الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: حتى لا تكون شريكًا في صناعة الشائعة وترويج الأخبار الكاذبة !
مقالات للرأي
في زمن لم يعد الخبر مرتبطا باصدار الصحيفة أو وقت إذاعة نشرة الأخبار، أصبح كل شخص يحمل هاتفًا محمولًا قادرًا على أن يكون ناقلًا للخبر، وصانعًا للرأي، وأحيانًا ناشرًا للشائعة دون أن يدري. ضغطة واحدة على زر «مشاركة» قد تجعل معلومة غير صحيحة تصل إلى آلاف الأشخاص، وربما تتحول خلال ساعات إلى كذب صدقة الجمهور و يتداوله الجميع.
هنا تحديدًا تظهر أهمية الوعي الإعلامي؛ ذلك الوعي الذي لم يعد قضية تخص الصحفيين والإعلاميين وحدهم، وإنما أصبح ضرورة لكل مستخدم للهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي.
إن الوعي الإعلامي هو قدرة المتلقي على التفاعل مع ما يقدم له من رسائل إعلامية، وأن يتوقف أمامها بالتحليل والسؤال، قبل أن يصدقها أو يرفضها أو يعيد نشرها.
المشكلة ليست في أن تصل إلينا المعلومات بكثافة، وإنما في قدرتنا على التعامل معها.
بين الخبر الحقيقي والخبر الكاذب مسافة قصيرة قد لا تتجاوز عنوانًا مثيرًا أو صورة مفبركة أو مقطع فيديو مبتورًا من سياقه. وكلما غاب الوعي، أصبحت هذه المسافة أكثر خطورة.
ومن هنا فإن أول وظيفة للوعي الإعلامي هي وأد الشائعة قبل أن تنتشر.
المتلقي الواعي لا يسأل فقط: «ماذا يقول الخبر؟»، وإنما يسأل أيضًا: «من نشره؟ ولماذا الآن؟ وما مصدره؟ وهل أكدته مصادر أخرى؟».
هذه الأسئلة البسيطة قادرة على إيقاف الشائعة عند حدودها، بدلًا من أن تتحول إلى كرة ثلج تكبر كلما انتقلت من شخص إلى آخر.
لكن القضية أكبر من مجرد مواجهة الشائعات. فالإعلام بمختلف وسائطه يشارك بصورة مباشرة وغير مباشرة في تشكيل السلوك العام، ومن ثم فإن الوعي الإعلامي يجب أن يقود إلى اختيار أنماط سلوكية إيجابية تساعد على دعم نقاط القوة في الشخصية الفردية والمجتمعية.
نحن في حاجة إلى إعلام يكرس قيمة العمل والإنتاج، ويعيد الاعتبار إلى العلم والاجتهاد والانضباط، ويقدم نماذج النجاح الحقيقية التي قامت على المعرفة والمثابرة، لا على الشهرة السريعة أو المكاسب السهلة.
كما أننا في حاجة إلى بناء قيمي يجعل الحوار العام وسيلة لمناقشة قضايا المجتمع، وليس ساحة لتبادل الاتهامات.
ليس الاختلاف في الرأي مشكلة، وإنما المشكلة هي غياب القدرة على إدارة الاختلاف. والمجتمع الذي يمتلك وعيًا إعلاميًا هو مجتمع يستطيع أن يستمع إلى الرأي الآخر، ويناقشه، ويرفضه إذا اقتنع بخطئه، دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة أو كراهية.
ويزداد الأمر أهمية أمام التطور الهائل في صناعة الإعلان. فالتقنيات الحديثة جعلت الإعلان أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور، وأكثر قدرة على التأثير في اختياراته. ويمكن اليوم استخدام الصورة والفيديو والمؤثرين والخوارزميات والذكاء الاصطناعي لصناعة رسالة شديدة الجاذبية، تبيع سلعة أو خدمة أو حتى فكرة، رغم أن مضمونها قد يكون ضعيفًا أو مضللًا.
ولهذا فإن الوعي الإعلامي يجب أن يجعل المواطن أكثر مقاومة للإعلانات الخادعة، فلا يشتري لمجرد أن الإعلان قال له إن المنتج «الأفضل»، ولا يصدق كل وعد، ولا ينخدع بصورة مصطنعة أو شهادة مجهولة المصدر.
والوعي الإعلامي كذلك هو الحائط الذي يمنع الإنسان من الوقوع أسيرًا لما يسمى «فقاعات المعلومات». فخوارزميات المنصات الرقمية تميل إلى تقديم المزيد من المحتوى الذي يتوافق مع اهتمامات المستخدم ومواقفه، فيجد نفسه محاطًا طوال الوقت بآراء تشبه رأيه، ومعلومات تؤكد اقتناعاته ، وأشخاص يرددون الأفكار نفسها.
وهكذا قد يعيش الإنسان داخل حلقة مفرغة من الأفكار الجامدة، يزداد فيها اقتناعًا بما يعرفه، ويتضاءل استعداده لسماع ما لا يعرفه.
ولكن المتلقي الواعي يفعل العكس يبحث عن مصادر متعددة، ويقرأ الرأي والرأي الآخر، ويفصل بين المعلومة والانطباع، وبين الحقيقة والتفسير، وبين النقد والهجوم، ولا يسمح للخوارزمية بأن تفكر نيابة عنه.
إن الوعي الإعلامي ليس رفضًا للإعلام الجديد، ولا خوفًا من التكنولوجيا، وإنما هو امتلاك القدرة على استخدامها دون أن تستخدمنا هي !
وفي النهاية، فإن المجتمع الذي يرفع مستوى وعيه الإعلامي لا يستطيع فقط أن يواجه الشائعة والإعلان الخادع، وإنما يصبح أكثر قدرة على بناء حوار عام ناضج، وتكريس قيم العمل والإنتاج، وحماية أفراده من التضليل، وصناعة مواطن لا يكتفي بأن يكون متلقيًا، وإنما يشارك بوعي في صناعة الرأي العام.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس: «هل وصل إليك الخبر؟» وإنما:
هل امتلكت من الوعي ما يكفي لتعرف إن كان يستحق أن تصدقه و تضغط بعده على زر «مشاركة»؟








