مقالات الرأى

د هاشم حلمي يكتب: الأمانة الوظيفية وسرية المعاملات

مقالات للرأي

تُعد الأمانة في مفهومها الشامل ركيزةً أساسية وقيمةً جوهرية تقوم عليها نهضة المجتمعات واستقامة المعاملات البشرية. وتُعرَّف الأمانة في بيئة العمل بكونها تحمل المسؤولية وأداء الحقوق إلى أهلها، وترك ما ليس بحق للإنسان مع كامل القدرة على أخذه والتصرف فيه. فالأمانة خلق أصيل ينبع من درون النفس زكية الخصال، فلا تحتاج إلى رقابة خارجية بقدر ما تستند إلى رقابة الضمير وإيثار الحق على هوى النفس. وإن هذا الخلق النبيل يتجاوز المفهوم الضيق ليحيط بجميع الواجبات الدينية والأعمال الإنسانية، وهو النقيض التام لسلوكيات الخيانة والغش والخداع والتزوير. وتتغلغل الأمانة في كافة معاملات العبد الدينية والدنيوية؛ ففي عقود التجارة تجسّد صدق البائع في جودة السلعة وأمانة المشتري في أداء الثمن، وفي عقود الصناعة والزراعة تشكل الحصن المنيع ضد التدليس والفساد، ولهذا يظل الشخص الأمين مطلباً أساسياً في سوق العمل؛ إذ إن أمانته في حفظ الأموال وصيانة الحقوق تتفوق في قيمتها على قدرات الخائن وإن أتقن العمل.

وتتجلى أمانة العامل في ميدان الوظيفة من خلال تقواه لله تعالى ومراقبته له فيما أُوتمن عليه من وقت ومال وسلع ومصالح؛ حيث يظهر ذلك في تنفيذ المهام الموكلة إليه طبقاً للشروط والمواصفات المحددة دون تقصير أو تعديل قد ينقص من قيمتها أو يكبد صاحب العمل أعباءً إضافية. كما تتطلب الأمانة أن يباشر الموظف عمله بنفسه لكونه أُنِط به بناءً على مهاراته، فلا يحق له تفويض غيره بغير إذن، فضلاً عن أهمية استثمار وقت العمل كاملاً فيما خُصص له والابتعاد عن إهدار الساعات في الأحاديث الجانبية أو الشؤون الشخصية. ويقتضي هذا الخلق الحفاظ المستمر على مقدرات المؤسسة وآلاتها وتجنب إتلافها بالتقصير، إلى جانب صيانة سمعة جهة العمل والمحافظة التامة على أسرارها ومعاملاتها وعدم إفشائها؛ لكون تسريب البيانات سبباً مباشراً في خسارة المؤسسة ومساساً بمركزها التنافسي، إضافة إلى الالتزام بالتعليمات الإدارية والمساهمة في خلق بيئة عمل قائمة على التعاون والمحبة والحرص على عدم تنفير العملاء.
وتكمن أهمية الأمانة بالعمل في كونها صفة تجمع الخصال الحميدة؛ من الصدق، والوفاء، وكتم الأسرار، والنزاهة عن المال الحرام، والإخلاص للعمل، والرضا بالرزق، وعدم الطمع بأموال الآخرين. وهذه المنظومة الأخلاقية تجعل صاحبها ثروة حقيقية تنافس عليها كبرى المؤسسات وترغب في توظيفه؛ لأنه كنز وقليل أمثاله. كما أن المؤمن لا يكون إلا أميناً، لكون الأمانة صفة أساسية للأنبياء والمرسلين، ولا توجد مهنة أو مجال من مجالات العمل إلا ويشترط الأمانة ولا يقبل الخيانة حتى وإن كان الخائن متفوقاً في مهارتها.
وقد جاءت السنة النبوية المطهرة بتأصيل عميق لأهمية الأمانة في العمل؛ فقد وضع النبي ﷺ القاعدة الكبرى في المسؤولية بقوله: «كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والأمِيرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتِهِ، وَالمَرْأَةُ راعِيَةٌ علَى بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ». وهو ما يشمل أمانة العامل في كسب رزقه ورعاية مقدرات المؤسسة. وحين طلب أبو ذر رضي الله عنه الاستعمال والإمارة، بيّن له النبي ﷺ أن العمل أمانة وتكليف يحتاج للكفاءة والقدرة، فقال له: «يا أَبَا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعِيفٌ، وإنَّهَا أَمَانَةُ، وإنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلَّا مَن أَخَذَهَا بحَقِّهَا، وَأَدَّى الذي عليه فِيهَا»، موضحاً أن من لم يجد في نفسه الكفاءة ينبغي ألا يطلب المسؤولية لئلا يضيع الأمانة فتكون عليه حسرة يوم القيامة.
وفي المقابل، رفع النبي ﷺ من شأن الموظف الأمين الذي يحفظ المقدرات والأسرار ويؤدي واجباته براحة نفس، فجعله في أجر أصحاب الصدقات بقوله: «الخازِنُ الأمِينُ، الذي يُؤَدِّي ما أُمِرَ به طَيِّبَةً نَفْسُهُ، أحَدُ المُتَصَدِّقِينَ». وفي الوقت ذاته حذر تحذيراً شديداً من يضيع أمانته ويظن أنه لن يُكشف، مبيناً أنه سيفضح يوم القيامة لقوله ﷺ: «لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَومَ القِيامَةِ يُعْرَفُ بهِ»، وجعل الخيانة في العمل وغيره علامة من علامات النفاق؛ بقوله: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ»؛ لكون الخائن قد جمع بين الكذب وخلف الوعد والخيانة.
وتكتمل هذه المنظومة الخُلقية بالهدي القرآني الحكيم الذي جعل أداء الأمانات والوفاء بالعهود أمراً إلهياً جازماً؛ حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وجعل سبحانه الوفاء بالعهد من علامات المتقين الذين يحبهم الله تعالى بقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. كما توعد سبحانه وتعالى من يفرطون بأماناتهم وعهودهم في أعمالهم لأجل مكاسب دنيوية زائلة بالعذاب الأليم في الآخرة، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وبذلك يتضح أن سرية المعاملات والأمانة الوظيفية ليست مجرد بنود لوائح بشرية، بل هي ميثاق إيماني ورسالة أخلاقية تحمي المجتمع وتصون الحقوق وترفع قدر الفرد في الدنيا والآخرة.

زر الذهاب إلى الأعلى