د. علي المبروك أبوقرين يكتب: المستشفيات العربية بين الإرث العظيم والتحديات المعاصرة
مقالات للرأي

منذ أن بدأ الإنسان يعي ضعفه أمام المرض أدرك في المقابل قوة الجماعة حين تتكاثف لحماية الحياة. لم تكن المستشفيات مجرد مباني تُداوى فيها الأجساد إنها كانت منذ نشأتها الأولى تعبيرًا عميقًا عن وعي حضاري يرى أن صحة الإنسان مسؤولية أخلاقية ومجتمعية وسياسية. ومن هنا ولدت فكرة البيمارستان قبل أن تُعرف المستشفيات الحديثة كأحد أعظم إنجازات الحضارة الإنسانية، حيث امتزج العلم بالرحمة والتنظيم بالإيمان والفن بالطب. في قلب المدن الإسلامية الأولى لم تكن البيمارستانات أماكن معزولة إنما كانت جزءًا من نسيج المدينة تقف إلى جانب المسجد والسوق والمدرسة، وكأنها تعلن أن الصحة لا تنفصل عن الروح ولا عن المعرفة ولا عن الاقتصاد. ففي دمشق حين أسس الخليفة الوليد بن عبد الملك بيمارستانه في مطلع القرن الثامن الميلادي لم يكن ذلك مجرد عمل خيري إنه كان إعلانًا مبكرًا عن ميلاد نظام صحي منظم يخصص للعلاج ويُعنى بالمجذومين ويضع أسس الرعاية المتخصصة في زمن لم تعرف فيه معظم حضارات العالم هذا المستوى من التنظيم. ثم امتد هذا الفكر إلى بغداد حيث ازدهرت البيمارستانات في العصر العباسي وبرز بيمارستان الرشيد كرمز لنهضة علمية شاملة لم يقتصر دورها على العلاج إنما تعدته إلى التعليم والتدريب حيث كان الطبيب يُختبر ويُراقب ويُحاسب في نظام يُشبه إلى حد بعيد ما نعرفه اليوم من معايير الجودة والاعتماد. وهنا بدأ الطب يتحول من مهارة فردية إلى مؤسسة قائمة على العلم والتجربة. وفي القدس حين أعاد صلاح الدين الأيوبي تنظيم البيمارستان الصلاحي بعد تحريرها لم يكن الهدف فقط معالجة المرضى إنما إعادة الاعتبار للإنسان، وترسيخ فكرة أن الرعاية الصحية حق لا يسقط حتى في زمن الحروب. أما في مصر فقد شكل البيمارستان الطولوني في الفسطاط نموذجًا متقدمًا في التنظيم، حيث قُسمت الأقسام حسب التخصص، ووُفرت الأدوية مجانًا، ووُضعت قواعد للنظافة والتغذية بما يعكس فهمًا مبكرًا للصحة الشاملة. وفي شمال إفريقيا ازدهرت هذه التجربة بشكل لافت خاصة في القيروان حيث ظهر بيمارستان القيروان في القرن التاسع الميلادي وفي تونس لاحقًا بيمارستان العزّافين (1662م) الذي تحول إلى المستشفى الصادقي ثم مستشفى عزيزة عثمانة (1879م)، وفي مراكش حيث تأسس بيمارستان مراكش (دار الفرج) سنة 1184م، حيث لم تكن البيمارستانات مجرد مرافق علاجية إنها كانت تحفًا معمارية وفنية تزينها الحدائق وتُحيط بها المياه الجارية، في إدراك عميق لأثر البيئة على الشفاء. وفي الجزائر ومع دخول العصر الحديث برز مستشفى مصطفى باشا بالجزائر العاصمة (1854م) كأحد أوائل المستشفيات الحديثة المتكاملة. أما في ليبيا فقد جاء مستشفى البلدية في طرابلس في آخر الحكم العثماني التاني (1897م) الذي عرف لاحقًا في العهد الإيطالي بمستشفى فيكتور إيمانويل والذي اصبح مستشفى طرابلس المركزي الذي لازال يقدم خدماته المتميزة الى اليوم، وفي موريتانيا تأسس المستشفى الوطني بنواكشوط مع فجر الاستقلال في ارتباط واضح بين نشأة الدولة وبناء مؤسساتها الصحية. لقد كان المريض يُعامل كإنسان كامل له جسد يحتاج إلى دواء، ونفس تحتاج إلى سكينة، وعقل يحتاج إلى طمأنينة. ومع انتقال العالم إلى العصر الحديث بدأت المستشفيات تأخذ شكلها المؤسسي الجديد، مدفوعة بالثورات العلمية والطبية. فظهرت في بيروت مستشفى القديس جاورجيوس في القرن التاسع عشر، وفي دمشق المستشفى الوطني، وفي القاهرة مستشفى أبو زعبل ( القصر العيني فيما بعد)، كجزء من مشروع تحديث الدولة وبناء نظم صحية حديثة. وفي السودان انطلقت التجربة من مستشفى أم درمان (1904م)، حيث بدأت كعيادة عسكرية صغيرة ثم تطورت إلى مؤسسة تعليمية وعلاجية. أما في شبه الجزيرة العربية والخليج، فقد جاءت البدايات في سياق مختلف حيث لعبت الإرساليات الطبية والبعثات الأجنبية دورًا في إدخال الطب الحديث فكان مستشفى الإرسالية الأمريكية في البحرين (1903م) من أوائل المستشفيات المنظمة، وفي الكويت تأسس المستشفى الأمريكي (1911م) كنقطة تحول في الرعاية الصحية، وفي عُمان ظهر مستشفى الإرسالية في مطرح (1909م)، وفي السعودية تأسس مستشفى أجياد بمكة المكرمة (1925م) كأحد أوائل المستشفيات النظامية، بينما شهدت قطر تأسيس مستشفى الرميلة (1957م)، وفي الإمارات برز مستشفى آل مكتوم في دبي (1951م)، وفي اليمن تأسس مستشفى الثورة في صنعاء لاحقًا كنواة للنظام الصحي الحديث. ومع منتصف القرن العشرين بدأت المستشفيات الحكومية الكبرى في الظهور لتؤسس لنقلة نوعية في تقديم الخدمات الصحية وربطها بالتنمية الشاملة. إن هذا التاريخ الطويل لا يمكن قراءته كقائمة تواريخ وأسماء فقط إنما يجب فهمه كمسار حضاري متصل يروي كيف تطورت فكرة العناية بالإنسان من صدقة إلى نظام، ومن مبادرة إلى سياسة، ومن مبنى إلى فلسفة. فالمستشفى ليس مجرد مكان للعلاج إنما هو مرآة لضمير المجتمع ومؤشر على عدالته، ودليل على مستوى وعيه بقيمة الحياة. لقد كانت البيمارستانات إعلانًا مبكرًا أن الصحة حق وأن العلم واجب وأن الرحمة نظام يمكن تنظيمه. واليوم ونحن نعيش في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتطور فيه العلاجات هل ما زلنا نحمل تلك الروح؟ هل ما زالت المستشفيات تعبر عن إنسانيتنا كما كانت تفعل في بداياتها؟ إن استحضار هذا التاريخ ليس حنينًا للماضي إنما هو دعوة لإعادة بناء الحاضر على أسسٍ تجمع بين العلم والعدالة وبين الكفاءة والرحمة، وبين الحداثة والجذور. وهكذا يبقى تاريخ المستشفيات من البيمارستان إلى المدينة الطبية الحديثة ليس مجرد سرد للأحداث إنما هو قصة الإنسان حين قرر أن يقاوم الألم بالعلم وأن يواجه الضعف بالتنظيم، وأن ينتصر للحياة. وعند تخوم هذا العصر المتسارع لم تعد المستشفيات مجرد جدران تُشيد إنها أصبحت عوالم رقمية تُبنى ومدنًا طبية مترابطة تتجاوز حدود الجغرافيا. لقد دخل الطب زمنه الجديد حيث تتحول المعرفة إلى بيانات والخبرة إلى خوارزميات، والتشخيص إلى قراءة ذكية تُجريها أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. لم يعد الطبيب وحده في مواجهة المرض إنه أصبح جزءًا من شبكة عالمية تتشارك العلوم لحظة بلحظة في سباق لا يتوقف لنقل المعارف والتكنولوجيا الطبية وتطوير العلاج. وفي هذا التحول تظهر المستشفيات الافتراضية كامتداد طبيعي لمسيرة بدأت بالبيمارستان لكنها اليوم تعيد تعريف القرب والبعد والحضور والغياب حيث يمكن للعلاج أن يصل إلى المريض أينما كان بلا جدران ولا انتظار. أما المدن الطبية فهي التعبير الأحدث عن هذا الطموح الإنساني حيث تلتقي التخصصات وتتداخل التقنيات ويُعاد تشكيل مفهوم الرعاية الصحية كمنظومة متكاملة رقمية وذكية قائمة على التنبؤ والتحليل، ليس مجرد استجابة للمرض بعد وقوعه. وهكذا تستمر الرحلة ذاتها من الرحمة إلى العلم، ومن العلم إلى الخوارزمية، ومن الخوارزمية إلى أفق أوسع يبقى فيه الإنسان هو الغاية والشفاء هو الرسالة والتقدم هو الطريق.







