مقالات الرأى

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب… التعليم المصري بين زيادة أيام الدراسة وإرهاق الأسرة

يمثل التعليم المصري أحد أهم ملفات الأمن القومي وبناء الدولة فهو ليس مجرد خدمة وإنما المشروع الأكبر لصناعة الإنسان القادر على التفكير والإنتاج والابتكار وتحمل المسؤولية والمنافسة ومع الاتجاه إلى زيادة أيام الدراسة الفعلية إلى 183 يوماً وتطوير المناهج وتطبيق البكالوريا المصرية يبرز السؤال الأهم هل نزيد زمن التعليم أم نرفع جودة التعلم؟ لا خلاف على أهمية زيادة الوقت التعليمي إذا أدى إلى تعلم أفضل لكن الإصلاح لا يقاس بعدد الأيام وإنما بما يكتسبه الطالب من معرفة ومهارات وقدرة على التفكير وحل المشكلات والتعلم الذاتي فالمعادلة الحقيقية هي *وقت أطول + معلم أفضل + منهج أبسط + مدرسة أقوى + تقييم عادل = تعليم أفضل*
أما زيادة الأيام دون تطوير عناصر العملية التعليمية فقد تعني زيادة زمن المشكلة بدلاً من حلها .

 

الدروس الخصوصية والأسرة

تبقى الدروس الخصوصية أحد أهم المؤشرات على الخلل الذي يجب أن نعالجه من جذوره فإذا كان الطالب يتعلم في المدرسة ثم تضطر الأسرة إلى دفع المزيد للشرح والتدريب والمراجعة فعلينا أن نسأل لماذا؟ هل السبب ضعف الشرح أم كثافة الفصول أم حجم المناهج أم طبيعة الامتحانات أم الخوف على مستقبل الأبناء؟ .

 

الحل ليس في المنع وحده وإنما في جعل المدرسة قادرة على هزيمة الدرس الخصوصي بحيث يجد الطالب داخلها التعليم والتدريب والمراجعة والدعم .

وفي المقابل يجب ألا يتحول الإصلاح إلى عبء إضافي على الأسرة التي تتحمل المواصلات والكتب والأدوات والدروس والأجهزة والوقت والجهد فإذا كان الهدف بناء الإنسان فلا يجوز أن يكون ثمن الإصلاح إرهاق الإنسان وأسرته .

*الطفل أولاً*

التطوير الحقيقي للمناهج لا يعني إضافة المعلومات دائماً وإنما قد يكون في حذف الحشو وربط المعرفة بالحياة فالطفل في المرحلة الابتدائية يحتاج أولاً إلى أن يقرأ ويكتب ويحسب ويفكر ويسأل ويكتشف ويتعاون ويحب المدرسة وكلما صغر عمر الطفل وجب أن يكون التعليم أبسط في وسيلته وأعمق في أثره نريد طالباً يستخدم المعرفة لا طالباً يحفظها من أجل الامتحان .

البكالوريا والاستقرار

تطوير التعليم الثانوي ومنح الطالب فرصاً أكثر مرونة أمر يستحق الدعم لكن نجاح البكالوريا المصرية يحتاج إلى شرطين *الجاهزية والعدالة*
**الجاهزية* تعني أن يكون المعلم مدرباً والمنهج واضحاً والكتاب متاحاً والمدرسة مستعدة والتقييم مفهوماً قبل التطبيق .
و**العداله* تعني ألا يتحول النظام إلى فرصة أكبر لمن يستطيع الإنفاق على الدروس والمصادر الخاصة والأهم أن يمتلك التعليم المصري استراتيجية وطنية طويلة المدى لا تتغير بتغير الأشخاص والسياسات لأن الأجيال لا يجب أن تكون مجالاً لتجارب متكررة .

المعلم مفتاح الحل

لا يمكن إصلاح التعليم دون إصلاح وضع المعلم فهو ليس موظفاً يؤدي ساعات عمل وإنما صانع للإنسان نحتاج إلى تدريب مستمر ومسار مهني واضح وتقدير مادي ومعنوي وتقييم عادل وأدوات حديثة وبيئة عمل محترمة .

خارطة الطريق

أرى أن الإصلاح يجب أن يتحرك في مسارات متوازية استراتيجية وطنية مستقرة لعشرين عاماً ووضع الطفل في مركز العملية التعليمية ومراجعة المناهج لحذف الحشو وتقوية المدرسة والاستثمار في المعلم ومعالجة أسباب الدروس الخصوصية وتوفير محتوى رقمي مجاني وتجريب أي نظام جديد قبل تعميمه وقياس العبء الحقيقي للتعليم على الأسرة وإنشاء مجلس قومي للتعليم يضم الخبراء والمعلمين والجامعات وسوق العمل وأولياء الأمور .

ويجب أن نقيس النجاح بانخفاض الدروس الخصوصية وتكلفة التعليم على الأسرة وتحسن القراءة والكتابة وارتفاع رضا المعلم والطالب وانخفاض التسرب وزيادة قدرة الخريج على دخول سوق العمل لا بعدد القرارات أو أيام الدراسة .

من إدارة العام الدراسي إلى صناعة المستقبل

التعليم أكبر من زيادة أيام الدراسة وأكبر من البكالوريا أو تغيير منهج أو امتحان إنه قضية بناء الإنسان والدولة نعم لزيادة أيام الدراسة إذا زادت التعلم الحقيقي ونعم لتطوير المناهج إذا بنت عقلاً لا تحفظه ونعم للبكالوريا إذا كانت أكثر عدالة وأقل ضغطاً ونعم للانضباط إذا أعاد للمدرسة هيبتها .

وفي المقابل لا لإرهاق الأسرة ولا لتحويل الدروس الخصوصية إلى شرط للنجاح ولا للمناهج التي تتجاوز قدرة الطفل ولا للتغيير المستمر ولا لتطبيق نظام قبل اكتمال جاهزيته .

*إن الرؤية الاستراتيجية تقوم على أربعة مبادئ الاستقرار وجودة التعلم وعدالة الفرص وحماية الأسرة*.

فالهدف ليس زيادة أيام الدراسة ولا تغيير اسم النظام وإنما بناء طالب مصري متعلم ومفكر ومبدع لديه ولاء وانتماء وقادر على المنافسة وبناء وطنه .

ومستقبل مصر لن تحدده فقط قوة اقتصادها أو بنيتها التحتية وإنما سيحدده قبل ذلك كله مستوى الإنسان المصري .

لا تجعلوا الطالب يدفع ثمن كل تغيير ولا تجعلوا الأسرة تدفع ثمن كل إصلاح اجعلوا الإصلاح استثماراً في مستقبل الطالب والأسرة والوطن .

فالمدرسة التي تبني إنساناً واعياً تبني وطناً قويا

زر الذهاب إلى الأعلى