
درستُ اللغة العربية طالبًا، وتخرجتُ في كليتها بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ثم مضت بي الحياة فقرأت ودرست وكتبت وحاضرت بلغات أخرى. ومنحتني هذه الرحلة فرصة أن أرى العربية من داخلها ومن خارجها معًا؛ أن أعرفها طالبًا لقواعدها وبلاغتها، ثم أن أعود إليها بعد الاحتكاك بلغات أخرى فأكتشف فيها أشياء لم أكن أراها من قبل. فلغات البشر جميعًا تحمل جمالها وذاكرة أهلها وطرائقهم في التفكير والتعبير، واختلاف الألسنة نفسه آية من آيات الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: 22]. ومع ذلك بقي سؤال يرافقني كلما عدت إلى العربية: لماذا شاء الله أن تكون هذه اللغة بالذات لسان آخر وحي ينزل إلى البشرية؟ لا أطرح السؤال لأقيم مفاضلة متعصبة بين لغات خلقها الله وجعل اختلافها من آياته، ولا أزعم أنني أحيط بحكمة اختياره سبحانه، ولكن السؤال يزداد في نفسي كلما قرأت قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 195].
ولعل جمال العربية أنك قد تبدأ رحلتك إلى أسرارها من شيء بالغ الصغر. من همزة مثلًا. يعرف طالب العربية أن الأصل في الأسماء أن تكون همزتها همزة قطع، وأن همزة الوصل سُمعت في أسماء معدودة، منها سبعة وردت في القرآن: اسم، وابن، وابنة، وامرؤ، وامرأة، واثنان، واثنتان. ثم تدخل إلى الصرف فتقول في تصغير «ابن»: بُنَيّ، وفي «ابنة»: بُنَيّة، وفي «اسم»: سُمَيّ، فتسقط همزة الوصل مع تغير البناء. تبدو المسألة صغيرة، لكنها تكشف شيئًا من طبيعة هذه اللغة؛ فالحرف فيها يؤدي وظيفة، والحركة تحمل دلالة، والبناء يضيف معنى، والتقديم والتأخير ليسا سواء، والحذف قد يقول ما لا يقوله الذكر. ثم تنظر إلى الاشتقاق فتجد من «ع ل م»: عَلِم، وعِلْم، وعالِم، ومعلوم، ومعلِّم، ومتعلِّم، وتعليم، وتعلُّم؛ ومن «ر ح م»: رحمة، ورحيم، وراحم، ومرحوم، وأرحام، وتراحم. الكلمات ليست جزرًا منفصلة، بل تنتمي إلى عائلات دلالية، يحتفظ كل فرع فيها بشيء من ذاكرة الأصل، ثم يمنحه وزنه ووظيفته معنى جديدًا. ومن هنا كان عشقي للعربية يتجاوز جمال الجرس إلى الإعجاب بنظامها الداخلي؛ ذلك التوازن المدهش بين الاقتصاد في الأصول والثراء في الدلالات.
والعربية بالطبع أقدم من القرآن. وما وصل إلينا من تراث العرب قبل الإسلام يدل على لغة بلغت درجة عالية من النضج والبيان، وعرف أهلها للكلمة سلطانها وللشعر مكانته وللخطابة أثرها. ثم نزل القرآن، فوقع التحول الأكبر في تاريخها. جاء بالحروف التي يعرفها العرب والكلمات التي يتداولونها واللسان الذي يتحدثون به، لكنهم وجدوا أمامهم نظمًا وبيانًا تجاوز مألوف كلامهم. ومنذ تلك اللحظة لم يعد تاريخ العربية منفصلًا عن تاريخ القرآن؛ فقد خرجت من حدود بيئتها الأولى لتصبح لغة كتاب يخاطب العالمين.
ومن هنا تبدو لي آية الحفظ ذات دلالة حضارية بالغة العمق: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. الوعد الإلهي متعلق بالذكر، ولا أريد أن أحمله ما لم يقله فأجعل منه نصًا في حفظ كل مفردة أو لهجة عربية، لكن التاريخ يخبرنا بحقيقة ظاهرة: كان حفظ القرآن من أعظم أسباب بقاء العربية الفصحى واستمرار الصلة بين أجيالها. فالقرآن لم يُحفظ بوصفه مجموعة أفكار يمكن إعادة صياغتها، بل حُفظت ألفاظه كما نزلت، وتوارث المسلمون تلاوته جيلًا بعد جيل. وكان لا بد لفهمه من معرفة مفرداته وأبنيته وتراكيبه وأساليب بيانه؛ فنمت حوله علوم النحو والصرف والبلاغة والقراءات والمعاجم والغريب والإعراب والمعاني. حُفظ النص، فنشأت حوله حضارة من العلوم تحفظ مفاتيح فهمه.
ولعل سيبويه واحد من أجمل الشواهد على هذا التحول. فهذا الرجل الفارسي الأصل أصبح صاحب «الكتاب»، أحد أعظم الأصول في تاريخ النحو العربي. وما يعنيني في سيبويه ليس أصله العرقي في ذاته، بل ما يكشفه حضوره عن تحول العربية من لغة قوم إلى لغة معرفة ورسالة. فقد دخل غير العرب إلى الإسلام، فوجدوا أن الطريق إلى التعمق في القرآن والسنة يمر بالعربية، فتعلموها، ثم شاركوا في تقعيدها وشرحها وصناعة علومها، حتى أصبح بعضهم أئمة فيها. وهكذا لم تعد خدمة العربية امتيازًا عرقيًا، وإنما مشروعًا علميًا وحضاريًا مفتوحًا لمن أراد الدخول إليه.
وقد وجدت شيئًا من هذه القصة التاريخية في كتاب المستشرق الألماني يوهان فك «العربية» (Arabiyya)، بما يتتبعه من تاريخ العربية ولهجاتها وأساليبها وانتشارها. وأكثر ما يستحق التأمل في رحلة العربية ليس مجرد اتساع رقعتها، بل قدرتها على الاحتفاظ، وسط هذا الاتساع، بمرجعية فصيحة مشتركة. تغيرت الدول، وتباعدت الأمصار، وتعددت اللهجات، لكن نصًا واحدًا ظل حاضرًا في حياة المسلمين اليومية. طفل في السنغال، وآخر في إندونيسيا، وثالث في لندن، ورابع في مكة، تختلف لغاتهم الأم وثقافاتهم، ثم يقفون في الصلاة فيقولون جميعًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وربما لا توجد صورة أبلغ من هذه لفهم الصلة بين حفظ القرآن واستمرار لسانه.
غير أن علاقتي بهذه القضية لم تبق في حدود التاريخ واللغة. فقد أخرجتني الحياة من قاعات الدراسة إلى التعامل مع مسلمين جدد وطلاب وشباب يصل كثير منهم إلى الإسلام من خلال الإنجليزية وغيرها من اللغات. وهناك اكتشفت أن السؤال عن العربية ليس سؤال جمال وهوية فقط، بل سؤال منهج في فهم الوحي. رأيت أحيانًا مناقشات طويلة حول آية، ثم يتبين أن موضع الاعتراض ليس كلمة القرآن، وإنما كلمة اختارها مترجم. ورأيت معنى حديث يضيق أو يتسع لأن المقابل الأجنبي لا يحمل المجال الدلالي نفسه الذي يحمله اللفظ العربي. عندها تحولت عندي مسألة كنت أعرفها نظريًا إلى حقيقة أعيش آثارها: الترجمة لا تنقل الكلمات من وعاء إلى آخر كما يُنقل الشيء المادي؛ المترجم يقرأ، ثم يفهم، ثم يختار في لغته أقرب ما يستطيع إلى ما فهمه. ولهذا فإن ترجمة القرآن، مهما بلغت جودتها، ليست القرآن، بل اجتهاد بشري في تقريب معانيه.
ولا يعني ذلك الانتقاص من الترجمة؛ فلولاها لحُرم ملايين البشر من باب عظيم إلى معرفة الإسلام، وقد بذل المترجمون جهودًا جليلة في خدمة القرآن والسنة. لكن معرفة قيمة الترجمة لا تكتمل إلا بمعرفة حدودها. فقد تحتمل كلمة عربية أكثر من دلالة، بينما تضطر اللغة الأخرى إلى اختيار واحدة؛ وقد تحمل صيغة صرفية أو أداة أو تقديم كلمة أو تأخيرها معنى لا يجد المترجم له مقابلًا كاملًا. ومن هنا أحب أن أصف الترجمة بأنها جسر إلى النص؛ والخطر ليس في عبور الجسر، بل في أن نظنه هو الضفة التي قصدناها.
ولن أنسى موقفًا عشته عام 2016، لأنه جعل هذه الفكرة كلها تتجسد أمامي في كلمة واحدة. التقيت شابًا يتحدث الإنجليزية وكان يقرأ القرآن من خلال ترجمة إنجليزية، ودار حديثنا حول قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]. كان الشاب مضطربًا من نسبة «المكر» إلى الله، وحين بحثت عن منشأ الإشكال تبين لي أنه يقرأ ترجمة نقلت إليه اللفظ بما يفيد في ذهنه معنى قريبًا من deceive، بكل ما تستدعيه هذه الكلمة الإنجليزية من الخداع والتضليل. قلت له: عد إلى الآية نفسها قبل أن تحاكمها من خلال الكلمة الإنجليزية. فالآية تتحدث عن قوم يدبرون للنبي ﷺ في الخفاء ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾، فيبطل الله تدبيرهم وينجي نبيه. فالمكر هنا في سياق المقابلة والجزاء وإحباط تدبير المتآمرين، وليس نسبة الكذب أو الخداع المذموم إلى الله، تعالى الله عن ذلك.
وبقي هذا اللقاء في ذاكرتي؛ لأنني رأيت فيه المسافة التي قد تفصل أحيانًا بين النص وترجمته. لم يكن الشاب في حقيقة الأمر يصارع الكلمة القرآنية بقدر ما كان يصارع الحمولة الدلالية لكلمة إنجليزية اختيرت لتقريبها. وهنا أدركت أن العربية التي أحببتها طالبًا ليست بالنسبة إلى طالب العلم زينة معرفية، وإنما جزء من الأمانة في التعامل مع الوحي.
ومنذ ذلك الحين صرت أقرأ قصة سيبويه بصورة أخرى. بين ذلك الفارسي الذي تعلم العربية حتى أصبح من أئمتها، وذلك الشاب الذي كان يحاول الوصول إلى القرآن من خلال كلمة مترجمة، درس كامل في معنى اللغة بالنسبة إلى الوحي. لم يكن المطلوب من غير العربي يومًا أن يتخلى عن لغته، كما لا ينبغي أن نطالب كل مسلم بأن يصبح نحويًا أو لغويًا؛ فالإسلام رسالة للعالمين، ومن حق الناس أن يتعلموه بلغاتهم. لكن ثمة فرقًا بين من يتعرف إلى الإسلام من خلال الترجمة، ومن يريد أن يتخصص في القرآن والسنة من خلالها وحدها. الأول يحتاج إلى الجسر، أما الثاني فلا يستطيع أن يقضي حياته العلمية واقفًا عليه.
كيف يرجح الباحث بين تفسيرين وهو لا يعرف لماذا احتمل اللفظ العربي المعنيين؟ وكيف يدرس دقائق السنة وهو لا يستطيع النظر في الألفاظ التي نطق بها رسول الله ﷺ؟ وكيف يبني حكمًا على نص لا يستطيع التمييز فيه بين دلالة أصلية واختيار ترجمي؟ من هنا تصبح العربية في التكوين الشرعي المتخصص جزءًا من أدوات البحث والأمانة، لا مجرد إضافة ثقافية. وهذا درس أراه ملحًا في واقع المجتمعات المسلمة غير العربية: علينا أن نطور الترجمات ونحسنها ونقدر أصحابها، لكن علينا في الوقت نفسه أن نعيد العربية إلى قلب تكوين من يريد التخصص في علوم الإسلام. الترجمة تفتح الباب، أما التخصص فيحتاج إلى القدرة على الدخول.
وهنا أعود إلى السؤال الذي رافقني منذ الدراسة، لكنه لم يعد السؤال نفسه. في شبابي كان سؤال عاشق مفتون بدقة اللغة وجمالها: لماذا العربية؟ ثم جاءت تجربة الكتابة بلغات أخرى، وقراءة تاريخ العربية، والتعامل مع من يتلقون الإسلام من خلال الترجمة، فتحول السؤال إلى شيء أعمق: ماذا يعني أن يختار الله لغة بعينها وعاءً لنص أراد له أن يبقى هداية للبشر إلى آخر الزمان؟
لا أملك أن أحصر حكمة الله في خصائص لغوية نستحسنها نحن، لكنني أستطيع أن أتأمل. أرى لغة واسعة الاشتقاق، دقيقة الأبنية، مرنة التركيب، قادرة على حمل الفروق الدقيقة، ثم أرى القرآن ينزل بها فيمنحها مركزًا لم تعرفه لغة العرب من قبل. وأرى وعد الله بحفظ الذكر، ثم أرى حول هذا الذكر أجيالًا من العلماء، عربًا وغير عرب، تحفظ تلاوته وتدرس لسانه وتضع معاجمه وتقعد نحوه وتكشف بلاغته. وأرى بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا ملايين البشر الذين ليست العربية لغتهم الأولى يحفظون النص العربي نفسه.
عندها يبدو لي أن السؤال عن العربية لا ينبغي أن يقودنا إلى الفخر وحده، بل إلى المسؤولية. فما قيمة أن نقول إنها لغة القرآن إذا هجر أبناؤها القراءة بها؟ وما معنى أن نستعيد أمجادها في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة إذا لم نجعلها قادرة في واقعنا على حمل علوم الحاضر وأسئلة المستقبل؟ اللغة التي استوعبت معارف عصرها يومًا لا يعجزها في ذاتها أن تتحدث اليوم عن الذكاء الاصطناعي والطب الحديث والاقتصاد وعلوم الفضاء؛ وإنما تتقدم اللغات بقدر ما يقدم لها أهلها من علم وإبداع وتأليف وترجمة.
لقد بدأت العربية في حياتي درسًا، ثم أصبحت عشقًا، ثم كشفت لي التجربة أنها أمانة. وكتبت بلغات أخرى، فتعلمت منها وأحببت جمالها، لكن العودة إلى العربية بقيت عودة إلى بحر أعرف بعض شواطئه ولا أعرف مداه. وما زلت كلما فتحت القرآن ووقفت أمام كلمة أو جذر أو حركة، بل أمام همزة واحدة، أستعيد السؤال الأول: ما الذي أودعه الله في هذه اللغة حتى شاء أن يكون بها آخر وحي ينزل إلى البشرية؟
لا أدعي أنني وجدت الجواب كله، ولعل السؤال أوسع من أن يحاط به في مقال. لكن رحلتي علمتني شيئًا واحدًا: أن المسافة بين العربية والوحي ليست مسافة بين لغة وترجمة فحسب، بل بين النص وبين أحد مفاتيح فهمه. ولهذا ما زلت، بعد كل هذه السنوات، أرى نفسي أمام العربية طالبًا في أول الطريق؛ غير أنني اليوم أعرف أكثر من ذي قبل لماذا أريد أن أواصل الطريق.









