مقالات الرأى

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب: عمران خان •• عندما تصبح خدمة الوطن فلسفة حياة* *قراءة في تجارب القادة والتجربة المصرية في بناء الدولة والإنسان

مقالات للرأي

ليس من السهل أن نختصر معنى خدمة الوطن في تجربة قائد واحد فالأوطان لا تُبنى بأسلوب واحد والقيادة الوطنية تختلف أدواتها باختلاف ظروف الدولة وتحدياتها وتاريخها لكن بعض التجارب تظل جديرة بالتأمل لأنها تطرح أسئلة تتجاوز أصحابها وفي مقدمتها تجربة عمران خان رئيس وزراء باكستان السابق الذي انتقل من قيادة منتخب بلاده في الكريكيت إلى العمل الخيري ثم إلى السياسة ورئاسة الحكومة كان عمران خان يتحدث كثيراً عن قيمة خدمة الآخرين وربط السعادة الحقيقية بقدرة الإنسان على تقديم شيء لمجتمعه وتحولت هذه الفكرة لديه من نشاط خيري إلى مشروع سياسي ارتكز على العدالة وسيادة القانون ومكافحة الفساد وبناء دولة أكثر قدرة على رعاية مواطنيها وتقديم عيشه كريمه لهم لكن التجربة تطرح درساً مهماً الرغبة في خدمة الوطن تحتاج إلى مؤسسات تحول النوايا إلى سياسات والسياسات إلى نتائج وهنا تختلف المدارس القيادية .

فغاندي قدم نموذج قوة الفكرة والانضباط والمقاومة السلمية ومانديلا قدم نموذج الصبر والمصالحة وبناء الدولة بعد صراع طويل بينما قدم لي كوان يو نموذج المؤسسة والتخطيط والانضباط وتحويل الرؤية إلى دولة مستدامة .

أما عمران خان فقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على الكاريزما والتأثير الشعبي والخدمة المجتمعية والانتقال من المجال العام إلى إدارة الدولة مع ما تحمله تجربته من نجاحات وتحديات تستحق الدراسة .

*وماذا عن التجربة المصرية؟*

هنا تأتي أهمية التوقف أمام التجربة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي ولكن ليس باعتبارها نسخة من أي تجربة أخرى وإنما باعتبارها تجربة وطنية لها خصوصيتها وأولوياتها وظروفها وهذه في جوهرها هي المعادلة الحقيقية لخدمة الوطن هنا تأتي أهمية التوقف أمام التجربة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي ولكن ليس باعتبارها نسخة من أي تجربة أخرى وإنما باعتبارها تجربة وطنية لها خصوصيتها وأولوياتها وظروفها فخدمة الوطن في التجربة المصرية ارتبطت خلال السنوات الماضية بمسار واسع لإعادة بناء قدرات الدولة وتطوير البنية الأساسية وتنفيذ مشروعات قومية وتعزيز قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية إلى جانب الاهتمام المتزايد بملف بناء الإنسان المصري وهذه النقطة تحديداً تستحق التأمل لأن بناء الدولة لا يكتمل بالطرق والمشروعات والمنشآت وحدها الدولة تحتاج إلى إنسان متعلم ومدرب وقادر على العمل والإنتاج والابتكار ومن هنا فإن الاهتمام بالتنمية البشرية وربط التعليم بسوق العمل وتطوير الخدمات الصحية وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية يمثل امتداداً طبيعياً لفكرة أن الإنسان هو الثروة الأكثر استدامة للدولة كما أن قوة الدولة لا تنفصل عن قوة اقتصادها وقدرتها على الإنتاج ولذلك فإن الاستثمار في البنية الأساسية والمشروعات القومية لا ينبغي النظر إليه باعتباره هدفاً في حد ذاته وإنما باعتباره قاعدة لاقتصاد أكثر قدرة على النمو وتوفير فرص العمل وتحسين جودة الحياة وهنا يظهر اختلاف مهم بين التجارب .

*عمران خان* ركز في خطابه على العدالة ودولة توفر حياه كريمه لمواطنيها ومكافحة الفساد والاعتماد على الذات .

*غاندي*راهن على قوة الفكرة .

*مانديلا* راهن على المصالحة .

*لي كوان يو* راهن على المؤسسة .

أما التجربة المصرية الراهنة فتتحرك في إطار مشروع واسع لبناء قدرات الدولة بالتوازي مع التنمية وبناء الإنسان والحفاظ على الاستقرار الوطني .

ولا تعني هذه المقارنة المفاضلة بين القادة وإنما تعني أن لكل دولة طريقها وأن أفضل ما يمكن فعله هو التعلم من التجارب دون استنساخها .

*الدرس الأهم* تؤكد هذه التجارب جميعاً أن القائد يستطيع أن يضع الرؤية لكنه لا يستطيع أن يكون هو الدولة فالإنجاز الحقيقي هو الذي يتحول إلى مؤسسة والمشروع الحقيقي هو الذي يترك أثراً مستداماً والسياسة الناجحة هي التي تنعكس في النهاية على الإنسان والمجتمع ومن هنا يمكن استخلاص مجموعة من الدروس كالتالى :-

١- خدمة الوطن مسؤولية وليست امتيازاً .

٢- بناء الإنسان يجب أن يظل في قلب المشروع الوطني .

٣- المؤسسة أهم من الشخص واستدامة الدولة أهم من بقاء أي قيادة .

٤- الاقتصاد والإنتاج عنصران أساسيان في قوة القرار الوطني .

٥- التجارب الدولية للتعلم وليست للاستنساخ .

٦- نجاح المشروعات يقاس بعائدها على المواطن والاقتصاد وليس فقط بحجمها .

*التوصيات*

أهم ما تحتاجه الدول في المرحلة المقبلة هو استمرار الاستثمار في الإنسان وتعزيز التعليم والبحث العلمي وربط المهارات باحتياجات الاقتصاد وتحويل المشروعات القومية إلى طاقة إنتاجية مستدامة وإعداد أجيال جديدة من القيادات القادرة على إدارة الأزمات وصناعة القرار كما أن توثيق التجارب الوطنية الناجحة ودراستها علمياً يمثل ضرورة لصناعة ذاكرة مؤسسية يستفيد منها المستقبل .

*وفي النهاية ••* فإن القيمة الحقيقية في دراسة عمران خان وغاندي ومانديلا ولي كوان يو وفي قراءة التجربة المصرية ليست البحث عن قائد نقلده وإنما البحث عن درس نتعلمه فالأوطان لا تُبنى باستنساخ الآخرين نتعلم من العالم ونستفيد من تجاربه ثم نبني نموذجنا الوطني الذي يعبر عن تاريخنا وشعبنا ومصالحنا وقدراتنا والقائد يرحل أما الوطن فيبقى ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن تتركه القيادة الوطنية هو دولة أقوى ومؤسسات أكثر رسوخاً وإنسان أكثر قدرة ومستقبل أكثر أمناً واستقراراً وهذه في جوهرها هي المعادلة الحقيقية لخدمة الوطن .

زر الذهاب إلى الأعلى