مقالات الرأى

القس / سمير ابراهيم يكتب: قطار المواطنة حين تتحول النصوص الدستورية إلى واقع

مقالات للرأي

في يناير 2014، جاء دستور جمهورية مصر العربية ليؤكد مجموعة من المبادئ التي تشكل أساسًا لبناء الدولة والمجتمع، وفي مقدمتها مبدأ المواطنة والمساواة وعدم التمييز. وتنص المادة (53) على أن: المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي، أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر». كما اعتبرت المادة التمييز والحض على الكراهية جريمة، وألزمت الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على أشكال التمييز كافة.”

ومنذ ذلك التوقيت، لم تعد المواطنة مجرد نص دستوري يُقرأ في الكتب، وإنما أصبحت قضية تحتاج إلى ترجمة حقيقية على أرض الواقع. وهنا يمكن أن نتحدث عن قطار المواطنة الذي انطلق في ربوع مصر، من المؤسسات الرسمية إلى مؤسسات المجتمع المدني، ومن المبادرات الوطنية إلى الأنشطة التي تستهدف الشباب، بهدف تحويل قيم المواطنة إلى ممارسة وسلوك يومي.

فالمواطنة ليست فقط أن نعرف حقوقنا وواجباتنا، وإنما أن ندرك أن اختلاف الدين أو العقيدة أو المكان أو الثقافة لا ينبغي أن يكون سببًا للتمييز، وأن المجتمع القوي هو الذي يستطيع أفراده أن يعملوا معًا رغم اختلافاتهم، وأن يحولوا هذا الاختلاف إلى مصدر قوة وتنوع.

ومن النماذج العملية التي تستحق التوقف عندها ما نظمه المركز المسيحي الإسلامي للتفاهم والشراكة بالتعاون مع مؤسسة مصر الخير، ووزارة الشباب والرياضة وتحت إشراف المطران منير حنا أنيس، مدير المركز، والدكتورة أمل جمال، استشاري مناحي الحياة بمؤسسة مصر الخير. وقد تضمنت المبادرة تنظيم مخيمين للشباب في محافظتي أسيوط والمنيا، تحت عنوان “إعداد قادة للمواطنة والسلام”بهدف بناء قدرات الشباب وتعزيز وعيهم بالمواطنة ودورهم في خدمة مجتمعاتهم.

ولم تكن المواطنة في هذين المخيمين مجرد عنوان لمحاضرة، وإنما كانت محورًا لمجموعة من الموضوعات والمهارات التي يحتاج إليها الشباب في حياتهم اليومية وفي تعاملهم مع مجتمعاتهم.

بدأت اللقاءات بمحاضرات حول المواطنة وتأثيرها في المجتمع، وكيف يمكن للمواطن أن يكون عنصرًا فاعلًا في مجتمعه، لا مجرد متلقٍّ للخدمات أو مراقب لما يحدث من حوله. ثم انتقل البرنامج إلى التفكير والتحليل النقدي، وكيفية قراءة المشكلة وتحليلها بصورة تساعد على الوصول إلى حلول جديدة وأفكار خارج الصندوق.

وجاء بعد ذلك محور مهم يتعلق بـ صنع السلام وفض النزاعات، حيث تناول التدريب عددًا من النقاط الأساسية، بداية من ماهية النزاع وأنواعه، مرورًا بدور الوسيط ومهارات التواصل، وصولًا إلى طرق تحليل النزاع وفضّه والوصول إلى حلول تساعد على بناء السلام داخل المجتمع.

وفي ظل الثورة التكنولوجية التي يعيشها العالم اليوم، كان للذكاء الاصطناعي حضوره أيضًا داخل هذه التجربة، ليس باعتباره بديلًا عن الإنسان وعقله، وإنما أداة يمكن الاستفادة منها بطريقة تتوافق مع القيم والمعايير المجتمعية. فالذكاء الاصطناعي مهما تطور، يظل أداة، بينما يبقى الإنسان هو صاحب القرار، والقادر على توظيف التكنولوجيا بما يخدم المجتمع ويحافظ على قيمه.

ثم جاءت المحطة الأخيرة لتطرح سؤالًا أكثر ارتباطًا بالواقع: كيف نصنع مبادرة؟

فالفكرة الجيدة وحدها لا تكفي. والمبادرة الناجحة هي التي تستطيع أن تنتقل من الورق إلى الواقع، وأن تراعي طبيعة المجتمع، والإمكانات المتاحة، والميدان الذي يعمل فيه صاحب المبادرة، وكذلك طبيعة الفئة المستهدفة واحتياجاتها الحقيقية.

وهنا تكمن أهمية هذين المخيمين؛ فالمستهدفون لم يكونوا شبابًا بعيدين عن الواقع، وإنما من الجوالة والكشافة التابعين لوزارة الشباب والرياضة، وهم شباب لهم حضور فعلي في مجتمعاتهم، ويمكنهم أن ينقلوا ما تعلموه إلى القرى والمراكز والمحافظات التي يعيشون فيها، وأن يشاركوا في تنفيذ مبادرات تسهم في تنمية مجتمعاتهم.

وهكذا تتحول المواطنة من مفهوم نظري إلى ممارسة حقيقية: شاب يتعلم كيف يفكر، وكيف يحلل المشكلة، وكيف يدير الحوار، وكيف يفض النزاع، وكيف يستخدم التكنولوجيا، ثم كيف يحول كل ذلك إلى مبادرة تخدم مجتمعه.

إن أهمية هذه التجارب لا تتوقف عند عدد المشاركين فيها أو عدد المحاضرات التي قُدمت، وإنما في قدرتها على صناعة شباب قادر على الفعل، يعرف أن المواطنة مسؤولية، وأن بناء المجتمع لا تنتظره المؤسسات وحدها، وإنما يبدأ من كل فرد يستطيع أن يقدم شيئًا في محيطه.

لقد تحرك قطار المواطنة، ولم يعد أمامنا سوى أن نلتحق به، كلٌّ من موقعه، وبقدرته وإمكاناته. فالمجتمع الذي يريد أن يتقدم لا يمكن أن يكتفي بالنصوص، وإنما يحتاج إلى تحويلها إلى ثقافة وسلوك ومبادرات وممارسات على أرض الواقع.

لقد تحرك قطار المواطنة، وعلى الجميع أن يلتحق به؛ وإلا فسيفوتنا الكثير والكثير.

زر الذهاب إلى الأعلى