مقالات الرأى

د.علي المبروك أبوقرين يكتب: مصر السياحة والصحة

مقالات للرأي

في مصر لا تبدأ حكاية الطب من مستشفى ولا تنتهي عند وصفة إنما تمتد جذورها في عمق التاريخ، حيث كانت المعرفة علاجًا، وكان الإنسان محور الكون، وكانت الرحمة علمًا يُدرس قبل أن تكون سلوكًا يُمارس. منذ أن أُضيئت قاعات القصر العيني لم تكن مصر مجرد دولة تُقدم خدمات صحية إنما كانت مدرسة تُخرج الأطباء، ومرجعية تُقاس بها الخبرات، وملاذًا يقصده المرضى من كل صوب، من عمق إفريقيا إلى امتداد العالم العربي حاملين آلامهم وعائدين بأمل جديد. لم يكن ذلك صدفة إنما كان قدرًا صاغته الجغرافيا ورسخته الحضارة وأكمله الإنسان المصري. في مصر الطبيب ليس مجرد ممارس للمهنة إنما امتداد لسلسلة طويلة من الحكماء والمعالجين، ممن فهموا الجسد بوصفه قصة وليس مجرد أعضاء، ورأوا في المريض إنسانًا وليس حالة. ولهذا اكتسب الطبيب المصري سمعته التي عبرت الحدود كفاءة وخبرة وحدسًا سريريًا نادرًا، وقدرة على التعامل مع أعقد الحالات في أصعب الظروف دون أن يفقد إنسانيته. وإلى جانبه يقف التمريض المصري ذلك الجندي الهادئ في معركة الشفاء، أحد أقدم وأعرق منظومات التمريض في المنطقة، والذي لم يكن يومًا مجرد وظيفة إنما رسالة رعاية، وصبر واحتواء. مصر ليست محطة علاج انها حضنٌ واسع. هي بلد مضياف يعرف كيف يُخفف الألم قبل أن يُعالجه، وكيف يمنح الطمأنينة قبل أن يمنح الدواء. فيها يشعر المريض أنه ليس غريبًا إنه ضيفٌ في بيت يعرف معنى الإنسان. وهنا تتحول الرحلة العلاجية إلى تجربة إنسانية متكاملة، تمتزج فيها العناية الطبية بالدفء الاجتماعي والعلم بالروح. في مصر يلتقي العلاج بأشكاله كافة من ينابيع الشفاء في عيونها الكبريتية والمعدنية، إلى رمالها التي احتضنت أسرار العلاج الطبيعي، إلى مناخها الذي يمنح الجسد فرصة للتعافي، وصولًا إلى مدنها الطبية الحديثة، حيث تتجسد أحدث ما وصلت إليه العلوم الطبية. هذه ليست عناصر متفرقة إنها لوحة متكاملة، حيث تعمل الطبيعة والعلم معًا في تناغم. إن إطلاق المنصة الوطنية للسياحة الصحية ليس مجرد مشروع رقمي إنه إعلان عن وعي جديد بأن ما تملكه مصر من إمكانات يجب أن يُنظّم ويُعرض ويُدار وفق رؤية حديثة تليق بمكانتها. هي خطوة تنقل مصر من التاريخ إلى المستقبل ومن الخبرة المتراكمة إلى المنظومة الذكية ومن الحضور الطبيعي إلى الريادة المقصودة. إن ما يؤهل مصر لتكون مركزًا إقليميًا ودوليًا للسياحة الصحية ليس فقط ما تملكه اليوم إنما ما كانت عليه دائمًا. فهي لم تتعلم الطب إنما علّمته، ولم تستقبل المرضى فقط إنما احتضنتهم وقدمت لهم العلاج ومنحتهم الأمل وهنا يكمن سرها. مصر ليست خيارًا في خريطة السياحة الصحية إنها وجهة تحمل معنى أعمق. هي المكان الذي يلتقي فيه التاريخ بالعلم، والخبرة بالإنسان، والعلاج بالرحمة. هي المكان الذي لا يُشفى فيه الجسد فقط إنما يستعيد فيه الإنسان توازنه وطمأنينته وإيمانه بالحياة. هنا في مصر لا يُقدم الطب كخدمة إنما يُعاش كقيمة، ويُمارس كحضارة ويُمنح كرسالة.

زر الذهاب إلى الأعلى