مقالات الرأى

د. علي المبروك أبو قرين يكتب: القصر العيني أيد تنقد وعقول تبدع وإنجاز يخلد

مقالات للرأي

ما حدث في مستشفى قصر العيني التعليمي الجديد الفرنساوي ليس مجرد إجراءٍ طبي ناجح، ولا واقعة إنقاذ عابرة تُسجّل في دفاتر الإنجاز إنما هو لحظة كثيفة بالمعنى لحظة تتكثف فيها قرونٌ من المعرفة، وتتلاقى فيها الخبرة مع الجرأة والعلم مع الضمير، لتعيد تعريف ما يمكن أن يكون عليه الطب حين يُدار بعقل يقظ وقلب مسؤول. في تلك اللحظة الحرجة لم يكن المريض مجرد حالة سريرية تحمل تشخيص جلطة رئوية حادة إنما كان إنسانًا على حافة الفقد، وجسدًا يخوض صراعًا صامتًا مع انسداد يهدد الحياة ذاتها. وهنا تدخلت يد الطب ليست بوصفها أداة ميكانيكية إنما كامتداد للفهم العميق لمسارات الحياة داخل الجسد، مستخدمة تقنية الشفط الميكانيكي للجلطات الرئوية تلك التقنية التي لا تمثل فقط تقدمًا تقنيًا إنما تعبيرًا عن انتقال نوعي في فلسفة العلاج من الانتظار إلى الفعل ومن التلطيف إلى الحسم، ومن ردّ الفعل إلى المبادرة. إن إدخال هذه التقنية لأول مرة داخل مستشفيات قصر العيني ليس حدثًا تقنيًا فحسب بل إعلانٌ ضمني بأن هذه المؤسسة العريقة ما زالت تمتلك القدرة على التجدد وعلى استيعاب الحداثة دون أن تفقد جذورها. فالقصر العيني الذي كان عبر عقود طويلة مدرسة الطب الأولى في العالم العربي وأفريقيا لم يكن يومًا مجرد مباني أو قاعات دراسية إنما كان ولا يزال منظومة فكرية تُنتج الطبيب قبل أن تُخرّج الطبيب، وتصنع الوعي قبل أن تمنح الشهادة. ما فعله الفريق الطبي بقيادة الصديق العزيز الأستاذ الدكتور هشام صلاح الدين طه هو تجسيد حيّ لفكرة أن الطب الحقيقي لا يُقاس بعدد الأجهزة إنما بقدرة الإنسان الذي يقف خلفها. فحين تتكامل المعرفة مع الخبرة وتلتقي الجرأة مع الانضباط العلمي، يصبح من الممكن تحويل أخطر اللحظات إلى فرص للإنقاذ، وأقسى التحديات إلى بوابات للابتكار. ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة إنما هو نتيجة تراكم طويل من العمل المؤسسي، ومن رؤيةٍ تسعى إلى تطوير البنية التحتية وتحديث التجهيزات، والأهم من ذلك هو الاستثمار في الإنسان. فالتقنية مهما بلغت دقتها تظل صامتة بلا عقل يوجهها وبلا ضمير يحكم استخدامها. إن ما تحقق في القصر العيني الفرنساوي هو رسالة متعددة الأبعاد، رسالة للمريض بأن الأمل ما يزال ممكنًا ورسالة للطبيب بأن حدود المعرفة قابلة للتوسع متى ما اقترنت بالإرادة. ورسالة للمؤسسات الصحية بأن التطوير ضرورة وجود. وهو أيضًا تذكير عميق بأن المستشفيات الجامعية ليست فقط أماكن للعلاج إنما هي مختبرات للحياة ومصانع للمعرفة، ومنارات تُقاس بها قدرة المجتمعات على حماية إنسانها. في هذا الإنجاز، نرى القصر العيني كما ينبغي أن يكون: تاريخٌ لا يشيخ وحاضرٌ يتجدد ومستقبل يُكتب بأيدي أطبائه العظماء. إنها ليست مجرد قصة نجاح بل فصل جديد يُضاف إلى كتاب طويل من العراقة، عنوانه
حين يلتقي العلم بالإنسان تُهزم الجلطة وتنتصر الحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى