د. محمد عادل محمد سعيد يكتب: الذكاء الاصطناعي في سوق العمل بين خلق مهن جديدة وانهاء مهن قائمة
مقالات للرأي

يتجه الذكاء الاصطناعي اليوم إلى إعادة تشكيل سوق العمل جذرياً، فهو في آنٍ واحد يهدد عدداً من المهن التقليدية، ويخلق في المقابل طيفاً واسعاً من المهن الجديدة ذات الطابع الرقمي والمعرفي.
تمهيد: طبيعة تأثير الذكاء الاصطناعي في العمل
تصف دراسات متخصصة تأثير الذكاء الاصطناعي بأنه «تأثير تخريبي» على العمل؛ أي أنه لا يكتفي بتحسين الكفاءة، بل يغيّر طبيعة الوظائف نفسها، فيُلغي بعضها، ويحوّل بعضها الآخر، ويُنشئ وظائف جديدة كلياً.
وترى تقارير بحثية أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تناسب خصوصاً المهام الروتينية القابلة للتكرار والقياس، بينما يحتفظ البشر بأفضلية في البيئات غير المتوقعة، وفي المجالات التي تتطلب ذكاءً اجتماعياً وتعاطفاً وإبداعاً أصيلاً.
المهن المهددة والمرشحة للاندثار
تشير دراسات عدة – منها دراسات لمايكروسوفت وتقارير إعلامية عربية ودولية – إلى أن أكثر المهن تعرضاً للأتمتة هي تلك المعنية بمعالجة المعلومات والمهام المكتبية الروتينية.
من الأمثلة البارزة على الوظائف المهددة:
- موظفو خدمة العملاء في المراكز التقليدية، بعد انتشار روبوتات المحادثة والردود الآلية على مدار الساعة.
- المترجمون في اللغات الشائعة، حيث أصبحت البرمجيات قادرة على إنتاج ترجمات دقيقة نسبياً بسرعة كبيرة.
- المحاسبون الذين تتركز مهامهم في إدخال البيانات والعمليات المتكررة، إذ يمكن أتمتة جزء كبير من هذه الأعمال.
- كتّاب المحتوى الإخباري القصير وبعض الصحفيين في مجالات الأخبار السريعة، حيث باتت الخوارزميات قادرة على تلخيص الأحداث وكتابة نصوص أولية خلال ثوانٍ.
- عدد من الوظائف المكتبية والإدارية مثل مندوبي المبيعات، ووكلاء الحجز، والمسوّقين عبر الهاتف، نتيجة استخدام الأنظمة الذكية في إدارة قواعد البيانات والتواصل الآلي.
وتقدّر تقارير اقتصادية كبرى – مثل تقرير غولدمان ساكس المشار إليه في وسائل الإعلام العربية – أن مئات الملايين من الوظائف حول العالم قد تتأثر بالأتمتة والذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، مع نسبة كبيرة من الوظائف المعرضة للزوال أو التغيير الجذري.
المهن الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي
في مقابل الوظائف المهددة، يفتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام مهن جديدة لم تكن موجودة قبل عقد واحد، وتتطلب مهارات رقمية وتحليلية وأخلاقية متقدمة.
من أبرز هذه المهن الناشئة:
- مهندسو الذكاء الاصطناعي ومطوّرو النماذج الذكية، المسؤولون عن بناء الخوارزميات وتدريبها وتحسين أدائها في مختلف القطاعات.
- محللو البيانات الضخمة وعلماء البيانات، الذين يستخلصون رؤى استراتيجية من كميات هائلة من المعلومات المدعومة بأدوات تعلم الآلة.
- مدربو الروبوتات اللغوية (مثل نماذج المحادثة)، الذين يصممون سيناريوهات التفاعل ويضبطون النبرة ويعالجون الانحيازات في الردود.
- مختصو أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، المكلفون بوضع ضوابط لاستخدام الأنظمة الذكية بما يضمن احترام القيم الإنسانية والقوانين وحماية الخصوصية.
- خبراء الأمن السيبراني في بيئة معززة بالذكاء الاصطناعي، حيث يصبح دورهم محورياً في حماية البنى التحتية الرقمية من هجمات أكثر تعقيداً.
وتفيد دراسات مستقبل العمل أن ظهور هذه المهن يتزامن مع تحول شامل في المهارات المطلوبة؛ إذ يتزايد الطلب على المهارات التحليلية، والبرمجة، وفهم الخوارزميات، إلى جانب المهارات اللينة مثل التفكير النقدي، والتعامل مع الفرق المتعددة التخصصات.
وظائف أقل عرضة للخطر
على الرغم من الانتشار الواسع للأتمتة، تؤكد دراسات متخصصة أن هناك فئات من الوظائف أقل عرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي في الأمد القريب.
من هذه الفئات:
- المهن التي تتطلب جهداً بدنياً أو وجوداً مادياً مباشراً، مثل عمال البناء والحفر والرصف، وفنّيي الصيانة، والعمال الزراعيين، ومهن الحرف اليدوية الدقيقة.
- الوظائف التي تقوم على علاقات إنسانية معقدة وتواصل عميق، مثل التمريض، والاستشارات النفسية والاجتماعية، وبعض أدوار الإدارة والقيادة التي تعتمد على فهم السياقات البشرية.
- الوظائف الإبداعية الأصيلة التي تقوم على ابتكار أفكار جديدة لا مجرد إعادة ترتيب الموجود، وإن كانت بعض جوانبها مهددة بأدوات التوليد الآلي.
ويرى خبراء أن القاسم المشترك بين هذه المهن هو اعتمادها على الحضور الجسدي، أو التفاعل العاطفي والاجتماعي، أو الإبداع غير النمطي؛ وهي مجالات لا يزال الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن مجاراتها بالكامل حتى الآن.
سياسات التكيّف وإعادة تأهيل العمالة
تشير مراجعات بحثية إلى أن أكبر تحدٍ تخلقه موجة الذكاء الاصطناعي هو خطر زيادة عدم المساواة، إذ تتأثر العمالة ذات الدخل المنخفض والمهارات المحدودة بشكل غير متناسب، بينما يستفيد أصحاب المهارات العالية من مكاسب الإنتاجية.
لذلك تدعو الدراسات إلى حزمة من السياسات للتخفيف من الآثار السلبية وتعظيم الفوائد، من بينها:
- الاستثمار في التعليم المستمر والتدريب المهني لإعادة تأهيل العاملين نحو وظائف جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والبيانات.
- تحديث المناهج الجامعية والتخصصات لتواكب الطلب المتزايد على مجالات مثل علم البيانات، وأمن المعلومات، وهندسة الذكاء الاصطناعي.
- وضع أطر تنظيمية وأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، بما يضمن حماية الوظائف الحيوية وحقوق العاملين.
وتوضح دراسات تاريخ التغيير التكنولوجي أن فوائد التكنولوجيا على مستوى المجتمع تظهر عادةً على المدى الطويل، وأن مرحلة الانتقال تكون مصحوبة باضطرابٍ في سوق العمل يستدعي سياسات نشطة لدعم الفئات الأكثر عرضة للخسارة.
أمثلة على مصادر يمكنك الاستشهاد بها في المقال
- مقال «الذكاء الاصطناعي وسوق العمل: بين مخاطر البطالة وفرص التوظيف الجديدة» – موقع TrueStudies.
- دراسة «تأثير الذكاء الاصطناعي وآثاره على العمل والوظائف» – مجلة علمية عربية أكاديمية.
- تقرير «وظائف جديدة ومهن مفقودة.. الذكاء الاصطناعي يغير سوق العمل العربي» – إرم بزنس.
- مقال «كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل؟ 7 وظائف مهددة وأخرى ناشئة» – منصة Tech.amwaly.
- تقارير إعلامية عن توقعات غولدمان ساكس بعدد الوظائف المهددة بالأتمتة.
- تحليلات عن الوظائف الآمنة نسبياً من الأتمتة – BBC عربي.







