مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: المصريون والقدرة على كشف عبقرية الزمان والمكان (تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجا )

مقالات للرأي

لديّ اقتناع راسخ بأن مدخل تطور المجتمعات يبدأ من عنصري الإنسان والإنتاج.
إن الدول التي صنعت مكانتها في التاريخ لم تفعل ذلك لأنها تمتلك ثروات هائلة، وإنما لأنها امتلكت إنسانًا واعيًا قادرًا على التفكير والابتكار واتخاذ القرار الصحيح، ثم أحسنت توظيف هذا الفكر في بناء اقتصاد منتج ومستدام.
الإنسان هو العقل الذي يخطط، والوعي الذي يوجّه، والإبداع الذي يصنع الفارق. وهو قبل كل شيء صانع القرار الذي يحول الأفكار إلى واقع.
ولعل التاريخ يقدم لنا عشرات النماذج لدول لم تكن غنية بالموارد، لكنها أصبحت من القوى الكبرى لأنها استثمرت في الإنسان.
وفي المقابل، هناك دول امتلكت الثروات، لكنها فقدت كثيرًا من عناصر قوتها الناعمة والخشنة عندما اعتمدت على الآخرين في إدارة مقدراتها، أو أهملت بناء الإنسان وتشكيل وعيه الجمعي.
أما المدخل الثاني فهو الإنتاج. فلا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن ينجح ما لم يتحول المجتمع إلى مجتمع منتج، يعتمد على تلبية احتياجاته الأساسية بقدراته الذاتية، ويقلل من الاستيراد غير الضروري، ويعظم القيمة المضافة لما يملكه من إمكانات.
وعندما يلتقي الإنسان الواعي بالإنتاج الفعّال، تبدأ خطوات النهوض الحقيقي، ويتحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بصورة مستدامة.
وهنا نصل إلى بيت القصيد تمتلك مصر المقومين معًا؛ الإنسان القادر على العمل والعطاء، وتمتلك من الموارد والموقع الجغرافي ما يؤهلها لتكون مركزًا اقتصاديًا عالميًا. ويبقى الشرط الأهم هو توافر إرادة الفعل، والإدارة الكفؤة التي تحول الإمكانات إلى إنجازات ملموسة.
ومن أبرز الأمثلة التي تستحق إعادة النظر في طريقة التفكير،والنظر إليها مرفق قناة السويس.
فمنذ الافتتاح عام 1869 في عهد الخديوي إسماعيل، أصبحت أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، وركيزة أساسية للاقتصاد المصري. وعلى مدى أكثر من قرن ونصف، ظل الوعي الجمعي ينظر إليها باعتبارها مجرد ممر مائي تعبره السفن، بينما تقتصر استفادة مصر على رسوم العبور وبعض الخدمات اللوجستية.
لكن هل يكفي هذا في عالم يتغير كل يوم؟
لقد تطور الفكر الاقتصادي عالميًا، وأصبحت الممرات البحرية الكبرى محاور للتنمية الصناعية والتجارية والتكنولوجية، وليست مجرد طرق للعبور. وأعجبتني مقولة وصفت دور مصر التقليدي في القناة بأنها تؤدي وظيفة “المحصّل أو الكمساري”، بينما تكتفي أيضًا بدور “البقال” الذي يوفر بعض احتياجات السفن العابرة!
وربما كانت هذه العبارة قاسية، لكنها تدفعنا إلى التفكير في المستقبل إن العالم لم يعد يكتفي بالخدمات التقليدية، بل يتجه إلى سلاسل القيمة المضافة، والصناعات البحرية، والخدمات الرقمية، ومراكز التموين الذكية، والتكنولوجيا اللوجستية، ومناطق التصنيع وإعادة التصدير.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تقوم على تحويل قناة السويس إلى منطقة اقتصادية متكاملة، تتجاوز فكرة تحصيل الرسوم إلى بناء منظومة إنتاج وخدمات واستثمارات على ضفتي القناة، وبصفة خاصة في الضفة الشرقية بسيناء، بما تمتلكه من مساحات وفرص واعدة.
إن المطلوب هو الانتقال من دور “البقال” إلى “الهايبر ماركت الرقمي”، الذي يقدم كل ما تحتاج إليه حركة التجارة العالمية، من الصناعات والخدمات البحرية، إلى مراكز البيانات، والخدمات الذكية، والصيانة، والتموين، والتجميع، وإعادة التصدير، بما يجعل القناة منصة اقتصادية عالمية وليست مجرد ممر ملاحي.
وعندما تتحول قناة السويس إلى مركز اقتصادي متكامل، فإنها لن تكون فقط مصدرًا للإيرادات، بل محركًا للتنمية، ومولدًا لفرص العمل، وجاذبًا للاستثمارات، وقاطرة لرفع مستوى معيشة المواطن المصري.
إن تغيير الرؤية يغيّر الوظيفة، وتغيير الفكر يغيّر النتائج. فالمكان لا تتحدد قيمته بما كان يؤديه في الماضي، وإنما بما يمكن أن يؤديه في المستقبل. وإذا كان الإنسان هو نقطة البداية، والإنتاج هو طريق التقدم، فإن إعادة صياغة دور منطقة قناة السويس لتصبح عاصمة مصر الاقتصادية تمثل نموذجًا عمليًا لهذه الفلسفة.
في التحليل الاخير لا تبدأ النهضة بتغيير معالم المكان الجغرافية ، وإنما تبدأ بتغيير طريقة التفكير للمكان وحين يتغير العقل، تتغير المهام، وتتسع الآفاق، ويصبح المستحيل مشروعًا قابلًا للتحقيق.

زر الذهاب إلى الأعلى