مقالات الرأى

د. فايد محمد سعيد يكتب: محمد ﷺ… حين كان الحِلم أقوى من الغضب

مقالات للرأي

 

من الجوانب العظيمة في سيرة سيدنا رسول الله ﷺ التي ينبغي أن نعيد قراءتها خُلُق الحِلم. والحِلم غير الضعف، وغير العجز عن الرد، وغير السكوت لأن الإنسان لا يملك غير السكوت؛ إنما الحِلم أن تملك القدرة على الرد، ثم تملك قبل ذلك نفسك؛ أن يغضبك الإنسان فلا يسمح غضبك لنفسك أن تظلمه، وأن يجهل عليك فلا يجعلك جهله جاهلًا مثله، وأن ترى وراء التصرف الخاطئ إنسانًا ربما يحتاج إلى التعليم أكثر من حاجته إلى العقوبة.
ولهذا كان الحِلم من أخلاق الأنبياء. قال الله تعالى في إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114]، وقال في وصفه أيضًا: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ [هود: 75]، وبشَّره سبحانه بإسماعيل فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: 101].
ثم إذا انتقلنا إلى سيرة سيدنا محمد ﷺ وجدنا الحِلم حاضرًا في البيت والمسجد والطريق، مع الأعرابي والحضري، مع الرجل والمرأة، مع الصغير والكبير، مع من يعرف قدره ومع من لا يعرفه. ولعل العجيب في حلمه ﷺ أنه لم يكن حلمًا يصدر عن رجل يعيش بعيدًا عن الناس، بل كان في قلب المجتمع؛ يأتيه الناس بأسئلتهم ومشكلاتهم، ويدخل عليه الأعرابي الذي لا يعرف آداب المجالس، ويأتيه صاحب الحاجة، ويجادله الجاهل، ويخطئ أمامه المخطئ، ومع ذلك بقي صدره أوسع من أخطاء الناس.
أعرابي يجذبه من ردائه… فيبتسم
يروي أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مُر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء» متفق عليه: رواه البخاري ومسلم.
تأملوا المشهد قبل أن نقرأ رد النبي ﷺ. ليس رجلًا جاء بأدب فقال: يا رسول الله، أعطني. إنه أدركه في الطريق، ثم أمسك بثوبه، ثم جذبه جذبة شديدة، شديدة إلى درجة أن أنسًا رضي الله عنه رأى أثر حاشية الرداء في عاتقه الشريف، ثم لم يقل: لو تكرمت، بل قال: «يا محمد، مُر لي من مال الله الذي عندك».
لو حدث هذا مع أحدنا، فما أول شيء قد نفكر فيه؟ ربما ننسى حاجة الرجل كلها، ولا نرى إلا الطريقة التي عاملنا بها. ربما نقول: تعلم الأدب أولًا ثم اطلب. وربما يصبح همنا أن نعيد إليه الإهانة، أو أن نثبت لمن حولنا أن كرامتنا لا تسمح بهذا. لكن أنسًا رضي الله عنه يكمل الحديث بكلمات قليلة تختصر مدرسة كاملة: «فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء».
سبحان الله! جذبه، فالتفت إليه. آلمه، فضحك. أساء في الطلب، فأمر له بعطاء. إنها ثلاثة أفعال نبوية ينبغي أن ندرسها: التفت… فضحك… فأعطى.
لم يجعل سوء أسلوب الرجل يحجبه عن حاجته. وهذه درجة عالية من الحِلم: أن تستطيع الفصل بين خطأ الإنسان وحاجته. كان يستطيع أن يؤدبه أولًا، لكنه رأى خلف اليد التي جذبته فقرًا وحاجة. والأعرابي رأى مالًا يريد منه نصيبًا، أما النبي ﷺ فرأى إنسانًا يحتاج إلى عطاء وإلى تربية في الوقت نفسه.
أعرابي يبول في المسجد… والنبي ﷺ يرى ما لم يره الصحابة
ثم يأتي أعرابي آخر إلى مسجد رسول الله ﷺ، فيبول في ناحية المسجد. بال في مسجد رسول الله ﷺ! فثار الصحابة رضي الله عنهم، وهذا مفهوم؛ فهم يحبون مسجدهم ويعرفون حرمته، ويرون أمامهم تصرفًا لا يليق ببيت الله. فزجروه، وفي بعض الروايات قاموا إليه، لكن رسول الله ﷺ قال: «دعوه»، ثم أمر أن يصب على بوله ماء، وقال لأصحابه: «فإنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين». رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأصل قصة بول الأعرابي في المسجد متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه.
هنا ينبغي أن نتوقف. الصحابة رأوا خطأً يجب إيقافه، والنبي ﷺ رأى الخطأ نفسه، لكنه رأى شيئًا آخر أيضًا: رأى إنسانًا جاهلًا يحتاج إلى أن يتعلم. ولو هجموا عليه وهو يقضي حاجته، لأصاب البول مساحة أكبر من المسجد، ولربما أصاب الرجل أذى، ولربما خرج من مسجد رسول الله ﷺ وقد ارتبط الدين في قلبه بالإهانة.
فقال: «دعوه». ليس لأن البول في المسجد أمر هين، وليس لأن حرمة المسجد قليلة، بل لأن معالجة الخطأ تحتاج إلى علم بالنفوس وبالمآلات. ثم عالج النجاسة بالماء، وعالج الجهل بالتعليم.
وهذا من أعظم الفقه التربوي في السيرة: النجاسة تحتاج إلى ماء، والجاهل يحتاج إلى علم، ولا ينبغي أن نعالج الجهل بالغضب.
وكم من خطأ صغير جعلناه كبيرًا بسبب سوء طريقة التصحيح! وكم من إنسان كان يحتاج إلى كلمة هادئة فأبعدناه عن أبواب الخير لأننا أردنا أن ننتصر للصواب بطريقة لم يعلمنا إياها رسول الله ﷺ! لقد كان ﷺ يريد إصلاح الخطأ، لكنه كان يريد أيضًا ألا يكسر الإنسان أثناء إصلاحه.
«أيكم ابن عبد المطلب؟»
ويأتي ضِمام بن ثعلبة رضي الله عنه إلى مجلس رسول الله ﷺ، فلا يعرفه من بين أصحابه، فيسأل: «أيكم ابن عبد المطلب؟»، ثم يخاطب النبي ﷺ بأسئلة مباشرة، ويقول: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليَّ في نفسك، فيجيبه ﷺ: «سل عما بدا لك». رواه البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وأصل قصة ضمام وأسئلته ثابت أيضًا في صحيح مسلم.
تأملوا هذا المجلس. رجل يدخل على سيد ولد آدم ﷺ، فلا توجد حوله هيئة تجعله يعرفه فورًا من بين أصحابه. لا عرش، ولا مكان مرتفع يفصله عن الناس، ولا بروتوكول يجعل الداخل يعرف القائد من عشرات الأمتار. يسأل: «أيكم ابن عبد المطلب؟»، ثم يخبره أنه سيشدد عليه في السؤال، فيقول ﷺ: «سل عما بدا لك».
لم يقل له: تعلم أولًا كيف تخاطب رسول الله. ولم يغضب من طريقة السؤال. إنه يريد أن يصل الرجل إلى الحق، ولذلك اتسع صدره للطريق الذي جاء به.
وهنا يلتقي الحِلم بالتواضع؛ فالإنسان المتكبر يغضب سريعًا، لأنه يرى كل كلمة تمس صورته اعتداءً عليه، أما المتواضع فمساحة الأنا عنده أصغر، ولذلك تكون مساحة الحِلم أكبر. ولعل هذا أحد أسرار حلم رسول الله ﷺ: لم يكن منشغلًا بالانتصار لنفسه.
الحِلم مع الصغير
وكان حلمه ﷺ يظهر مع الأطفال. والطفل بطبيعته يخطئ ويتحرك، ولا يعرف من آداب الكبار ما يعرفه الكبار، لكن رسول الله ﷺ لم يطلب من الطفل أن يكون رجلًا صغيرًا؛ فهم الطفولة كما هي.
خدمه أنس بن مالك رضي الله عنه عشر سنوات، وهي مدة طويلة يستطيع فيها الخادم أن يخطئ مرات كثيرة، خاصة وأن أنسًا بدأ خدمته وهو غلام، ومع ذلك يقول: «خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أُفٍّ، ولا: لِمَ صنعت؟ ولا: ألا صنعت؟» متفق عليه: رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة.
عشر سنوات! لا نتحدث عن يوم أو أسبوع، بل عن عشر سنوات من التعامل اليومي. والتعامل اليومي هو الامتحان الحقيقي للأخلاق. قد يستطيع الإنسان أن يظهر الحِلم ساعة أمام جمهور، لكن هل يستطيع أن يحلم عشر سنوات داخل حياته اليومية؟ أنس، الذي عرفه في تفاصيل حياته، هو الذي يجيب: ما قال لي أُفٍّ قط.
وهذه شهادة من داخل الحياة اليومية، لا وصفًا قيل من بعيد.
الحِلم مع المرأة وصاحبة الحاجة
وكان ﷺ واسع الصدر لصاحب الحاجة مهما كانت منزلته في أعين الناس. وجاءت امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال لها: «يا أم فلان، انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك»، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها. رواه مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
إنسانة ربما لا يعطيها المجتمع وقتًا، ورسول الله ﷺ يعطيها من وقته. وهنا يظهر الحِلم في صورة أخرى: أن تحتمل الإنسان الذي قد لا يحتمله الآخرون.
فالحِلم ليس فقط ألا تغضب ممن آذاك؛ الحِلم أيضًا أن تعطي وقتًا لمن يبطئ في الكلام، وأن تسمع لمن لا يحسن التعبير، وأن تحتمل من يكرر السؤال، وأن تراعي ضعف الكبير وجهل الصغير وحاجة المرأة وغربة الأعرابي.
لم يكن الحِلم عنده ضعفًا
وهنا لا بد من تصحيح مفهوم مهم. الحليم ليس الإنسان الذي لا يستطيع أن يغضب. ورسول الله ﷺ كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله. وتقول عائشة رضي الله عنها: «وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تُنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها» متفق عليه بمعناه: رواه البخاري ومسلم.
وهنا الميزان النبوي الدقيق: إذا تعلق الأمر بنفسه اتسعت مساحة العفو والحِلم، وإذا تعلق الأمر بحق الله والعدل وحقوق الناس كان للموقف ميزانه الآخر.
وهذا هو الفرق بين الحِلم والضعف. الضعيف قد يسكت لأنه عاجز، أما الحليم فيملك الرد، ولكنه يملك نفسه قبل أن يملك الرد، ويختار موضعه ومقداره وغايته. ولذلك كان ﷺ قويًا وحليمًا في الوقت نفسه، بل إن الحِلم نفسه نوع من القوة.
قال رسول الله ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
لقد أعاد ﷺ تعريف القوة. الناس قد يرون القوي هو الذي يصرع غيره، أما محمد ﷺ فيقول: القوي الحقيقي هو الذي يستطيع أن يصرع غضبه. أن تملك إنسانًا أضعف منك قد يكون سهلًا، لكن أن تملك نفسك وهي تغلي غضبًا، فهذه هي القوة.
كان يرى الإنسان قبل الخطأ
وإذا جمعنا هذه المواقف وجدنا خيطًا واحدًا يمر بينها. الأعرابي جذبه من ردائه، فرأى حاجته قبل إساءته. والأعرابي بال في المسجد، فرأى جهله قبل خطئه. وضمام شدد في السؤال، فرأى بحثه عن الحقيقة قبل خشونة عبارته. وأنس كان غلامًا، فرأى سنه وضعفه قبل تقصيره. والمرأة جاءت في حاجتها، فأعطاها من وقته ولم يجعل ضعفها سببًا لتجاهلها.
إنه ﷺ كان يرى الإنسان كاملًا، لا الخطأ وحده.
وهذا شيء نفتقده كثيرًا. عندما يخطئ معنا إنسان يتحول في أعيننا أحيانًا إلى خطئه؛ ننسى تاريخه، وننسى ظروفه، وننسى جهله وضعفه، وننسى الخير الذي فيه، ونضعه كله داخل لحظة واحدة سيئة.
أما الحِلم النبوي فيعلمنا أن نقول: نعم، هذا خطأ، لكنه إنسان أخطأ. وهناك فرق كبير بين العبارتين.
الحِلم سنة… وأخلاق التعامل من أعظم وجوه الاقتداء
وهنا نصل إلى معنى أراه بالغ الأهمية في قراءتنا لسيرة سيدنا رسول الله ﷺ. إن من أعظم وجوه الاقتداء بالنبي الأعظم ﷺ أن نتبعه في هذه الجوانب التي تكشف عظمة شخصيته، ولا سيما الأخلاق التي تتصل بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان.
فالاقتداء ليس مقصورًا على ما يتعلق بهيئة الإنسان في عبادته ومظهره، مع عظيم أهمية ذلك، وإنما يشمل كذلك الطريقة التي ينظر بها إلى الناس، ويعامل بها الضعيف، ويصبر بها على الجاهل، ويستقبل بها صاحب الحاجة، ويضبط بها غضبه، ويعالج بها خطأ المخطئ.
قال الله سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. وهذه الأسوة لا تتجزأ.
الحِلم سنة.
أن تملك نفسك عند الغضب سنة.
أن تتحمل جهل الجاهل سنة.
أن تعلم قبل أن تعاقب سنة.
أن تراعي حال القادم الجديد سنة.
أن تصبر على الطفل سنة.
أن تسمع لصاحب الحاجة سنة.
أن تفصل بين الخطأ وصاحبه سنة.
أن يكون صدرك أوسع من اختلاف الناس سنة.
وأن يكون همك هداية المخطئ وإصلاحه، لا مجرد الانتصار عليه، سنة.
بل لعل من أعظم ما ينبغي أن يراه الناس من اتباعنا لسيدنا رسول الله ﷺ أثر سنته في معاملتنا لهم.
فماذا يستفيد الإنسان الذي أمامنا من حديثنا عن السنة إذا لم يجد فينا حلم صاحب السنة؟ وكيف نحدث الناس عن هديه ﷺ ثم إذا أخطأ علينا إنسان لم يجد فينا شيئًا من صبره؟ وكيف يحرص الإنسان على بعض دقائق السنن ثم لا يستطيع أن يبتسم في وجه جاهل، ولا يصبر على سائل، ولا يحتمل طفلًا، ولا يغفر كلمة؟
إن أخلاقه ﷺ من سنته.
وحلمه من سنته.
ورحمته من سنته.
وتواضعه من سنته.
ووفاؤه من سنته.
وطريقته في حفظ كرامة الإنسان من سنته.
ومن هنا فإن إعادة قراءة السيرة من هذه الزاوية ليست حديثًا عن فضائل جميلة فحسب، وإنما هي إعادة اكتشاف لمعنى الاتباع نفسه.
بين رد الفعل النبوي وردود أفعالنا
لعل مشكلتنا اليوم أننا نعيش في عصر سريع جدًا في ردود الأفعال: كلمة تقابل بكلمة، ورسالة برسالة، وإساءة بإساءة. وفي وسائل التواصل قد يكتب الإنسان وهو غاضب كلمة تصل في ثوان إلى آلاف الناس، ثم يحتاج سنوات لإصلاح أثرها.
أما مدرسة محمد ﷺ فتعلمنا أن تكون هناك مسافة بين الاستفزاز ورد الفعل، وفي هذه المسافة يعيش الحِلم.
جذبه الأعرابي، فكان يستطيع أن يغضب، لكنه التفت فضحك.
وبال الرجل في المسجد، فكان يستطيع أن يأمر بعقوبته، لكنه قال: «دعوه».
وشدد ضمام في السؤال، فقال: «سل عما بدا لك».
وخدمه أنس عشر سنوات، فما قال له: «أُفٍّ».
هذه ليست حوادث منفصلة؛ إنها شخصية واحدة.
إنه محمد ﷺ.
كان قويًا فلا يحتاج إلى إثبات قوته بالغضب، وكان عظيمًا فلا يحتاج إلى حماية عظمته من كل كلمة، وكان واثقًا فلا يخاف من السؤال، وكان رحيمًا فيرى الجهل حالة تحتاج إلى تعليم، لا جريمة تحتاج دائمًا إلى عقوبة.
وفي ذكرى المولد النبوي الشريف
حين نحتفل بذكرى مولده ﷺ، فإن من أعظم الوفاء له أن نعيد أخلاقه إلى حياتنا. نحتاج إلى حلمه في بيوتنا، بين الزوج وزوجته، وبين الأب وأبنائه، وبين المعلم وطلابه، وبين العالم والسائل، وبين الإمام والمصلين، وبين المدير وموظفيه، وبين المسلمين أنفسهم، ومع غير المسلمين، ومع من يعرف آدابنا ومن لا يعرفها، ومع القادم الجديد إلى الإسلام الذي قد يخطئ لأنه لم يتعلم بعد.
إن المجتمع لا يحتاج فقط إلى مزيد من الأحكام؛ يحتاج أيضًا إلى مزيد من الحِلم في تطبيق الأحكام. ولا يحتاج الناس فقط إلى من يقول لهم أين أخطأوا، بل إلى من يأخذ بأيديهم بعد الخطأ.
لقد جاء الأعرابي فشد رداءه حتى أثّر في عاتقه الشريف، فخرج بالعطاء. وجاء الآخر فبال في مسجده، فخرج متعلمًا. وجاء ضمام بأسئلة شديدة، فخرج وقد عرف دينه وحمل ما تعلمه إلى قومه. وجاء أنس غلامًا يخدمه، فخرج بعد عشر سنوات يحمل للأمة شهادة لا تنسى عن أخلاق نبيها.
وهذه هي ثمرة الحِلم:
الحليم لا يربح الموقف فقط؛ بل يربح الإنسان.
ولعل هذه من أسرار عظمة سيدنا رسول الله ﷺ. لم يكن همه أن يخرج من كل موقف منتصرًا لنفسه، بل كان همه أن يخرج الإنسان من الموقف أقرب إلى الله، وأعلم بالحق، وأحب للخير.
قال الله سبحانه في وصف نبيه ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
وهنا تختصر الآية منهجًا كاملًا: كان يمكن للقوة أن تضبط الناس حوله فترة، لكن اللِّين هو الذي جمع قلوبهم. وكان يمكن للغضب أن يوقف الأعرابي، لكن الحِلم هو الذي علّمه. وكان يمكن للعقوبة أن تخرج الجاهل من المسجد، لكن الرحمة أدخلت معنى المسجد إلى قلبه.
وهكذا كان محمد ﷺ: إذا جهل عليه الناس لم يزد جهلهم حلمه إلا ظهورًا، وإذا أساؤوا إليه لم يكن همه أن ينتصر لنفسه، وإذا أخطؤوا لم ير الخطأ وحده بل رأى الإنسان وراء الخطأ.
ولذلك فإن من أراد أن يسأل نفسه عن مقدار اقتدائه برسول الله ﷺ، فليسأل أيضًا: كم من حلمه في حلمي؟ وكم من رحمته في معاملتي؟ وكم من تواضعه في علاقتي بالناس؟ وكم من وفائه في حفظي للجميل؟ وكم من هديه يظهر في طريقتي مع من أخطأ في حقي؟
فهذه أيضًا سنة محمد ﷺ، بل هي من أعظم السنن التي تجعل الناس يرون جمال رسالته في أخلاق أتباعه.
صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الذي علّمنا أن القوة ليست في أن نغلب الناس، بل في أن نملك أنفسنا؛ وأن الحِلم ليس ضعفًا، وإنما هو قوة الأخلاق حين تستطيع أن تغضب… فتختار ما هو أحب إلى الله وأنفع للإنسان.

زر الذهاب إلى الأعلى