
لم تعد أزمة هذا العصر اقتصادية أو تعليمية فحسب، بل أصبحت أزمة هوية وقيم. فبينما تتسارع التغيرات الثقافية والاجتماعية، تتراجع أمام أعيننا معاني الرجولة الحقيقية، وتذبل معها الموروثات المصرية الأصيلة التي شكّلت شخصية الرجل المصري عبر أجيال طويلة.
إننا نعيش اليوم ما يشبه “تسونامي” فكريًا وثقافيًا يجتاح مفاهيم الرجولة لدى الجيل الجديد، فيعيد تشكيلها بصورة مشوشة، حتى أصبح بعض الشباب يفتقدون البوصلة التي تحدد معنى المسؤولية، والشهامة، والالتزام، والقدرة على حماية الأسرة والوطن.
وهنا يفرض سؤال نفسه:
هل ما زال أبناؤنا يحملون ملامح الرجولة الشرقية؟ وهل يمتلكون هوية نفسية واجتماعية ووطنية واضحة، أم أننا نتركهم فريسة لرسائل متناقضة تعيد تشكيل شخصياتهم؟
إن الحديث عن الرجولة ليس حديثًا عن الذكور وحدهم، بل هو حديث عن استقرار الأسرة ومستقبل المجتمع بأكمله. فحين يختل مفهوم الرجولة، يختل معه ميزان الأسرة، وتفقد الأجيال القادمة القدوة التي تستند إليها.
ولعل من أخطر الأسباب التي ساهمت في هذه الأزمة تراجع دور الأب داخل الأسرة. فقد اختزل بعض الآباء دورهم في توفير المال فقط، وكأن الأب مجرد ماكينة للصرف، بينما غاب دوره الحقيقي في التربية والاحتواء والتوجيه وصناعة الشخصية.
ويزداد الأمر تعقيدًا مع ارتفاع معدلات الطلاق، حيث ينشأ كثير من الأطفال وهم يفتقدون الصورة المتوازنة للأب، مما يترك فراغًا نفسيًا وتربويًا قد يؤثر في بناء شخصياتهم وهويتهم.
ولا يمكن تجاهل ظاهرة أخرى بالغة الخطورة، وهي إدمان بعض الآباء للمخدرات، أو المواد الإباحية، أو المقامرة. فهذه السلوكيات لا تدمّر حياة صاحبها فقط، بل تترك آثارًا عميقة في نفوس الأبناء، الذين يتعلمون بالمشاهدة أكثر مما يتعلمون بالكلمات.
وهناك أسباب أخرى كثيرة لا يتسع لها مقال واحد، لكنها جميعًا تدفعنا إلى سؤال أكثر أهمية:
من يصنع هذا الجيل؟
إن الأسرة هي المدرسة الأولى، والأب والأم هما المعلمان اللذان يرسمان ملامح المستقبل. فلا مدرسة، ولا جامعة، ولا وسائل إعلام تستطيع أن تعوض غياب القدوة داخل البيت.
رسالتي إلى كل مسؤول، وكل أب، وكل أم: إن حماية الرجولة ليست دفاعًا عن جنس، بل دفاع عن منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع. فالرجل الحقيقي ليس من يملك القوة، بل من يتحمل المسؤولية، ويحفظ كرامة أسرته، ويغرس القيم في أبنائه، ويقف سداً منيعًا في حماية وطنه.
إن مستقبل الأسرة المصرية يبدأ من داخل البيت، فإذا حافظنا على بناء الإنسان، حافظنا على الوطن. أما إذا تركنا هوية الأجيال تضيع وسط الفوضى الفكرية، فسندفع جميعًا ثمنًا باهظًا في المستقبل







