مقالات الرأى

د حنان الدرباشى تكتب: وسائل التواصل بين الزيف الاجتماعي والتواصل الإيجابي

مقالات للرأي

 

لم أعد أندهش كثيرًا من قضايا انتحال الشخصية، مهما كان مستواها، في هذا العصر الذي امتلأ بالهرج والمرج، واختلطت فيه الأدوار، واختلت فيه كثير من القيم الاجتماعية. فما نعيشه اليوم ليس مجرد حالات فردية من الكذب أو التزييف، بل هو حالة يومية ممتدة من الزيف الاجتماعي، تتكرر أمام أعيننا في كل لحظة فعلي المستوي الشخصي، كثيرًا ما نقف أمام منشورات لأشخاص نعرفهم ونتعامل معهم يوميًا، فنراهم في صورة مختلفة تمامًا عمّا نعرفه عنهم في الواقع. نندهش، ونظل نتساءل: هل من نشر هذا هو نفس الشخص الذي رأيته منذ قليل في موقف حقيقي سقط فيه بكل المبادئ الإنسانية والأخلاقيات؟ هل هو نفسه الذي يتحدث عن العدالة والأخلاق وإعلاء قيم المجتمع، بينما سلوكه في الواقع يناقض كل ذلك؟ وهنا تتجلى المفارقة الصادمة بين الصورة المصنوعة والحقيقة الغائبة

وأرى أن وسائل التواصل الاجتماعي كانت أولى خطوات هذا الزيف؛ فهناك يبدو الجميع أبرياء، والجميع ضحايا، والجميع يستحقون الأفضل، بينما تُخفى الحقائق خلف صور مثالية ومشاهد منتقاة بعناية. لقد كان من نعم الله علينا في الماضي أن ستر بيوتنا وعيوبنا، حتى جاء زمن قرر فيه البعض أن يكشف ما استتر، وأن يعرض أدق تفاصيل حياته، بل وأحيانًا معاصيه وأخطائه، وكأنها أمر يدعو إلى التفاخر أو الاعتياد.

قديمًا إذا أخطأ الإنسان أو ارتكب معصية، كان يراجع نفسه مرارًا، ويشعر بوخز الضمير، ويحرص على أن يستر ما ستره الله عليه. كان الألم الداخلي دليلًا على حياة القلب، وكان الحياء من الله ومن الناس دافعًا إلى التوبة والرجوع. ويكفي في ذلك ما جاء في معنى الحديث الشريف: الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، حيث سأل النبي ﷺ عن البر والإثم فقال: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ».   فكان الإنسان يستشعر ثقل الذنب، ويسعى إلى إصلاح نفسه لا إلى نشر خطئه.

أما اليوم، وبعد أن فُتحت كل النوافذ على حياة الآخرين، وأصبح الإنسان يرى المعاصي والتجاوزات تُعرض بلا حرج، فقد تبدلت الموازين. ومع التكرار المستمر، يبدأ العقل في تقبل ما كان يرفضه، وتجد النفس مبررات نفسية واجتماعية لأخطاء كانت فيما مضى مرفوضة. فلا يعود السؤال: “هل هذا خطأ؟”، بل يصبح: “الجميع يفعل ذلك، فلماذا أكون مختلفًا؟”

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ فالمعصية لا تُنكر، والخطأ لا يُبرر، والتوبة بابها مفتوح دائمًا، لكن الأخطر أن يفقد الإنسان إحساسه بقبح الخطأ، وأن تمر المعصية على النفس مرورًا عاديًا دون مراجعة أو ندم. ومع كثرة المشاهدة والتكرار، تتحول التجاوزات إلى أمر مألوف، ثم إلى عادة، ثم إلى سلوك راسخ، حتى يصبح المنكر معروفًا، والمعروف غريبًا.

إن وسائل التواصل الاجتماعي لا تغيّر المجتمعات بضغطة زر، لكنها تمارس تأثيرًا تدريجيًا ومدروسًا على النفوس، من خلال تكرار المشاهد وتطبيع السلوكيات، حتى يصبح ما كان مستهجنًا بالأمس مقبولًا اليوم، وربما مطلوبًا غدًا.

ومن هنا، فإن انتحال الشخصيات ليس ظاهرة منفصلة، بل هو امتداد طبيعي لهذا الواقع المزيف. فمن اعتاد صناعة صورة غير حقيقية عن حياته، لن يجد غضاضة في صناعة هوية غير حقيقية أيضًا. فكلاهما يقوم على المبدأ ذاته: الهروب من الحقيقة والعيش داخل صورة مصطنعة لا تمثل الشخص

إن معركتنا الحقيقية اليوم ليست مع وسائل التواصل في ذاتها، وإنما مع قدرتنا على الحفاظ على صدقنا الداخلي، وألا نسمح لما نراه يوميًا أن يعيد تشكيل فطرتنا أو يطمس معاييرنا وهو أمر لو تعلمون عظيم . فالمجتمعات لا تنهار عندما يكثر الخطأ، وإنما تنهار عندما يتوقف الناس عن اعتباره خطأ.

زر الذهاب إلى الأعلى