المستشار/ حسام الدين علام يكتب: مصر والقانون الدولي: قراءة هادئة في حادث دمياط واحتواء التصعيد
مقالات للرأي
يطرح حادث الحريق الذي تعرضت له سفينتان في ميناء دمياط، بعد أن بيّنت التحقيقات الأولية للجهات المعنية أنه نتج عن طائرة مسيّرة، مسألة أعمق من الواقعة الفنية أو الأمنية المباشرة. فالأمر يتعلق بحماية إقليم الدولة، وسلامة الموانئ، وأمن الملاحة، واستقرار إمدادات الطاقة، وبالقدرة على إدارة التوتر الإقليمي بلغة القانون لا بلغة الانفعال. وقد اكتسب الموقف المصري أهميته من اعتماده على مسارين متكاملين: التعامل الميداني السريع مع الحريق دون إصابات أو وفيات، وإبقاء التقييم القانوني والسياسي داخل حدود التحقيق، والأدلة، وضبط النفس، وحماية المصالح الحيوية.
ولا يكتمل فهم الحادث إلا من خلال القانون الدولي العام، لأن الطائرات المسيّرة حين تستخدم في استهداف مرفق أو سفينة داخل إقليم دولة ذات سيادة تثير أسئلة متصلة بحظر استخدام القوة، واحترام السيادة، ومسؤولية الدولة، ومعايير الإسناد، وحماية الملاحة، ووسائل احتواء التصعيد. والتحليل القانوني الرصين يبدأ من الوقائع المعلنة، ويمتنع عن القفز إلى نتائج لا تحملها الأدلة المنشورة، ثم يضع الحادث في إطاره الصحيح: مصر دولة ذات سيادة، وموانئها ومياهها ومنشآتها الحيوية محمية بمقتضى القانون الدولي، وأي مساس بها يستدعي معالجة قانونية دقيقة تحفظ الحق وتمنع اتساع دائرة الخطر.
الوقائع المعلنة وحدود القراءة القانونية
المعطيات المتاحة حتى الآن واضحة في حدودها: وقع حريق على سفينتين في ميناء دمياط يوم ٢٩ يوليو ٢٠٢٦، وأعلنت الجهات المعنية، بعد السيطرة على الحريق وإجراء تحقيقات أولية، أن الحادث نتج عن طائرة مسيّرة. وأشارت البيانات المتداولة رسميًا وإخباريًا إلى عدم وقوع إصابات أو وفيات، وإلى استمرار التحقيقات، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأمن القومي، مع تأمين بدائل لتغطية احتياجات الطاقة. كما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث في وقت إعداد هذا التحليل.
هذه الحدود مهمة؛ لأن القانون الدولي لا يبنى على التخمين. فإثبات وقوع الفعل شيء، وتحديد الجهة المنفذة شيء آخر، وإسناد الفعل إلى دولة بعينها شيء ثالث يتطلب معيارًا أعلى من الأدلة والربط القانوني. لذلك تبدو القراءة المصرية الهادئة، القائمة على التحقيق والتثبت، أكثر اتساقًا مع قواعد المسؤولية الدولية من أي خطاب متعجل يسبق الأدلة.
والتمييز هنا جوهري. فإذا ثبت أن الهجوم صدر من دولة أو من جهة تعمل بتوجيهها أو تحت سيطرتها وفق قواعد المسؤولية الدولية، انتقل التحليل إلى مسؤولية تلك الدولة عن انتهاك السيادة وربما حظر استخدام القوة بحسب طبيعة الفعل وأثره. وإذا صدر الفعل عن جماعة غير تابعة لدولة، برزت مسائل أخرى تتصل بمنع استخدام الإقليم للضرر بالغير، والتعاون في التحقيق، والملاحقة، ومنع تكرار الفعل. وفي جميع الأحوال، يظل حق مصر في حماية إقليمها ومرافقها وملاحتها حقًا ثابتًا لا يحتاج إلى مبالغة في اللغة كي يكون قويًا في القانون.
السيادة وحظر استخدام القوة في ميثاق الأمم المتحدة
يقوم ميثاق الأمم المتحدة على مبدأين محوريين في هذا السياق: المساواة في السيادة بين الدول، وحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها في العلاقات الدولية على نحو يمس سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. وهذا الحظر لا يتوقف على الوسيلة المستخدمة؛ فالعبرة في القانون ليست بالشكل التقني للأداة وحده، بل بطبيعة الفعل، ومكانه، ونتيجته، وسياقه.
ومن هذه الزاوية، فإن استخدام طائرة مسيّرة لإحداث ضرر داخل ميناء يقع في إقليم دولة أخرى يثير، متى ثبتت الجهة المسؤولة عنه، مسألة انتهاك السيادة على نحو مباشر. وإذا بلغ الفعل من الخطورة والآثار حدًا معينًا، أمكن بحثه أيضًا في إطار حظر استخدام القوة، وربما في إطار الاعتداء المسلح إذا توافرت شروطه الصارمة. والرصانة القانونية تقتضي عدم الخلط بين هذه المستويات: كل انتهاك للسيادة خطير، لكن وصفه القانوني الدقيق يتحدد وفق الأدلة، وحجم الضرر، والنية، والسياق، والجهة المنفذة.
ويقرر ميثاق الأمم المتحدة كذلك أن المنازعات التي قد تعرض السلم والأمن الدوليين للخطر ينبغي أن تعالج أولًا بوسائل سلمية، مثل التفاوض، والتحقيق، والوساطة، والتوفيق، والتحكيم، والتسوية القضائية، واللجوء إلى التنظيمات الإقليمية، وغيرها من الوسائل السلمية. وهذه القاعدة لا تضعف موقف الدولة المتضررة، بل تمنحه قوة إضافية؛ لأنها تبرهن أن الدولة تتحرك من موقع احترام القانون، وحماية السلم، وضبط التصعيد.
أما حق الدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة (٥١) من الميثاق، فهو حق أصيل عند وقوع هجوم مسلح، ويمارس وفق ضوابط الضرورة والتناسب، ومع مراعاة دور مجلس الأمن. ولذلك فإن الحكمة القانونية لا تقيس قوة الدولة بسرعة التصعيد، بل بقدرتها على اختيار الأداة المناسبة في اللحظة المناسبة، على أساس المعلومة الموثقة والتقدير المنضبط.
الموانئ والطاقة والملاحة كمساحات محمية بالاستقرار
تكتسب واقعة دمياط أهمية خاصة بسبب طبيعة المكان والهدف. فالموانئ ليست مجرد نقاط جغرافية على الخريطة؛ إنها عقد اتصال بين التجارة، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والخدمات اللوجستية، وأمن الملاحة. وحين يتعرض ميناء أو سفينة داخل ميناء لخطر من هذا النوع، يصبح الضرر المحتمل أوسع من الحريق ذاته؛ لأنه يمس الثقة في الممرات والخدمات البحرية، ويرفع كلفة التأمين، ويؤثر في حسابات الطاقة والتجارة.
ومن زاوية القانون الدولي، فإن حماية الموانئ والملاحة ترتبط باحترام سيادة الدولة الساحلية، وبسلامة السفن والأشخاص، وبالتعاون الدولي في منع الأعمال غير المشروعة ضد الملاحة البحرية. كما أن استقرار الموانئ في دولة كمصر يكتسب قيمة إقليمية ودولية؛ لأن مصر تقع في قلب حركة التجارة والطاقة، وتدير مرافق وممرات لها أثر يتجاوز الحدود الوطنية.
وقد عكست الإدارة المصرية للحادث وعيًا بهذه الأبعاد. فالاستجابة لم تقف عند إخماد الحريق، بل شملت تأمين بدائل الطاقة وطمأنة الداخل والأسواق بأن الاحتياجات الأساسية تحت السيطرة. وهذا مهم قانونيًا وسياسيًا، لأن الدولة التي تدير الأثر المدني والاقتصادي للحادث بسرعة وانضباط تقلل من قدرة الحادث على التحول إلى أزمة أوسع.
وهنا تظهر قاعدة عملية في القانون والعلاقات الدولية: احتواء الضرر جزء من قوة الموقف. فالدولة التي تثبت الوقائع، وتحمي المرفق، وتؤمن البدائل، وتواصل التحقيق، وتختار لغة دقيقة، تبني ملفًا قانونيًا أكثر صلابة من الدولة التي تندفع إلى اتهامات مبكرة أو إجراءات غير محسوبة.
الإسناد والمسؤولية الدولية وضبط الاتهام
في القانون الدولي، لا يكفي أن يقع فعل ضار داخل إقليم دولة حتى تنسب المسؤولية مباشرة إلى دولة معينة. الإسناد يحتاج إلى عناصر واضحة: من خطط، ومن نفذ، ومن وجّه، ومن موّل، ومن سيطر، ومن استفاد، وهل كان الفعل صادرًا عن جهاز دولة أو أشخاص يتصرفون بتعليماتها أو تحت سيطرتها. هذه الأسئلة ليست ترفًا فنيًا، بل هي جوهر العدالة القانونية.
ولذلك فإن اللغة الدبلوماسية المنضبطة في حادث دمياط يجب أن تظل قائمة على عبارة أساسية: التحقيق يحدد المسؤولية. هذه العبارة تحفظ حق مصر كاملًا، وتمنع في الوقت نفسه إهدار قوة الموقف عبر استنتاجات لا تزال قيد الفحص. وإذا ظهرت أدلة كافية، يفتح القانون الدولي مسارات متعددة: الاحتجاج الدبلوماسي، طلب التعاون القضائي أو الأمني، مخاطبة المنظمات الدولية المختصة، عرض المسألة على مجلس الأمن إذا بلغت درجة تهدد السلم والأمن الدوليين، والتمسك بالتعويضات أو الجبر عند ثبوت المسؤولية.
كما أن واجب التعاون في مثل هذه الوقائع لا يقع على الدولة المتضررة وحدها. فالدول ذات الصلة، سواء من حيث مسار الطائرة، أو مصدر الإطلاق، أو ملكية السفن، أو تسجيلها، أو إدارة عملياتها، أو البيانات التقنية المرتبطة بها، مطالبة بالتعاون بحسن نية في كشف الحقيقة ومنع التكرار. فالطائرات المسيّرة عابرة للحدود بطبيعتها التقنية، والتحقيق فيها يحتاج إلى تعاون يتجاوز حدود الدولة الواحدة.
ويجب التمييز كذلك بين المسؤولية الجنائية الفردية والمسؤولية الدولية للدولة. فقد يكون هناك أشخاص أو شبكات أو جماعات تتحمل مسؤولية جنائية عن فعل معين، وقد تقوم إلى جانب ذلك مسؤولية دولة إذا ثبت الإسناد القانوني إليها. هذا التمييز يحافظ على دقة التحليل، ويمنع تحويل القانون إلى خطاب عام.
احتواء التصعيد بمنطق القانون العام الدولي
السؤال العملي الأهم هو كيفية احتواء التصعيد دون التفريط في الحق. ويقدم القانون الدولي العام مجموعة أدوات متوازنة. تبدأ هذه الأدوات بالتحقيق الفني والجنائي وجمع الأدلة وحفظها؛ فالملف القوي يبدأ من مسرح الحادث، ومن بيانات الرصد، وشظايا المقذوف، ومسار الطائرة، وسجلات الاتصالات، وشهادات السفن، وتقارير الخبراء.
ثم تأتي الدبلوماسية القانونية: إخطار الأطراف المعنية، طلب التعاون، التواصل مع الدول التي قد تكون لها صلة بالسفن أو عملياتها أو مسارات الملاحة، والتأكيد في كل مخاطبة على احترام السيادة المصرية وحماية الملاحة ومنع تكرار الحادث. هذه الدبلوماسية لا تستبدل الحق بالقنوات الهادئة، بل تجعل الحق مسموعًا بلغة يصعب الاعتراض عليها.
وتأتي بعد ذلك الوسائل الأممية عند اللزوم. فميثاق الأمم المتحدة يتيح للدول عرض المسائل التي قد تمس السلم والأمن الدوليين على مجلس الأمن، كما يقر مبدأ التسوية السلمية للمنازعات. واللجوء إلى هذه الوسائل، متى اقتضت المصلحة، يعكس ثقة الدولة في القانون الدولي، ويضع المسؤولية أمام المجتمع الدولي، ويمنع تحويل الحادث إلى مساحة مفتوحة للروايات المتضاربة.
ويظل معيارا الضرورة والتناسب حاضرين في أي نقاش حول الرد. فالقانون الدولي لا يحرم الدولة من حماية نفسها، لكنه يطلب أن يكون كل إجراء منضبطًا بالغرض المشروع، وبحجم الخطر، وبالأدلة المتاحة، وبقواعد السلم والأمن الدوليين. ومن هنا تبدو السياسة القانونية الرشيدة هي التي تجمع بين الحزم والاتزان: حزم في حماية السيادة والمرافق الحيوية، واتزان في إدارة الخطاب والإجراءات.
وفي الختام، فإن حادث دمياط يختبر قدرة القانون الدولي على أداء وظيفته الأصلية: تحويل لحظة الخطر إلى مسار مسؤول للحقيقة والمساءلة والوقاية. ومصر، بموقعها ودورها ومصالحها الحيوية، تملك لغة قانونية قوية لا تحتاج إلى ضجيج كي تكون مؤثرة. فاحترام السيادة، وحظر استخدام القوة، وحماية الملاحة، والتعاون في التحقيق، وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، وحق الدولة في اتخاذ ما يلزم لحماية أمنها وفق القانون، كلها قواعد تمنح الموقف المصري صلابة وهدوءًا في آن واحد. وفي منطقة تحتاج إلى خفض التوتر لا إلى توسيعه، تبدو القراءة القانونية المنضبطة هي الطريق الأجدر: إثبات الحقيقة، صون الحق، حماية المرفق، واحتواء التصعيد بمنطق القانون لا باندفاع الأزمة.







