مقالات الرأى

نهي المأمون تكتب: في زمن الذكاء الاصطناعي… كيف نحمي إنسانيتنا من التآكل؟

مقالات للرأي

 

لم يكن الإنسان يومًا يخشى الآلة لأنها أقوى منه، بل لأنه يخشى أن يفقد شيئًا من نفسه وهو يسعى إلى تطويرها.
في السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا في كل تفاصيل حياتنا تقريبًا. فهو يكتب النصوص، ويحلل البيانات، ويشارك في التشخيص الطبي، ويساعد في اتخاذ القرارات، بل ويستطيع أحيانًا أن ينتج أعمالًا تبدو للوهلة الأولى وكأنها خرجت من عقل إنسان. وبينما يحتفي العالم بهذه الثورة التقنية غير المسبوقة، أجد نفسي أتساءل: هل نتقدم تقنيًا بالسرعة نفسها التي نحافظ بها على إنسانيتنا؟
هذا السؤال لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل يتعلق بنا نحن البشر.
فعبر التاريخ، كانت كل ثورة علمية تثير مخاوف وأسئلة جديدة. حدث ذلك مع الثورة الصناعية، ثم مع الثورة الرقمية، وها نحن اليوم أمام ثورة الذكاء الاصطناعي. لكن الفارق هذه المرة أن الآلة لم تعد تنافس الإنسان في جهده البدني فقط، بل بدأت تنافسه في بعض القدرات الذهنية التي اعتبرها طويلًا جزءًا من تفرده.
ووفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025، من المتوقع أن تسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في خلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة عالميًا بحلول عام 2030، في مقابل اختفاء أو تحول ملايين الوظائف الأخرى. كما تشير التقديرات إلى أن نحو 40% من المهارات المطلوبة في سوق العمل ستشهد تغيرًا خلال السنوات القادمة. هذه الأرقام تعكس حجم التحول الذي يشهده العالم، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: ماذا سيحدث للإنسان نفسه وسط هذا التحول؟
أعتقد أن الخطر الأكبر ليس في أن تحل الآلات محل الإنسان، فهذا أمر ما زال محل نقاش بين الخبراء، وإنما في أن يبدأ الإنسان بالتخلي تدريجيًا عن الصفات التي منحته تميزه عبر التاريخ؛ التعاطف، والرحمة، والقدرة على الشعور بالآخر.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل ملايين البيانات في ثوانٍ، لكنه لا يشعر بالقلق على أم تنتظر عودة ابنها. يستطيع أن يكتب قصيدة عن الفقد، لكنه لا يعرف مرارة الفقد نفسها. يمكنه أن يحاكي المشاعر، لكنه لا يعيشها. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الذكاء والإنسانية.
وأحيانًا أشعر أن بعض مظاهر حياتنا اليومية تقدم مثالًا واضحًا على هذا التحدي. فبينما نزداد اتصالًا عبر الشاشات والتطبيقات، يبدو أننا نفقد شيئًا من قدرتنا على التواصل الإنساني العميق. نتبادل مئات الرسائل يوميًا، لكننا نخصص وقتًا أقل للاستماع الحقيقي. نعرف أخبار العالم لحظة بلحظة، لكننا قد لا نعرف ما يثقل قلب أقرب الناس إلينا.
ومن واقع عملي والاهتمام بقضايا التنمية وحقوق الإنسان، أرى أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي يجب ألا يقتصر على الجوانب التقنية والاقتصادية فقط. فحقوق الإنسان لم تُبنَ على أساس الكفاءة أو السرعة أو الإنتاجية، وإنما على أساس الكرامة الإنسانية. قيمة الإنسان لا تأتي من قدرته على الإنجاز فحسب، بل من كونه إنسانًا يمتلك مشاعر وحقوقًا واحتياجات تستحق الاحترام والحماية.
ولهذا لم يعد الحديث العالمي عن الذكاء الاصطناعي حديثًا تقنيًا بحتًا، بل أصبح حديثًا أخلاقيًا وحقوقيًا أيضًا. فهناك تساؤلات متزايدة حول الحق في الخصوصية، وحرية التعبير، والعدالة في اتخاذ القرارات، وعدم التمييز، وحق الأفراد في ألا تتحول حياتهم إلى مجرد بيانات تُحللها الخوارزميات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً، بل أن تصبح المجتمعات أقل إنسانية. فحين تتحول الكفاءة إلى بديل عن الرحمة، والبيانات إلى بديل عن الفهم، والخوارزميات إلى بديل عن العدالة، نكون قد فقدنا شيئًا لا يمكن لأي تقنية مهما بلغت من التطور أن تعوضه.
والمفارقة اللافتة أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن المهارات الأكثر أهمية في المستقبل ليست تقنية فقط، بل إنسانية أيضًا؛ مثل التفكير النقدي، والإبداع، والقيادة، والتعاون، والمرونة العاطفية. وكأن المستقبل نفسه يبعث إلينا برسالة واضحة: كلما ازدادت قوة التكنولوجيا، ازدادت أهمية الإنسان.
لعل التحدي الحقيقي في القرن الحادي والعشرين ليس أن نطور الذكاء الاصطناعي، بل أن نطور وعينا بكيفية استخدامه. فالتكنولوجيا في جوهرها أداة، ويمكن أن تكون وسيلة لتمكين الإنسان وتوسيع حقوقه وتحسين جودة حياته، كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة للتهميش أو الإقصاء إذا غابت عنها القيم الإنسانية.
وفي النهاية، قد يأتي يوم تصبح فيه الآلات أسرع منا في الحساب، وأدق منا في التحليل، وربما أكثر كفاءة في أداء كثير من المهام. لكن سيبقى هناك أمر لا تستطيع أي خوارزمية أن تفعله؛ أن تمنح إنسانًا الأمل في لحظة انكسار، أو أن تشعر بوجعه، أو أن تدرك معنى الكرامة الإنسانية.
في زمن الذكاء الاصطناعي، لن يكون انتصار الإنسان في أن يهزم الآلة، بل في أن يحافظ على إنسانيته وهو يستخدمها. فالمستقبل لن يكون للأكثر ذكاءً فقط، بل للأكثر قدرة على التمسك بالقيم التي جعلتنا بشرًا منذ البداية.

زر الذهاب إلى الأعلى