مقالات الرأى

د. فايد محمد سعيد بكتب: في ذكرى المولد النبوي الشريف: لنقرأ سيدنا محمدًا ﷺ من جديد… السيرة أكبر من تاريخ المغازي

مقالات للرأي

يأتي المولد النبوي الشريف في كل عام ليجدد في الأمة ذكرى سيدنا محمد ﷺ، ولكن الوفاء لهذه الذكرى لا ينبغي أن يقتصر على الحديث عن يوم مولده، وإنما ينبغي أن يكون مناسبة للعودة إلى قراءة حياته كلها: نبيًا، ومربيًا، وزوجًا، وأبًا، وجارًا، وصاحبًا، وداعية، وقائدًا، وإنسانًا حمل همَّ هداية الناس، حتى وصفه ربه سبحانه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

ومن هنا يبرز سؤال أراه ضروريًا في ذكرى المولد: هل قرأنا رسول الله ﷺ حقًا؟ وهل قدمنا سيرته لأبنائنا وللعالم كما عاشها، أم اختزلنا جانبًا كبيرًا منها في تاريخ المغازي والمعارك؟

لا شك أن المغازي جزء أصيل من السيرة النبوية، ودراستها مهمة لفهم تاريخ المجتمع النبوي وفقه الحرب والسلم والقيادة والدفاع عن المجتمع. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الجزء صورةً عن الكل، وكأن حياة النبي ﷺ كانت انتقالًا من معركة إلى أخرى.

وأذكر أنني زرت مرة معرضًا للسيرة النبوية في إحدى المدارس، فوجدت حياة رسول الله ﷺ معروضة أمام الطلاب من خلال غزوة بعد غزوة: بدر، ثم أُحد، ثم الخندق، ثم غيرها. ووقفت متسائلًا: أين بقية محمد ﷺ؟ أين الطفل اليتيم؟ أين الشاب الذي عرفه قومه بالصادق الأمين؟ أين الزوج والأب والجار؟ أين الرجل الذي كان يجلس للصغير ويواسيه؟ أين الذي كان يسمع بكاء طفل فيخفف صلاته رحمةً بأمه؟ أين الذي كان في بيته في خدمة أهله؟ وأين ثلاث عشرة سنة كاملة عاشها ﷺ في مكة قبل أن يؤذن له بالقتال أصلًا؟

إن هذه السنوات الثلاث عشرة ليست مقدمة قصيرة للسيرة، بل هي من أهم مفاتيح فهم الرسالة. ففي مكة لم يكن النبي ﷺ قائد دولة، ولم يكن لديه جيش، ولم تكن هناك غنائم أو سلطان. كان يبني الإنسان، ويعيد تشكيل الضمير، وينقل الناس من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق، ومن العصبية إلى الأخوة، ومن احتقار الضعيف إلى الانتصار له، ومن وأد البنات إلى تكريم المرأة، ومن تفاخر القبائل والأنساب إلى ميزان جديد: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

ومن اللافت أن أول كلمة نزلت من القرآن لم تكن أمرًا بالحرب أو الصراع، وإنما كانت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. بدأت الرسالة بالقراءة والمعرفة وبناء الإنسان وربطه بخالقه. وهذا البعد ينبغي أن يعود إلى مركز تعليمنا للسيرة.

ولعل حادثة الطائف من أعظم المواقف التي تكشف حقيقة هذا المشروع النبوي. ذهب ﷺ إلى الطائف يريد هداية أهلها، فقابلوه بالرفض والإيذاء حتى أُدميت قدماه. ثم جاءه ملك الجبال يعرض عليه أن يطبق عليهم الأخشبين، وكان يمكن لرجل أُهين وطُرد وأوذي أن يجد ألف مبرر للانتقام، لكنه ﷺ قال: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» متفق عليه.

ينبغي أن نتوقف طويلًا عند كلمة «أرجو». في اللحظة التي كان الآخرون يرون فيها أعداء أمامهم، كان النبي ﷺ يرى أجيالًا لم تولد بعد. هم رأوا الذين آذوه، وهو رأى أبناءهم. هم نظروا إلى ألم الحاضر، وهو نظر إلى إمكانية الهداية في المستقبل. وهذه ليست واقعة عاطفية في السيرة، بل منهج نبوي عميق: الإنسان ليس خطأه الأخير، وليس موقفه الحالي، وليس عداوته الراهنة؛ فقد يتغير ويهتدي، وقد يخرج من ذريته من يعرف الله. إنها رحمة بالإنسان، بل ورحمة بالمستقبل.

وهذه الرحمة لم تكن خُلُقًا عارضًا في حياته ﷺ، وإنما كانت وصفًا قرآنيًا لرسالته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. لم يقل: رحمة للعرب، ولا رحمة للمسلمين وحدهم، بل ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾. وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. وتأملوا قوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾؛ يشق عليه ما يشق على الناس، ويتألم لألمهم.

ومن الجوانب التي تستحق أن نعيد اكتشافها علاقة النبي ﷺ بالأطفال. فالطفل عنده لم يكن إنسانًا مؤجلًا حتى يكبر، بل إنسانًا له كرامته ومشاعره وعالمه الخاص. كان ﷺ يسلم على الصبيان، ويحمل الأطفال ويقبلهم ويمازحهم. ولما مات الطائر الصغير الذي كان يلعب به طفل يكنى أبا عمير، لم ير النبي ﷺ حزن الطفل أمرًا تافهًا، بل دخل إلى عالمه وواساه قائلًا: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» متفق عليه. إنها كلمات قليلة، ولكن وراءها منهج تربوي كامل: لا تحتقر حزن الطفل لأن سببه صغير في نظرك؛ فما هو صغير عندك قد يكون عالمًا كاملًا عنده.

ورأى الأقرع بن حابس النبي ﷺ يقبل الحسن، فقال إن له عشرة من الولد ما قبّل منهم أحدًا، فقال ﷺ: «من لا يَرحم لا يُرحم» متفق عليه. بل كان يدخل الصلاة يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي فيخففها لما يعلم من شدة وجد أمه عليه. هنا تمتد الرحمة من الطفل إلى أمه، ويتحول الشعور الإنساني إلى جزء من العبادة نفسها.

وكذلك ينبغي إعادة قراءة مكانة المرأة في السيرة. ففي السفر، عندما كان أنجشة يحدو بالإبل وعليها النساء، قال له رسول الله ﷺ: «رويدك يا أنجشة، سوقك بالقوارير» متفق عليه. إنه تعبير بالغ الجمال في تعليم الرجال الرفق ومراعاة المشاعر. فالرفق ليس ضعفًا، والرجولة لا تعني جفاف القلب. ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عما كان النبي ﷺ يصنع في بيته قالت: «كان يكون في مهنة أهله» رواه البخاري. الرجل الذي يقود المجتمع، ويستقبل الوفود، ويعلم الناس، كان يجد في بيته وقتًا لخدمة أهله. وهذه وحدها سيرة ينبغي أن تدرَّس.

ولم تتوقف رحمته عند حدود جماعته الدينية. مرت به ﷺ جنازة فقام لها، فقيل له إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟» متفق عليه. كلمتان فقط، ولكنهما تحملان معنى إنسانيًا عظيمًا: «أليست نفسًا؟». قبل الاسم والقومية والدين والانتماء هناك نفس إنسانية لها كرامتها. ولذلك فإن علاقة النبي ﷺ بغير المسلمين، وعهوده ومواثيقه وحفظه للحقوق، ينبغي أن تكون جزءًا أساسيًا من دراسة السيرة، لا هامشًا عليها.

ومن المفيد هنا أن نتأمل كيف قرأ بعض غير المسلمين شخصية النبي ﷺ. ونحن لا نستشهد بهم لنثبت عظمته؛ فقد أغنانا الله عن ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. وإنما تكمن قيمة هذه الشهادات في أنها تبين ماذا يمكن أن يكتشف القارئ من خارج الإسلام حين يقترب من السيرة بعيدًا عن الصور المسبقة.

فالمفكر والمؤرخ الاسكتلندي توماس كارلايل Thomas Carlyle خصص لمحمد ﷺ محاضرة كاملة في كتابه الشهير On Heroes, Hero-Worship, and the Heroic in History بعنوان The Hero as Prophet: Mahomet: Islam، وواجه فيها التصور الأوروبي القديم الذي حاول تفسير النبي ﷺ بأنه مجرد مدعٍ أو مخادع. ورفض كارلايل هذا التفسير، وجعل الصدق والإخلاص من أهم المفاتيح لفهم شخصيته. وأهمية شهادة كارلايل أنه لم يكن مسلمًا، ولكنه وجد أن تفسير هذا التاريخ العظيم كله على أساس الخداع تفسير لا يصمد أمام التأمل الجاد.

ثم جاء الباحث الاسكتلندي W. Montgomery Watt، أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إدنبرة، فدرس المرحلة المكية والمدنية من حياة النبي ﷺ. وفي كتابه Muhammad at Mecca لفت إلى تحمله الاضطهاد من أجل معتقده، والمستوى الأخلاقي للرجال الذين آمنوا به واتخذوه قائدًا، وعظمة الإنجاز الذي تحقق في النهاية، ثم خلص إلى أن افتراض كون محمد ﷺ مخادعًا يثير من المشكلات أكثر مما يحل. وهذه ملاحظة تستحق التأمل: رجل يبدأ دعوته بلا مال ولا جيش ولا دولة، ويتحمل السخرية والمقاطعة والاضطهاد، ويرى أصحابه يعذبون، ثم يخرج من وطنه ولا يتراجع عن رسالته؛ كيف يمكن تفسير هذه الحياة كلها بمجرد البحث عن منفعة شخصية؟

وفي عصرنا حاولت الكاتبة البريطانية في تاريخ الأديان Karen Armstrong إعادة تقديم النبي ﷺ للقارئ الغربي، ومن أشهر كتبها Muhammad: A Prophet for Our Time، حيث قرأت سيرته في سياق الحاجة الإنسانية إلى العدالة والرحمة والتعايش. كما درست المستشرقة الألمانية Annemarie Schimmel في كتابها And Muhammad Is His Messenger المكانة العميقة التي يحتلها رسول الله ﷺ في الوجدان الإسلامي، وأظهرت أن كثيرًا من القراءات الغربية لم تدرك أن محمدًا ﷺ بالنسبة للمسلم ليس مجرد شخصية تاريخية أو مؤسس لدين، بل هو الحبيب والمعلم والقدوة والأسوة، واسمه حاضر في الصلاة والأذان والدعاء وفي تفاصيل الحياة الروحية للمسلم.

ويضاف إلى ذلك ما فعله الكاتب الأمريكي Michael H. Hart حين وضع محمدًا ﷺ في المرتبة الأولى في كتابه The 100: A Ranking of the Most Influential Persons in History، مبررًا اختياره بأن محمدًا ﷺ كان متفردًا في حجم نجاحه وتأثيره على المستويين الديني والدنيوي. ولسنا معنيين هنا بترتيب الأشخاص، وإنما بالسؤال الذي تثيره هذه الشهادة: كيف استطاع رجل بدأ وحيدًا في غار حراء أن يحدث هذا التحول الممتد في التاريخ؟ والجواب لا يمكن البحث عنه في ميادين القتال وحدها، بل في قوة الرسالة، وصدق الشخصية، وبناء الإنسان، والقدرة على تحويل المبادئ إلى مجتمع وحضارة.

وهنا ينبغي أن نوجه السؤال إلى أنفسنا: إذا كان بعض غير المسلمين قد عاد إلى المصادر ليحاول اكتشاف محمد ﷺ بعيدًا عن الصور الموروثة، فهل قدمناه نحن للعالم كما ينبغي؟ وأي محمد نقدم؟

هل نقدم فقط قائد الغزوات، أم نقدم كذلك محمدًا ﷺ الذي وقف لجنازة يهودي وقال: «أليست نفسًا؟»؟ محمدًا الذي رفض أن تُطبق الجبال على من آذوه لأنه كان يرجو الهداية لأبنائهم؟ محمدًا الذي واسى طفلًا مات طائره؟ محمدًا الذي خفف صلاته من أجل بكاء طفل ورحمةً بأمه؟ محمدًا الذي قال: «رفقًا بالقوارير»؟ محمدًا الذي كان في خدمة أهله؟ محمدًا الذي عفا عندما قدر؟

هذه ليست مشاهد هامشية في السيرة. هذه هي السيرة.

ولذلك أرى أن خطابنا المعاصر بحاجة إلى الانتقال من مجرد «الدفاع عن النبي ﷺ» إلى «التعريف بالنبي ﷺ». الدفاع عنه مطلوب حين تقع الإساءة، لكن هناك سؤالًا يسبق ذلك: هل عرف الناس أصلًا الشخص الذي ندافع عنه؟

قد يعرف ملايين البشر اسم Muhammad، ولكنهم لم يجلسوا يومًا مع سيرته. لم يعرفوا كيف كان مع زوجاته، وكيف عامل الأطفال، وكيف سامح، وكيف بكى، وكيف ابتسم، وكيف عاش مع الفقراء، وكيف تعامل مع اليهود والنصارى، وكيف كانت رحمته حين كان ضعيفًا، وكيف بقيت رحمته حاضرة عندما أصبح قويًا.

وهنا تتحول السيرة من مادة دفاعية نستحضرها عند الأزمات إلى مشروع معرفي وإنساني دائم.

إننا بحاجة إلى إعادة بناء مناهج تعليم السيرة. فلا يكون المنهج مجرد خط زمني: ولد، ثم بُعث، ثم هاجر، ثم بدر، ثم أُحد، ثم الخندق، ثم فتح مكة، ثم توفي ﷺ. هذه المعلومات مهمة، ولكنها لا تكفي لصناعة علاقة بالنبي ﷺ.

نحتاج إلى جانب التسلسل التاريخي إلى «السيرة الموضوعية»: محمد ﷺ والطفل، محمد ﷺ والمرأة، محمد ﷺ والأسرة، محمد ﷺ واليتيم، محمد ﷺ والفقير، محمد ﷺ والجار، محمد ﷺ وغير المسلم، محمد ﷺ والمخالف، محمد ﷺ والأسير، محمد ﷺ عند الغضب، محمد ﷺ عند الحزن، محمد ﷺ عندما يُساء إليه، محمد ﷺ عندما يمتلك القوة، محمد ﷺ والعفو عند المقدرة، محمد ﷺ وصناعة السلام، محمد ﷺ والكرامة الإنسانية.

عندئذ يتغير سؤال الطالب من: كم كان عدد المسلمين في بدر؟ إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف أكون رحيمًا كما علمني رسول الله ﷺ؟

إن المولد النبوي الشريف ليس مجرد استعادة للحظة تاريخية وقعت قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، بل هو سؤال يتجدد مع كل جيل: ماذا يعني ميلاد محمد ﷺ للعالم اليوم؟

في عالم تمزقه الحروب نحتاج إلى قراءة محمد ﷺ صانع السلام. وفي عالم تتصاعد فيه العنصرية نحتاج إلى النبي ﷺ الذي جعل معيار التفاضل التقوى لا اللون والنسب. وفي عالم يعاني فيه الأطفال من العنف والإهمال نحتاج إلى محمد ﷺ الذي احترم مشاعر الطفل. وفي عالم تعاني فيه النساء من صور مختلفة من العنف والإهانة نحتاج إلى محمد ﷺ الذي علم أمته الرفق وكان في خدمة أهله. وفي عالم تتحول فيه الاختلافات الدينية والثقافية بسهولة إلى كراهية نحتاج إلى استعادة قوله أمام جنازة إنسان يختلف عنه في الدين: «أليست نفسًا؟». وفي عالم أصبح الانتقام فيه أسرع من المصالحة نحتاج إلى الوقوف طويلًا عند الطائف؛ فقد كان يستطيع أن يدعو عليهم، لكنه رأى أبناءهم قبل أن يولدوا وقال: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده».

لقد قرأ كارلايل السيرة فرأى الصدق، وقرأ مونتغمري وات المرحلة المكية فرأى أن تفسير محمد ﷺ باعتباره مخادعًا لا يصمد أمام حقائق حياته، ودرست آن ماري شيمل أثره في الوجدان الإسلامي، وكتبت كارين أرمسترونغ عنه محاولة أن تقدمه للقارئ المعاصر، ورأى مايكل هارت في أثره التاريخي ما جعله يضعه في مقدمة الشخصيات الأكثر تأثيرًا في تاريخ البشرية.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا ليس: ماذا قال غير المسلمين عن محمد ﷺ؟

السؤال الأهم: ماذا سنقول نحن للعالم عن محمد ﷺ؟ والأعمق من ذلك: ماذا سيرى العالم من محمد ﷺ في أخلاقنا نحن؟

إذا قرأنا رحمته ثم قسونا، فما الذي قرأناه؟ وإذا قرأنا عفوه ثم جعلنا الاختلاف سببًا للكراهية، فما الذي تعلمناه؟ وإذا حدثنا الناس عن رفقه بالمرأة ولم يظهر ذلك في بيوتنا، فما قيمة حديثنا؟ وإذا حفظ أطفالنا أسماء الغزوات ولم يعرفوا أن نبيهم ﷺ احترم حزن طفل على طائر صغير، فقد علمناهم جزءًا من السيرة وحجبنا عنهم قلبها.

في ذكرى المولد النبوي الشريف، لعل أعظم ما نقدمه لأنفسنا ولأبنائنا وللعالم أن نفتح كتاب السيرة من جديد. ولكن هذه المرة لا نسأل فقط: ماذا حدث؟ بل نسأل: من كان محمد ﷺ؟ كيف صنع الإنسان؟ كيف غير معنى القوة؟ كيف جعل الرحمة جزءًا من القيادة؟ كيف حفظ كرامة الضعيف؟ كيف أحب الخير حتى لمن آذاه؟ وكيف يمكن لهذه السيرة أن تسهم في علاج شيء من قسوة عالمنا المعاصر؟

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

إن العالم يعرف الكثير عن الحروب التي خاضتها البشرية، وربما حان الوقت لأن نحدثه أكثر عن نبي كانت غايته هداية الإنسان، وكانت الرحمة عنوان رسالته.

وفي ذكرى مولده ﷺ، فإن أجمل وفاء لسيرته ألا نكتفي بالحديث عنه، وإنما أن نعود إليه: قراءةً، وفهمًا، وتعليمًا، واقتداءً.

أ. د. فايد محمد سعيد

زر الذهاب إلى الأعلى