مقالات الرأى

اللواء الدكتور أحمد زغلول مهران يكتب: بين الحقوق والواجبات .. كيف تُبنى الأوطان؟

مقالات للرأي

 

اللواء الدكتور أحمد زغلول مهران يكتب: بين الحقوق والواجبات .. كيف تُبنى الأوطان؟

في خضم المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم لم يعد بناء الدولة يقاس فقط بحجم المشروعات العملاقة أو معدلات النمو الاقتصادي بل أصبح يقاس قبل كل شيء بمدى قدرة المجتمع على تحقيق التوازن بين الحقوق التي ينشدها المواطن والواجبات التي يلتزم بها تجاه وطنه فالأمم القوية لا تُبنى بالمطالب وحدها ولا تستقر بالسلطة وحدها وإنما تقوم على عقد اجتماعي غير مكتوب قوامه أن لكل حق واجباً يقابله ولكل واجب حقاً يحميه لقد اعتادت المجتمعات في أوقات الأزمات أن ترفع سقف مطالبها وهو أمر مشروع في إطار الدستور والقانون إلا أن التجارب الدولية أثبتت أن الشعوب التي نجحت في تجاوز التحديات كانت الأكثر وعياً بأن المشاركة في تحمل المسؤولية لا تقل أهمية عن المطالبة بالحقوق فالوطن ليس جهة تقدم الخدمات فقط بل هو كيان يشارك الجميع في بنائه وصيانته .

إن الحفاظ على الممتلكات العامة واحترام القانون والإخلاص في العمل وترشيد استهلاك الموارد والالتزام بقيم النزاهة ليست مجرد سلوكيات فردية بل هي عناصر أساسية في منظومة الأمن القومي الشامل فالدول الحديثة أصبحت تنظر إلى وعي المواطن باعتباره أحد أهم مكونات قوتها الوطنية لأن خسارة الوعي قد تكون أخطر من خسارة الموارد .

ومن المؤسف أن وسائل التواصل الاجتماعي رغم ما وفرته من مساحة للتعبير وتبادل المعرفة أصبحت في كثير من الأحيان ساحة لنشر الشائعات وإثارة الانقسام والتشكيك في كل إنجاز دون تحقق أو مسؤولية وهنا تبرز أهمية الإعلام الوطني الواعي والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية في ترسيخ ثقافة التفكير النقدي والتمييز بين الرأي والمعلومة وبين النقد البنّاء ومحاولات الهدم .

ولا يعني الحديث عن الواجبات التقليل من أهمية الحقوق بل على العكس فالحقوق هي أساس الاستقرار والعدالة وهي التي تمنح المواطن شعوره بالانتماء والثقة في مؤسسات دولته لكن الحقوق والواجبات يظلان وجهين لعملة واحدة فلا يمكن أن يطالب مجتمع بدولة قوية بينما يتهاون في احترام القانون أو يطالب بتنمية مستدامة وهو يهدر الموارد أو يتغاضى عن الفساد .

لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان وأن بناء الشخصية الواعية يسبق بناء الطرق والمصانع فالمواطن الذي يدرك قيمة العمل ويحترم الوقت ويحافظ على المال العام ويمارس حقه في المشاركة بإيجابية هو الثروة التي لا تنضب وهو الضمانة الحقيقية لاستمرار التنمية مهما تغيرت الظروف .

واليوم ونحن نعيش مرحلة تتطلب تماسكاً ووعياً أكبر يصبح من الضروري أن تتحول ثقافة المسؤولية إلى ممارسة يومية تبدأ من الأسرة مروراً بالمدرسة والجامعة وصولاً إلى مؤسسات الدولة والإعلام فبناء الإنسان ليس مشروعاً حكومياً فحسب بل مسؤولية وطنية مشتركة يشارك فيها الجميع دون استثناء .

إن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من سلاح أو اقتصاد وإنما ايضاً بما تمتلكه من مواطن يدرك أن حريته تقترن بالمسؤولية وأن انتماءه يظهر في سلوكه قبل شعاراته وأن مستقبل الأجيال القادمة يتوقف على ما يقدمه كل فرد لوطنه اليوم .

*وفي النهاية ••* يبقى الوطن أكبر من خلافاتنا وأوسع من مصالحنا الشخصية وأغلى من أي مكسب عابر وعندما يدرك كل منا أن أداء واجبه هو الطريق الأقصر لحماية حقه تتحول الوطنية من كلمات تُقال إلى سلوك يُمارس ومن شعارات تُرفع إلى واقع يصنع مستقبلاً أكثر استقراراً وعدالة وازدهاراً .

 

زر الذهاب إلى الأعلى