د. راندا رزق تكتب: من الأجندة الدولية إلى الأجندة المصرية… حكاية اليوم الدولي للشباب منذ 2003
مقالات للرأي

في كل عام، حين يحل الثاني عشر من أغسطس، اليوم الدولي للشباب، لا أتعامل معه باعتباره مجرد مناسبة دولية تتكرر على أجندة الأمم المتحدة، بل أستعيد رحلة بدأت بالنسبة لي منذ أكثر من عشرين عامًا، عندما آمنت بأن الاحتفاء بالشباب لا ينبغي أن يبقى عنوانًا دوليًا نقرأ عنه، بل يجب أن يتحول إلى فعل محلي، وحوار حقيقي، ومساحة يلتقي فيها الشباب بصُنّاع القرار والمؤسسات المعنية بمستقبلهم.
في عام 2003، كانت البداية.
كانت لدي رؤية لنقل اليوم الدولي للشباب من الأجندة الدولية إلى الأجندة المحلية المصرية، بحيث يصبح هذا اليوم مناسبة مصرية حقيقية نفتح من خلالها ملفات الشباب، ونستمع إلى أصواتهم، ونتعرف إلى تطلعاتهم، ونضع قضاياهم في قلب النقاش العام.
وفي عهد الأستاذ الدكتور علي الدين هلال، وزير الشباب آنذاك، تم تدشين أول فعالية للاحتفال باليوم الدولي للشباب في مقر وزارة الشباب.
كانت الخطوة في ظاهرها احتفالًا بيوم دولي، لكنها بالنسبة لي حملت معنى أكبر: أن يصبح للشباب يوم نلتقي فيه معهم، لا أن نتحدث عنهم فقط.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، تغير العالم بصورة هائلة.
في 2003، لم يكن الذكاء الاصطناعي حاضرًا في تفاصيل حياتنا كما هو اليوم، ولم تكن المنصات الرقمية والـFinTech وريادة الأعمال التكنولوجية جزءًا أساسيًا من لغة الشباب اليومية. ولم تكن التحولات في سوق العمل تجري بهذه السرعة التي نشهدها الآن.
اليوم، يدخل الشباب عالمًا مختلفًا تمامًا؛ عالمًا قد تختفي فيه وظائف تقليدية، بينما تظهر مهن جديدة لم نكن نعرف أسماءها قبل سنوات قليلة.
ومع ذلك، وبرغم اختلاف السياقات، تظل هناك تطلعات إنسانية تجمع الشباب: التعليم الجيد، والعمل اللائق، والاستقلال الاقتصادي، والقدرة على الإبداع، والمشاركة، والحصول على فرصة عادلة لصناعة المستقبل.
وهنا تكتسب عبارة:
Different Contexts, Common Aspirations
دِفْرَنت كونتِكستس… كَمَن أَسْبِرَيْشِنز
أي «سياقات مختلفة… تطلعات مشتركة»، معنى يتجاوز الشعار إلى سؤال ينبغي أن يشغلنا جميعًا:
إذا كانت تطلعات الشباب مشتركة، فهل الفرص المتاحة أمامهم متساوية؟
من الاحتفال بالشباب إلى الاستثمار في الشباب
أعتقد أننا اليوم بحاجة إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة في تعاملنا مع اليوم الدولي للشباب.
فلا يكفي أن نحتفل بالشباب يومًا واحدًا، ثم نعود في اليوم التالي إلى السياسات والممارسات نفسها.
ولا يكفي أن نردد أن «الشباب هم قادة المستقبل»، بينما لا نتيح لهم مساحة كافية ليكونوا شركاء في الحاضر.
ولهذا أرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على الانتقال:
من الاحتفاء بالشباب… إلى الاستثمار في قدراتهم.
ومن الحديث عن الشباب… إلى الحوار معهم.
ومن تقديم الفرص لهم… إلى إشراكهم في صناعتها.
وهنا تبرز أمامنا ثلاثة ملفات أراها شديدة الأهمية لمستقبل الشباب العربي: الشمول المالي، والاقتصاد الإبداعي، والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال.
الشمول المالي… أبعد من حساب بنكي
حين نتحدث عن الشمول المالي للشباب، يجب ألا نختزله في امتلاك حساب مصرفي أو محفظة إلكترونية.
التحدي الحقيقي هو الانتقال من:
Financial Inclusion
فاينانشال إنكلوجِن — الشمول المالي
إلى:
Financial Empowerment
فاينانشال إمباوَرْمِنت — التمكين المالي
أي أن يمتلك الشاب المعرفة التي تمكنه من إدارة موارده، والادخار، والاستثمار، والتعامل المسؤول مع الائتمان، وفهم المخاطر، وحماية نفسه من الاحتيال المالي والرقمي، والوصول إلى التمويل عندما يمتلك فكرة قابلة للتحول إلى مشروع.
إن الثقافة المالية لم تعد رفاهية، بل أصبحت مهارة حياة ينبغي أن تبدأ مبكرًا، وأن تصبح جزءًا من عملية إعداد الشباب للمستقبل.
الذكاء الاصطناعي… فرصة أم فجوة جديدة؟
أما الذكاء الاصطناعي، فربما يمثل أحد أكبر التحولات التي سيواجهها هذا الجيل.
والسؤال ليس ما إذا كان الشباب سيستخدمون الذكاء الاصطناعي أم لا؛ فهم يستخدمونه بالفعل.
السؤال الحقيقي هو: كيف يستخدمونه؟
هل يصبح أداة للاستهلاك والاختصار فقط؟ أم وسيلة للتعلم والإبداع وتأسيس المشروعات وزيادة الإنتاجية وفتح أسواق وفرص جديدة؟
وهنا أخشى من فجوة جديدة لا تقل خطورة عن الفجوة الرقمية: فجوة بين من يعرف كيف يوظف الذكاء الاصطناعي لصناعة قيمة، ومن يكتفي باستخدامه بصورة سطحية.
لذلك فإن مسؤوليتنا ليست حماية الشباب من التكنولوجيا، وإنما إعدادهم لقيادتها واستخدامها بمسؤولية ووعي.
الجامعة أيضًا يجب أن تتغير
وإذا كان العالم الذي سيدخله الشباب قد تغير، فمن الطبيعي أن يتغير معه مفهومنا للتعليم.
لم يعد كافيًا أن تكون الجامعة مكانًا يحصل فيه الطالب على شهادة تؤهله للبحث عن وظيفة.
نحتاج إلى الانتقال:
From Education to Empowerment
فرُم إديوكيشن تو إمباوَرْمِنت
أي من التعليم إلى التمكين.
نريد جامعة تساعد الطالب على التفكير، والابتكار، واستخدام التكنولوجيا، وفهم الاقتصاد، والعمل ضمن فريق، وتحويل المعرفة إلى قيمة.
جامعة لا تخرج فقط:
Job Seekers — جوب سيكرز — باحثين عن وظائف
بل تساعد أيضًا على صناعة:
Job Creators — جوب كرييترز — صُنّاع لفرص العمل.
بعد ثلاثة وعشرين عامًا… ماذا بعد؟
عندما أستعيد اليوم تلك البداية في عام 2003، أشعر بالفخر، لكنني لا أريد أن تتحول الذاكرة إلى مجرد احتفاء بالماضي.
القيمة الحقيقية لما بدأناه منذ ثلاثة وعشرين عامًا هي أن نسأل اليوم: ما الخطوة التالية؟
وأتصور أن اليوم الدولي للشباب يمكن أن يتحول إلى منصة ممتدة على مدار العام، تجمع الجامعات والمؤسسات المالية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والخبراء والشباب أنفسهم.
منصة تنتج برامج للتثقيف والشمول المالي، ودورات في الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال، ومسابقات للأفكار والمشروعات الشبابية، وبرامج للإبداع والثقافة والفنون، وفرصًا للتوجيه المهني والـMentorship، وحاضنات تساعد الأفكار الواعدة على الوصول إلى السوق.
فالاحتفال الحقيقي بالشباب ليس في الكلمات التي نقولها عنهم، وإنما في الفرص التي نستطيع أن نصنعها معهم.
وبعد رحلة بدأت بالنسبة لي عام 2003، ما زلت أؤمن بأن أجمل ما يمكن أن نقدمه للشباب هو ألا نطلب منهم انتظار المستقبل.
فهم ليسوا فقط:
Leaders of Tomorrow
ليدرز أُف تومورو — قادة الغد
بل هم أيضًا:
Partners of Today
بارتنرز أُف توداي — شركاء اليوم.
ومن هنا يجب أن تبدأ رؤيتنا للمرحلة المقبلة: أن يتحول اليوم الدولي للشباب من يوم للاحتفال إلى منصة للعمل، ومن مناسبة سنوية إلى التزام مستمر بالاستثمار في الإنسان.










