القس سمير داود ونيس يكتب: انخراط المؤسسات الدينية في العمل المجتمعي في ظل التحولات العالمية
مقالات للرأي

لم تعد المؤسسات الدينية في عالم اليوم قادرة على حصر أدوارها في المجال التعبدي أو الوعظي وحده؛ فالتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما يصاحبها من أزمات إنسانية واجتماعية واقتصادية وبيئية، تفرض إعادة النظر في مفهوم الدور المجتمعي للمؤسسات الدينية. فالحروب والنزاعات، وأزمات اللجوء والنزوح، واتساع دوائر الفقر، والتحولات التي طرأت على الأسرة، وتزايد الفجوات الاجتماعية، إلى جانب انتشار خطاب الكراهية والتطرف والاستقطاب، كلها تحديات تجعل من المشاركة المجتمعية مسؤولية مشتركة بين مختلف مؤسسات المجتمع، ومن بينها المؤسسات الدينية.
وفي هذا السياق، لم يعد انخراط المؤسسات الدينية في العمل المجتمعي مجرد استجابة ظرفية للأزمات، بل أصبح أحد المداخل المهمة لتعزيز التماسك الاجتماعي، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، ونشر ثقافة السلام والتعايش، وتمكين الأفراد، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة التغيرات. وتبرز في مصر نماذج متعددة لهذا الدور، سواء من خلال المؤسسات الإسلامية أو الكنيسة الأسقفية، حيث تتنوع مجالات العمل بين الرعاية الاجتماعية، والتعليم، وخدمة اللاجئين، وتمكين المرأة والشباب، والحوار بين الأديان، وبناء السلام.
من الدور الرعوي إلى الشراكة المجتمعية
فرضت التحولات العالمية على المؤسسات الدينية الانتقال تدريجيًا من مفهوم يقوم على تقديم المساعدة المباشرة إلى مفهوم أوسع يقوم على التمكين وبناء القدرات والشراكة المجتمعية. فالتحديات الراهنة لا يمكن التعامل معها فقط من خلال تقديم مساعدات مادية مؤقتة، وإنما تحتاج إلى حلول طويلة المدى تتيح للإنسان أن يستعيد قدرته على الاعتماد على ذاته والمشاركة الإيجابية في مجتمعه.
ومن هنا، أصبحت المؤسسات الدينية مطالبة بأن تكون جزءًا من منظومة مجتمعية أوسع، تتعاون فيها مع مؤسسات الدولة، ومنظمات المجتمع المدني، والجامعات، والمبادرات الشبابية، وغيرها من الفاعلين الاجتماعيين. وتكتسب المؤسسات الدينية في هذا المجال أهمية خاصة لما تتمتع به من حضور اجتماعي وثقة لدى قطاعات واسعة من المواطنين، فضلًا عن قدرتها على الوصول إلى الفئات التي قد يصعب الوصول إليها من خلال بعض المؤسسات الأخرى.
كما أن الخطاب الديني نفسه يمكن أن يتحول إلى قوة دافعة للعمل المجتمعي، حينما ترتبط قيم الرحمة والعدل والكرامة الإنسانية والمسؤولية والتكافل بممارسات واقعية تستجيب لاحتياجات الناس.
المؤسسات الإسلامية والعمل المجتمعي
يمثل العمل المجتمعي أحد المجالات المهمة في التجربة الإسلامية، حيث ارتبطت قيم التكافل والصدقة والزكاة ورعاية الفئات الأكثر احتياجًا بالممارسة الاجتماعية للمسلمين عبر التاريخ. وفي السياق المعاصر، تطورت هذه الأدوار لتشمل صورًا متعددة من الرعاية والتنمية، من بينها دعم الأسر الأولى بالرعاية، ورعاية الأيتام، ومساعدة المرضى، ودعم التعليم، وتقديم الخدمات الاجتماعية، فضلًا عن المبادرات التي تستهدف الشباب والمرأة والفئات الأكثر احتياجًا.
وتتجاوز أهمية المؤسسات الإسلامية في هذا المجال تقديم المساعدات إلى إمكانية توظيف الخطاب الديني في تعزيز مفهوم المسؤولية الاجتماعية. فالمؤسسة الدينية تستطيع أن تساهم في تحويل قيم التكافل من مجرد مفاهيم أخلاقية إلى ممارسات اجتماعية مستدامة، وأن تشجع أفراد المجتمع على التطوع والمشاركة والمبادرة.
كما تبرز أهمية المؤسسات الإسلامية في مواجهة أحد أخطر تحديات العصر، وهو الاستقطاب وخطاب الكراهية. فالتنوع الديني والثقافي أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله، ومن ثم فإن نشر ثقافة قبول الآخر، وترسيخ قيم المواطنة، ورفض العنف والتطرف، أصبحت جميعها جزءًا من المسؤولية المجتمعية للمؤسسة الدينية.
وتزداد أهمية هذا الدور عندما يتحول الحوار بين الأديان من لقاءات بروتوكولية إلى مشروعات ومبادرات مشتركة تخدم المجتمع، وتتيح للمواطنين، وخاصة الشباب، التعرف إلى الآخر بصورة مباشرة بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
الكنيسة الأسقفية في مصر: الدين في خدمة المجتمع
تقدم الكنيسة الأسقفية في مصر نموذجًا واضحًا للانخراط في العمل المجتمعي، من خلال الجمع بين رسالتها الروحية والتزامها بخدمة الإنسان والمجتمع. ويظهر هذا الدور في مجموعة متنوعة من المبادرات والبرامج التي تستهدف فئات مختلفة، دون أن تقتصر الخدمة على أبناء الكنيسة وحدهم.
وتأتي خدمة اللاجئين في مقدمة هذه المجالات، خصوصًا في ظل الأزمات الإقليمية التي أدت إلى تحركات سكانية واسعة وتدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى مصر. وقد شملت جهود الخدمة تقديم أشكال مختلفة من الدعم، بما يتناسب مع احتياجات اللاجئين الإنسانية والاجتماعية، إلى جانب الاهتمام بالتعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي. ولا تقتصر أهمية هذه الخدمات على تلبية الاحتياجات الأساسية، بل تمتد إلى مساعدة اللاجئين على الاندماج في المجتمع الجديد، واستعادة الإحساس بالكرامة والانتماء، والحد من مخاطر العزلة والتهميش.
كما تمثل المراكز الاجتماعية التابعة للكنيسة أحد المجالات المهمة للعمل المجتمعي، حيث تقدم برامج تعليمية وتدريبية تسهم في تنمية قدرات الأفراد وتحسين فرصهم في الحياة والعمل. ويشمل ذلك محو الأمية، والدروس التقوية، والتدريب على المهارات المهنية، إلى جانب برامج تهتم بالمرأة والطفل من خلال التوعية والرعاية الصحية والاجتماعية.
وهنا يتضح التحول من مفهوم “المساعدة” إلى مفهوم “التمكين”، فالمساعدة تعالج احتياجًا آنيًا، بينما يهدف التمكين إلى منح الإنسان الأدوات التي تساعده على بناء حياة أكثر استقرارًا واستقلالًا.
الحوار بين الأديان وبناء السلام
من أبرز أوجه انخراط الكنيسة الأسقفية في المجال المجتمعي تجربة المركز المسيحي الإسلامي للتفاهم والشراكة، الذي يمثل مساحة للحوار والتفاعل بين المسلمين والمسيحيين، ليس فقط على المستوى الفكري والديني، وإنما أيضًا من خلال مبادرات تستهدف المجتمع، وبخاصة الشباب والأطفال.
وتكتسب هذه المبادرات أهمية متزايدة في عالم يعاني من تصاعد الاستقطاب وخطاب الكراهية، إذ يصبح التعارف المباشر والحوار الحقيقي أدوات أساسية لمواجهة الصور النمطية وبناء الثقة.
ومن المبادرات اللافتة في هذا السياق رحلات السلام للأطفال من المدارس، التي تتيح للأطفال التعرف إلى مفاهيم السلام والتعايش بصورة عملية، إلى جانب رحلة تعلم التي تجمع الشباب للاستماع والتعلم عن الآخر من متخصصين من الأزهر الشريف وكليات اللاهوت. وتساعد مثل هذه التجارب على الانتقال من الحديث عن قبول الآخر إلى ممارسة التعارف والحوار معه.
كما يقدم المركز دورات في فض النزاعات وصنع السلام، تتناول عددًا من المحاور، من بينها دراسة النصوص الدينية، والمواطنة الحاضنة للتنوع، وفهم دور الوسيط، وخطوات فض النزاع، وصولًا إلى كيفية تصميم مبادرة مجتمعية. وتكشف هذه التجربة عن أهمية إعطاء الشباب الأدوات العملية التي تمكنهم من التعامل مع النزاعات وإنتاج مبادرات قادرة على إحداث أثر في مجتمعاتهم.
خدمة الأشخاص ذوي الإعاقة: من الرعاية إلى الدمج
ومن النماذج المهمة كذلك خدمة الصم، التي تعكس توجهًا نحو دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة الدينية والاجتماعية. فإتاحة التعليم الديني والروحي باستخدام لغة الإشارة لا تعني فقط تسهيل الوصول إلى المعرفة، وإنما تعبر عن اعتراف بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاركة الكاملة والفاعلة في المجتمع.
كما تمتد الخدمة إلى تنمية المهارات الاجتماعية والثقافية، وتشجيع الصم على التعبير عن أنفسهم والمشاركة بثقة. وتكتسب هذه التجربة بعدًا مجتمعيًا أوسع لأنها تساهم أيضًا في تغيير نظرة المجتمع إلى الإعاقة، والانتقال من مفهوم الشفقة إلى مفهوم الحقوق والدمج والمشاركة.
ما الذي يمكن أن تفعله المؤسسات الدينية في عالم متغير؟
إن التجارب السابقة، سواء في المؤسسات الإسلامية أو الكنيسة الأسقفية، تشير إلى أن المؤسسات الدينية تستطيع أن تلعب أدوارًا أكثر اتساعًا في مواجهة التحولات العالمية، إذا أعادت تعريف علاقتها بالمجتمع على أساس الشراكة.
أول هذه الأدوار هو تعزيز التماسك الاجتماعي، من خلال نشر خطاب ديني يركز على القيم المشتركة، ويقاوم خطاب الكراهية والانقسام.
وثانيها الاستجابة للأزمات الإنسانية، خاصة في ظل تنامي أزمات اللجوء والنزوح والفقر والكوارث، بما يضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا بطريقة تحفظ كرامتها.
وثالثها تمكين الشباب، ليس فقط من خلال الأنشطة الدينية، وإنما من خلال التدريب على الحوار، وفض النزاعات، والعمل التطوعي، وتصميم المبادرات المجتمعية.
أما الدور الرابع فهو تعزيز ثقافة المواطنة والتنوع، بحيث يصبح الاختلاف الديني والثقافي عنصرًا من عناصر ثراء المجتمع، وليس سببًا للصراع.
ويأتي كذلك التحول الرقمي كأحد المجالات الجديدة التي تحتاج المؤسسات الدينية إلى التعامل معها بوعي. فالشباب اليوم يتلقى جانبًا كبيرًا من معارفه وأفكاره عبر الفضاء الرقمي، وهو ما يجعل حضور المؤسسات الدينية في هذا المجال ضرورة، ليس فقط لنشر المحتوى الديني، وإنما للمساهمة في مواجهة المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، وتقديم محتوى يعزز التفكير النقدي والحوار وقبول الآخر.
من المبادرة إلى الأثر المستدام
ربما يكون التحدي الأكبر أمام المؤسسات الدينية في المرحلة المقبلة هو الانتقال من كثرة المبادرات إلى قياس أثرها واستدامتها. فنجاح المؤسسة الدينية في العمل المجتمعي لا يقاس فقط بعدد الأنشطة التي تنظمها، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة المستفيدين.
ومن المهم كذلك أن تتجه المؤسسات الدينية إلى بناء شبكات تعاون فيما بينها، بحيث يصبح الحوار بين المسلمين والمسيحيين، على سبيل المثال، ليس فقط موضوعًا للندوات والمؤتمرات، وإنما أساسًا لمشروعات مشتركة في التعليم، وخدمة اللاجئين، وتمكين الشباب، ومواجهة الفقر، وحماية البيئة، ونشر ثقافة السلام.
خاتمة: المؤسسة الدينية شريك في بناء المستقبل في ظل عالم سريع التغير، لم يعد السؤال هو: هل ينبغي للمؤسسات الدينية أن تنخرط في العمل المجتمعي؟ وإنما أصبح السؤال:كيف يمكن لهذا الانخراط أن يكون أكثر فاعلية واستدامة وتأثيرًا؟ وتوضح التجارب المصرية أن المؤسسات الإسلامية والكنيسة يمكن أن تقدما نماذج مهمة في هذا المجال، عندما تتحول القيم الدينية إلى مبادرات تخدم الإنسان، وعندما يصبح الحوار بين الأديان وسيلة لبناء الثقة، وعندما تتحول خدمة الفئات الأكثر احتياجًا من مجرد تقديم المساعدة إلى التمكين والاندماج. إن المجتمع الذي تتعاون فيه المؤسسات الدينية والمدنية من أجل حماية الإنسان وتعزيز كرامته، هو مجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتحولات. ومن هنا، فإن مستقبل العمل المجتمعي للمؤسسات الدينية لا ينبغي أن يقوم على الانغلاق داخل حدود المؤسسة، بل على الانفتاح على المجتمع، وبناء الشراكات، وتمكين الإنسان، وإطلاق طاقات الشباب، وتعزيز قيم المواطنة والسلام والتنوع.فالمؤسسة الدينية، حين تضع رسالتها الروحية في خدمة الإنسان والمجتمع، لا تؤدي دورًا تكميليًا فحسب، وإنما تصبح شريكًا حقيقيًا في بناء مجتمع أكثر عدلًا وتماسكًا وإنسانية، وأكثر قدرة على مواجهة عالم يتغير باستمرار.








