا. أريد ألا أحمل الحقد على من أساء إلي؛ لأنني قرأت عن نبي جُرح وجهه الشريف، وكُسرت رباعيته، وسال دمه، ومع ذلك بقي قلبه متعلقًا بهداية الناس.
عندها تتحول السيرة من معلومات عن النبي ﷺ إلى علاقة بالنبي ﷺ.
فالمعلومات تسكن الذاكرة، أما المعرفة الحقيقية فتصل إلى القلب. وإذا وصلت إلى القلب أنشأت المحبة، وإذا صدقت المحبة حركت الجوارح إلى الاتباع.
ولذلك لعل من أهم رسائل المولد النبوي الشريف أن نعيد ترتيب خطابنا. بدل أن نقول للجيل فقط: أحبوا رسول الله ﷺ، فلنقل أولًا: تعالوا نعرفكم برسول الله ﷺ. وبدل أن نقول فقط: اتبعوا رسول الله ﷺ، فلنفتح لهم سيرته حتى يعرفوا من الذي يتبعون.
عرّفوهم به… وسيحبونه.
وإذا أحبوه حقًا، فسيسألون بأنفسهم عن هديه، وسيبحثون عن سنته، وسيتمنون أن يظهر شيء من أخلاقه في حياتهم.
وهنا نفهم جمال البناء القرآني: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، ونفهم قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
معرفة تفتح باب المحبة، ومحبة تقود إلى الاتباع، واتباع يبلغ بالعبد منزلة أعظم: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
فما أجمل أن يكون المولد النبوي الشريف بداية رحلة جديدة مع السيرة؛ لا نقرأها لنضيف معلومات إلى ذاكرتنا فحسب، بل لنعرف رسول الله ﷺ.
نعرفه فنحبه، ونحبه فنتبعه، ونتبعه رجاء أن يحبنا الله.
وهذه، في تقديري، من أعظم غايات قراءة السيرة النبوية.









