مقالات الرأى

د. فايد محمد سعيد يكتب: سيدنا محمد ﷺ… حين كان التواضع سرّ العظمة

مقالات للرأي

حين نتحدث عن تواضع سيدنا رسول الله ﷺ، ينبغي أن نبدأ بالسؤال: تواضعُ مَن؟
إننا لا نتحدث عن رجل لم يعرف منزلته، ولا عن إنسان لم تجتمع له أسباب المكانة، وإنما نتحدث عن نبي خاطبه ربه سبحانه وتعالى بقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ۝ لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 1-2].
وتأملوا هذا المعنى في سياق مسيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. يقول خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: 82]، ويقول عن يوم القيامة: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: 87]، أما في شأن نبينا ﷺ فيقول ربنا سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: 8].
ويقول موسى عليه السلام: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: 84]؛ عبدٌ كريم يسابق إلى مرضاة ربه. أما لنبيه محمد ﷺ فيقول الله سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5].
لسنا هنا في مقام المفاضلة التي تنتقص من مقام نبي من أنبياء الله؛ حاشا لله، وإنما نتدبر تنوع الخطاب القرآني، ونريد أن ندرك شيئًا من عظيم المنزلة التي منحها الله لسيدنا محمد ﷺ، حتى نفهم بعد ذلك حجم تواضعه.
فإذا عرفت مَن هو، أدركت عظمة أن يتواضع.
إن التواضع حين يصدر ممن لا يملك أسباب الكبر خلق جميل، لكنه حين يصدر ممن اجتمعت له أسباب الرفعة كلها يصبح آية من آيات كمال النفس.
كان رسول الله ﷺ نبيًا يوحى إليه، ورسولًا إلى الناس كافة، وقائد أمة، وإمام دولة، ومحبوبًا من أصحابه حبًا قل أن عرف التاريخ مثله، ومع ذلك لم تصنع النبوة بينه وبين الناس حاجزًا، ولم تصنع القيادة حوله أسوارًا، ولم تجعله محبة أصحابه محتاجًا إلى طقوس التعظيم.
بل كلما ارتفعت منزلته بين الخلق ازداد عبودية للخالق وقربًا من الناس.
ومن أجمل ما يستوقفني في بناء المجتمع النبوي أن الرجال والنساء الذين التفوا حوله لم تستقر تسميتهم في الوعي الإسلامي على أنهم مجرد «تلاميذ محمد»، وإنما عرفهم التاريخ الإسلامي باسم أصحاب رسول الله ﷺ وصحابته.
ولا ينبغي أن ننسب إلى النبي ﷺ نصًا لم يثبت فنقول إنه نهى عن تسميتهم تلاميذ، لكن دلالة «الصحبة» نفسها جديرة بالتأمل.
التلميذ يحتاج إلى أستاذه ليتعلم منه، أما الصاحب ففي اللفظ معنى القرب والمرافقة والمشاركة الإنسانية.
وقد خاطب النبي ﷺ أصحابه بهذا اللفظ في أحاديث كثيرة، فقال: «لا تسبوا أصحابي»، وقال في مواضع أخرى: «أصحابي».
وهنا جمال بالغ.
كان يستطيع أن تكون العلاقة عمودية فقط: نبي يعلم، وأناس يتلقون. لكنه ربى مجتمعًا يعيش معه، ويسافر معه، ويأكل معه، ويستشيره، ويسألونه، ويجلس بينهم، حتى إن الغريب كان يدخل المجلس فلا يعرفه من بينهم، فيسأل: أيكم محمد؟
إنها قيادة لا تلغي مقام النبوة، لكنها لا تحول المقام إلى حاجز.
كانوا يحتاجون إليه نبيًا ومعلمًا وهاديًا، ولكنه ﷺ أشعرهم كذلك أنهم أصحاب، وأن لهم مكانًا في قلبه وفي مشروع الرسالة.
وهذا من أرق معاني التواضع النبوي: أن ترفع من حولك بدل أن تجعل رفعتك قائمة على بقائهم دونك.
وكان ﷺ يجيب الدعوة مهما كان المدعو إليه يسيرًا، فقال: «لو دُعيت إلى كُراع لأجبت، ولو أُهدي إليَّ ذراع أو كُراع لقبلت» رواه البخاري.
والقضية هنا ليست في الطعام، وإنما في الإنسان الذي دعاك. فصاحب المكانة قد لا يرفض الدعوة لقلة الطعام، بل لأنه يرى صاحب الدعوة أقل من منزلته. فجاء النبي ﷺ ليهدم هذا الحاجز. قيمة الدعوة عنده ليست في فخامة المائدة، وإنما في قلب الإنسان الذي فتح لك بابه.
ويروي أنس رضي الله عنه أن الأمة من إماء أهل المدينة كانت تأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، رواه البخاري.
قفوا عند هذا المشهد.
من الذي تأخذ بيده؟
رسول الله ﷺ.
من الذي تتنزل عليه آيات السماء.
من يقود الأمة.
ومع ذلك تستطيع أَمَةٌ من إماء المدينة، امرأة من أضعف طبقات المجتمع بمقاييس ذلك الزمان، أن تأتي إليه، وتأخذ بيده، وتنطلق به في حاجتها حيث شاءت.
وهنا دعونا ننقل هذا المشهد النبوي إلى واقعنا المعاصر.
انظروا إلى ما تصنعه المناصب اليوم من بروتوكولات وحواجز: مواعيد تسبقها مواعيد، وأبواب لا تفتح إلا بإذن، ومكاتب وحراس ومرافقون، وقوائم لمن يسمح له بالدخول ومن لا يسمح له، وربما أصبح الوصول إلى صاحب منصب صغير يحتاج إلى وسائط وترتيبات، وربما شعر الإنسان كلما ارتفعت درجته أن من مقتضيات مكانته أن يصبح الوصول إليه أصعب.
ثم ضعوا إلى جانب هذه الصورة ذلك المشهد البسيط المهيب في المدينة:
أَمَةٌ تأخذ بيد سيد ولد آدم ﷺ، فتنطلق به حيث شاءت في حاجتها.
أي بروتوكول أعظم من هذا البروتوكول النبوي؟
وأي منزلة أعلى من منزلته؟
وأي إنسان على الأرض كان أولى ـ لو كانت العظمة تستلزم الحواجز ـ بأن تحاط به الحواجز من رسول الله ﷺ؟
لكنه كان سيد الناس، ومع ذلك كان أقرب الناس إلى الناس.
لم تنقص مكانته حين مشى مع الضعيف، بل ازدادت.
ولم تهتز هيبته حين أتاح للفقير أن يصل إليه، بل ملك بذلك القلوب.
لقد ملك رسول الله ﷺ قلوب الناس بتواضعه قبل أن تقودهم سلطته، ودخل إلى أرواحهم بقربه قبل أن يأمرهم بشيء.
وهنا رسالة بالغة الأهمية لأمته من بعده.
فما من أحد يزعم أنه يقتدي برسول الله ﷺ، ويتمسك بسنته، إلا وينبغي أن يكون التواضع جزءًا من مفهومه للسنة.
فالسنة ليست فقط هيئة نراها في ظاهر الإنسان.
وليست فقط ألفاظًا نسمعها في خطبه ومواعظه.
وليست مجرد مسائل يعلمها للناس ثم تنتهي السنة عند باب مكتبه أو عند حدود مكانته الاجتماعية.
تواضع رسول الله ﷺ سنة.
قربه من الناس سنة.
إجابة الضعيف سنة.
الجلوس مع الفقير سنة.
قضاء حاجة من لا جاه له سنة.
ألا تجعل منصبك حاجزًا بينك وبين عباد الله سنة.
أن يستطيع صاحب الحاجة أن يحدثك دون أن يشعر بأنه أقل منك سنة.
وما أشد المفارقة حين نرى إنسانًا حريصًا على اتباع السنة في مظهره، ويتحدث عنها في خطبه، وربما يدعو الناس إليها، ثم لا يرى الناس من سنة رسول الله ﷺ في تواضعه وقربه ورحمته شيئًا.
إن السنة لا تتجزأ بحسب ما تحبه النفس.
وكيف ندعو الناس إلى الاقتداء برسول الله ﷺ ثم نأخذ من سنته ما يزيد صورتنا أمامهم، ونترك من سنته ما يكسر كبرياء النفس؟
إن من أصعب السنن على النفس سنة التواضع؛ لأنها لا تطلب منك أن تغير مظهرك فحسب، بل تطلب منك أن تغير نظرتك إلى نفسك وإلى الآخرين.
ومن هنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: إذا كان سيد ولد آدم ﷺ تمضي به أَمَةٌ في حاجتها حيث شاءت، فمن نكون نحن حتى يصعب على الناس الوصول إلينا؟
وإذا كان رسول الله ﷺ لا يرى أن قضاء حاجة الضعيف ينتقص من مقامه، فمن أين جاءنا أن الهيبة تحتاج إلى المسافة، وأن القيادة تحتاج إلى الحواجز، وأن المكانة تقتضي أن يشعر الآخرون بصعوبة الوصول إلينا؟
إن الهيبة التي تحتاج إلى الحواجز غير الهيبة التي صنعها الله لنبيه ﷺ في القلوب.
لقد تواضع، فرفعه الله؛ واقترب من الناس، فاقتربت منه قلوبهم.
ولذلك لم يكن تواضعه ﷺ مجرد كلمات؛ كان إتاحةً للإنسان أن يصل إليه.
ومن أعظم تواضعه أنه لم يسمح لمحبة أصحابه أن تتحول إلى غلو في شخصه. قال ﷺ: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» رواه البخاري.
تأملوا: «فإنما أنا عبده».
وهو سيد ولد آدم.
ولكن «عبد الله» عنده ليست مرتبة دون السيادة؛ بل العبودية لله هي سر السيادة.
ولهذا حين ذكر القرآن أعظم رحلة في حياته، لم يقل: سبحان الذي أسرى برسوله، وإنما قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: 1].
وحين تحدث عن إنزال الكتاب قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1].
فالعبودية ليست نقيض العظمة؛ إنها سر العظمة.
وكان ﷺ يعرف مقامه ولا يتكبر به. قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر» رواه مسلم.
وهنا التوازن النبوي البديع: «أنا سيد ولد آدم» اعتراف بنعمة الله، و**«ولا فخر»** نفي لاستعلاء النفس بها.
فالتواضع ليس أن تنكر نعمة الله عليك، وإنما أن تعرف المنعم فلا تنسب النعمة إلى نفسك.
ومن أرق مظاهر هذا التواضع أدبه مع إخوانه الأنبياء.
قال ﷺ: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» متفق عليه.
ومع ثبوت سيادته ﷺ لولد آدم، فإنه يربي الأمة على ألا تجعل محبتها لنبيها بابًا للانتقاص من نبي آخر.
وإذا ذكر موسى عليه السلام، ذكره بأجمل ما يذكر به الصابرون. فلما آذاه بعض الناس بكلامهم قال: «رحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» متفق عليه.
تأملوا هذه النفس.
حين يتعرض الإنسان للأذى، ينشغل غالبًا بألمه. أما رسول الله ﷺ فتأتيه لحظة الأذى فتذكره بفضيلة أخيه موسى.
لم يقل: انظروا ماذا فعلوا بي وأنا رسول الله.
بل قال: موسى أوذي بأكثر فصبر.
إن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى أن تنتقص من عظمة الآخرين حتى تثبت نفسها.
وحين سئل ﷺ عن أكرم الناس قال: «فالكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» متفق عليه.
محمد ﷺ هو الذي يقول للأمة: انظروا إلى يوسف، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم.
وهنا درس لكل عالم وقائد وصاحب فضل: من علامات التواضع أن تستطيع رؤية فضل غيرك، وأن تذكره، وأن ترفع قدره، دون أن تشعر بأن رفعة الآخرين تنقص من رفعتك.
ومن المواقف المؤثرة ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استأذن النبي ﷺ في العمرة، فقال له: «أي أخي، أشركنا في دعائك، ولا تنسنا» رواه أبو داود والترمذي، وفي إسناده كلام عند أهل الحديث، ولذلك ينبغي ذكره مع بيان درجته.
ولكن تأملوا المعنى الذي يحمله الخبر.
من يطلب الدعاء ممن؟
رسول الله ﷺ الذي يأتيه الوحي يقول لعمر: لا تنسنا من دعائك.
ثم لا يقول له فقط: يا عمر، بل: «يا أخي».
وحتى مع الاحتياط العلمي في ثبوت الرواية، فإن معناها العام يلتقي مع ذلك البناء الكبير في السيرة: نبي يرفع من حوله، ويشعرهم بقيمتهم، ولا يجعل منزلته سببًا في إلغاء أقدارهم.
وكان أصحابه يحبونه حبًا شديدًا، ومع ذلك لم يكن يريد أن تتحول هذه المحبة إلى طقوس لتعظيم الذات. قال أنس رضي الله عنه: «ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهيته لذلك» رواه الترمذي.
كان يريد القلوب، لا المظاهر.
وكان يريد الاتباع، لا صناعة هالة حول الشخص.
ويظهر معدن التواضع أكثر ما يظهر عند الانتصار.
خرج ﷺ من مكة مهاجرًا وقد أوذي وحوصر وتآمر قومه على قتله، ثم عاد إليها بعد سنوات فاتحًا منتصرًا.
وهنا أخطر لحظات النفس البشرية: أن يصبح من آذاك تحت قدرتك.
وتذكر كتب السيرة دخوله ﷺ مكة وقد خفض رأسه تواضعًا لله، حتى قارب ذقنه رحله.
لم يدخل دخول الجبابرة.
لم يدخل مزهوًا بالنصر.
كلما ازداد النصر ازداد الانحناء لله.
وكأن حاله يقول: يا رب، هذا منك، لا مني.
لكن إذا أردنا أن نبلغ أعمق نقطة في التواضع النبوي، فعلينا ألا نقف عند تواضعه مع الناس، وإنما ننتقل إلى تواضعه بين يدي الله.
فهناك نعرف أصل كل هذا.
إن التواضع مع الخلق ثمرة لمعرفة الخالق. ومن عرف عظمة الله عرف قدر نفسه، ومن عرف كثرة نعم الله عليه لم ير لنفسه فضلًا مستقلًا، ومن عرف فقره إلى الله استحيا أن يتكبر على عباد الله.
وهنا أقف طويلًا أمام دعاء عجيب سماه النبي ﷺ بنفسه: سيد الاستغفار.
قال ﷺ: «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» رواه البخاري.
اقرؤوا هذا الدعاء في ضوء الآية التي بدأنا بها المقال: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
من الذي يعلمنا أن نقول: «أبوء بذنبي»؟
إنه الذي قال له ربه: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
وهنا تبلغ العبودية غايتها.
لم يقل: لقد غفر لي، فما حاجتي إلى الاستغفار؟
بل كان ﷺ يستغفر الله ويتوب إليه، ويعلم أمته سيد الاستغفار.
وما أجمل بدايته: «اللهم أنت ربي».
قبل أن يتحدث العبد عن نفسه يعرف ربه.
ثم: «لا إله إلا أنت».
توحيد كامل.
ثم: «خلقتني وأنا عبدك».
هذه هويتي أمامك يا رب.
قد يقول الناس: رسول الله.
وقد يقولون: سيد ولد آدم.
وقد يقولون: قائد الأمة.
ولكن حين أقف بين يديك فأنا:
عبدك.
ثم يقول: «وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت».
وفيها اعتراف آخر بضعف الإنسان: ما استطعت.
ثم تأتي الجملة التي ينبغي أن تكون مدرسة لكل إنسان أعطاه الله علمًا أو مالًا أو منصبًا أو شهرة:
«أبوء لك بنعمتك عليَّ».
أي أعترف بها وأقر.
كل ما عندي منك.
العلم منك.
والهداية منك.
والقوة منك.
والقبول منك.
والصحة منك.
والقدرة منك.
ومحبة الناس منك.
والمنصب منك.
والنجاح منك.
فأي شيء بقي للنفس حتى تتكبر؟
ثم:
«وأبوء بذنبي».
وهنا ميزان نبوي عجيب.
عندما يتحدث عن النعمة ينسبها إلى الله: «نعمتك عليَّ».
وعندما يتحدث عن التقصير ينسبه إلى نفسه: «ذنبي».
ونحن كثيرًا ما نقلب هذا الميزان؛ فإذا نجحنا قلنا: أنا فعلت، وأنا خططت، وأنا صنعت. وإذا أخفقنا بحثنا عمن نحمله المسؤولية.
أما مدرسة سيد الاستغفار فتقول:
النعمة منك يا رب، والتقصير مني.
ثم بعد التوحيد، والعبودية، والاعتراف بالنعمة، والاعتراف بالتقصير، لا يبقى إلا الافتقار:
«فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».
هذا هو التواضع النبوي في أعمق صوره.
ليس مجرد أن يجلس مع فقير، ولا أن يجيب دعوة ضعيف، مع عظمة كل ذلك، وإنما أن يكون قلبه كله قائمًا على معنى:
أنا عبد، وكل ما عندي نعمة من الله، ولا غنى لي عنه طرفة عين.
ومن هنا نفهم أن التواضع لا يعني أن يصغر الإنسان نفسه، ولا أن ينكر قدراته، ولا أن يهرب من المسؤولية. النبي ﷺ كان أشجع الناس، وكان قائدًا، وكان يتخذ القرارات، ويعقد المعاهدات، ويقود الجيوش، ويعلم الأمة.
لكن قوته لم تتحول إلى كبر، وعلمه لم يتحول إلى استعلاء، وقيادته لم تتحول إلى عبادة للذات، ومحبة الناس له لم تتحول إلى طلب المزيد من التعظيم.
كان يعرف ما أعطاه الله، لكنه يعرف قبل ذلك من الذي أعطاه.
وهذا ما نحتاج إليه اليوم.
نعيش في عالم أصبحت فيه الألقاب والمناصب والشهرة وأعداد المتابعين والصور والمظاهر أدوات لصناعة المكانة، وربما أصبح الإنسان كلما ارتفع منصبه أبعد عن الناس.
ثم نقرأ محمدًا ﷺ فنجد المعادلة معكوسة:
كلما ارتفع، تواضع.
كلما ازداد حب الناس له، ازداد قربًا منهم.
إذا مُدح، قال: «إنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله».
إذا ذكر يونس، حفظ له مقامه.
إذا أوذي، تذكر صبر موسى.
إذا سئل عن الكريم، رفع يوسف وآباءه.
إذا دعاه من لا يملك إلا القليل، أجابه.
وإذا جلس بين أصحابه لم يصنع حول نفسه حواجز.
وإذا انتصر خفض رأسه لله.
وإذا وقف بين يدي ربه قال:
«خلقتني وأنا عبدك… أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي».
قال رسول الله ﷺ: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» رواه مسلم.
وربما كانت هذه الجملة مفتاحًا لفهم شيء من عظمة محمد ﷺ:
تواضع لله، فرفعه الله.
قال له ربه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4].
لم يحتج أن يرفع نفسه، لأن الله رفع ذكره.
ولم يحتج أن يصنع لنفسه مجدًا، لأن ربه قال له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
ولم يحتج إلى أن ينتقص من أحد ليظهر فضله؛ لأن الذي أعطاه فضله هو الله.
وفي ذكرى المولد النبوي الشريف، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم نتحدث عن رسول الله ﷺ؟ بل: كم بقي من تواضع رسول الله ﷺ فينا؟
ماذا صنع بنا العلم؟
ماذا صنعت بنا الألقاب؟
ماذا صنعت بنا المناصب؟
ماذا صنعت بنا محبة الناس؟
هل كلما رفعنا الله ازددنا قربًا من الناس، أم ازددنا بعدًا عنهم؟
هل نرفع من يعملون معنا كما رفع النبي ﷺ أصحابه، أم نحتاج دائمًا إلى أن يشعر الآخرون بأنهم دوننا؟
هل نستطيع أن نذكر فضل غيرنا كما ذكر ﷺ موسى ويوسف ويونس؟
وهل إذا أثنى الناس علينا رجع القلب سريعًا إلى قوله:
«أبوء لك بنعمتك عليَّ»؟
ذلك هو محمد ﷺ.
قال له ربه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، فازداد تواضعًا.
وقال له: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، فازداد استغفارًا.
وقال له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، فازداد افتقارًا.
وجعله سيد ولد آدم، فكان يقول: «ولا فخر».
ورفعه فوق مقامات الخلق، فكان أحب أوصافه وأصدق حقائقه:
عبد الله ورسوله.
فكان سيدًا لأنه حقق العبودية، وارتفع لأنه تواضع، وعَظُم في قلوب الخلق لأن الله كان أعظم في قلبه.
صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

زر الذهاب إلى الأعلى