د محمد ممدوح يكتب: رقعة الشطرنج العالمية ..متى نصبح شركاء في صياغة قواعد اللعبة؟
مقالات للرأي

حين نشر الكاتب الكندي وليام جاي كار كتابه «أحجار على رقعة الشطرنج» عام 1955، قدّم قراءة شديدة الجدل للعلاقات الدولية، تقوم على تصور أن كثيرًا من الحروب والأزمات لا تتحرك فقط بما يظهر على سطح الأحداث، وإنما تتداخل فيها مصالح قوى ونخب تسعى إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ والثروة والسيطرة. ورغم أن جانبًا من أطروحاته ينتمي إلى تفسير تآمري للتاريخ لا يمكن التعامل معه بوصفه حقيقة علمية ثابتة، فإن استعارة «رقعة الشطرنج» نفسها تبدو اليوم أكثر قدرة على وصف عالم تتشابك فيه المصالح، وتتحول فيه الجغرافيا والطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية إلى أدوات قوة لا تقل أهمية عن الجيوش.
في مثل هذا العالم، يصعب النظر إلى الحروب باعتبارها مواجهات منفصلة بين طرفين فقط. خلف كل صراع شبكة من المصالح: سلاح وتمويل، وطاقة وموانئ، وتحالفات وقواعد عسكرية، وعقوبات وأسواق، وممرات بحرية وتكنولوجيا ومعلومات. لكن اختزال المشهد كله في «أيادٍ خفية» سيكون تبسيطًا لا يقل خطورة عن تجاهل مصالح القوى الكبرى؛ فدول المنطقة نفسها تمتلك إرادة ومصالح وقدرات، وإن تفاوتت قدرتها على استخدامها.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تظل دول الشرق الأوسط ةما هي ، أم تستطيع أن تتحول إلى لاعبين يمتلكون رؤية ومشروعًا وقدرة على التفاوض وصناعة البدائل؟
الإجابة لا تبدأ بالشعارات، وإنما ببناء القوة. فالدولة التي تمتلك اقتصادًا منتجًا، وأمنًا غذائيًا وطاقيًا، ومعرفة وتكنولوجيا، ومؤسسات قوية، ورؤية مستقلة لعلاقاتها الدولية، يصعب أن تتحول إلى مجرد ورقة في يد الآخرين. والأمر نفسه ينطبق على الإقليم العربي كله.
لهذا لم تعد فكرة التكامل العربي ترفًا سياسيًا أو حنينًا إلى شعارات الماضي، بل أصبحت مسألة تتصل بالأمن والبقاء. والمقصود ليس بالضرورة وحدة سياسية اندماجية، وإنما بناء مصالح عربية مشتركة في الاقتصاد والطاقة والغذاء والتكنولوجيا والدفاع والمياه والممرات البحرية والاستثمار والتفاوض الدولي.
ففي عالم يعاد فيه توزيع القوة، لن تحمي الدولَ كثرةُ الحلفاء بقدر ما تحميها قدرتها على امتلاك أوراقها الخاصة. وعندما تتصدع الجدران من حولنا، يصبح بناء السقف المشترك فعلًا من أفعال الحكمة لا مجرد حلم. فالدرس الأهم في رقعة الشطرنج العالمية ليس أن الأقوياء يحركون الأحجار فحسب، بل أن من يدرك قواعد اللعبة، ويبني قوته، ويعرف متى يتحرك ومع من يتحالف، يستطيع أن ينتقل من موقع الحجر إلى موقع اللاعب.









