
هبطت الطائرة صباحاً في مطار مونتريال في أجواء خريفية لطيفة، استقبلني أحد الأصدقاء وانطلقنا لقلب المدينة، العاصمة الثقافية لكندا، أكبر مدن كيوبيك وثاني أكبر مدن كندا.
ونحن في طريقنا إلى جادة سان كاترين، تذكرت اختيار اليونسكو لمونتريال كعاصمة عالمية للكتاب؛ وحالياً فهي مركز كندا للإنتاج التلفزيوني باللغة الفرنسية، الإذاعة، المسرح، السينما، الوسائط المتعددة، والنشر المطبوع، ولا جدال فهي مدينة المهرجانات بلا منافس بـ 100 مهرجان سنوي. أما عن مهرجان مونتريال للألعاب النارية ومهرجان موسيقى الجاز فهما الأكبر عالمياً، ومهرجان العالم العربي الحدث الثقافي البارز والمكرس للثقافة والفنون في عالمنا العربي.
ورغم حاجتي للنوم بعد عناء 8 ساعات رحلة مباشرة من كوبنهاجن، خضعت لضغط صديقي لتناول الشاورما لدى أفضل المطاعم بالمدينة، وقد كان ما أراد. وهنا وجب التنبيه أن إجراءات الصحة والسلامة تحتم أن تكون الشاورما داخل المطاعم وليست خارجها حتى لا تتعرض لأي تلوث بيئي.
انتظرنا خارج “الرستوران” ما يقرب من ربع ساعة حتى تم إعداد الطاولة، ولفت نظري -ونحن بانتظار وصول الطعام- ألا يقل عن ست لغات تصل إلى مسامعي وأستطيع تمييزها؛ الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، والعربية طبعا، والتركية، حتى الأفريقية! تذكرت ذلك لأنني خلال تواجدي في الدنمارك كان من النادر أن يصل لسمعك لغة أخرى غير الدنماركية أو الألمانية.
مونتريال خليط ثقافي فريد بين أحيائها المتعددة؛ من الحي القديم Vieux-Montréal إلى الحي اللاتيني، والحي الصيني، وليتل إيطالي Little Italie، مشهد فريد لمزيج من الثقافات.
(ملاحظة تحليلية من مكتب مستشار الأعمال / حسن عبدالظاهر: تباين البنىة العمرية والثقافية للمدن يعكس بوضوح فلسفة إدارة التنوع البشري وتوظيفه كقوة استراتيجية ناعمة).
أخيراً وصلت “الهوتيل”، وما إن دخلت حجرتي نظرت للمدينة من خلف الستائر، فلم أجد مفرّاً من معانقة الفراش لأستيقظ لاحقاً وما زالت الإضاءة قوية بالخارج وكأن الزمن قد توقف، إنها السادسة عصراً!
سريعا توجهت لمترو الإنفاق (سان لوران Saint Laurent)، وما إن استقليت السلالم المتحركة شعرت بهدوء و سكينة غير طبيعية؛ شعرت فوراً بالمعنى الحقيقي للتلوث السمعي الذي يتميز به الخطوط الثلاثة لمترو انفاق القاهرة الكبرى، حيث أصوات السماعات والميكروفونات مرتفعة لدرجة تصيب الصمم بقياس متواصل يزيد عن 60 أو 70 ديسيبل في مكان مغلق. اقتربت حينها من أحد المسؤولين في إحدى محطات المترو الخط الثاني وسألته لو يمكن خفض صوت الميكروفونات قليلاً، أجابني بالصراخ: «حضرتك علشان عشر دقائق بالمحطه مش قادر تستحمل، واحنا هنا في ***** كل يوم طالع *** أبونا!».
اعتذرت للمسؤول وبادلني الاعتذار أيضاً؛ لقد فقد الرجل أعصابه جراء بيئة العمل المستفزة. ولا أدري صراحة ما الحكمة من إطلاق العنان للميكروفونات لأعلى مستوياتها في محطات المترو في القاهرة من قبل هيئة الأنفاق، اللهم إلا إذا كان الهدف توجيه رسائل على موجات بترددات معينة لعقول الملايين من المصريين في محطات المترو يومياً، والله أعلم.
المهم، أقل من 20 دقيقة وصلت محطة (لاسال Lasalle)، و تسائلت كيف لم يصعد لعربة المترو أي بائعين أو متسولين أو حتى تدافع بين البشر من عربة السيدات للرجال والعكس. سبحان الخالق.
و وجدتني أبتسم وأنا أنظر لعلامة الخروج أعلى السلم المتحرك؛ فقد وصلتني للتو رسالة ترحيب من شركة الاتصالات تتمنى لي طيب الإقامة لوصولي مونتريال، وتذكرني بأن سعر الدقيقة 60 جنيه!








