
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن الإجابة عنه تختلف باختلاف الأمم والحضارات. فمنذ القدم والإنسان يبحث عن الجمال، ويلاحقه، ويقيس به قيمة الأشياء والأشخاص. فهناك من يراه في تناسق الملامح، وآخر يراه في جمال الثياب، وثالث يربطه بالشباب والقوة والثراء. واليوم أصبحت صناعة التجميل من أكبر الصناعات في العالم، وتُنفق عليها مليارات الجنيهات والدولارات كل عام، وكأن الإنسان يحاول أن يؤخر الزمن، أو يقنع نفسه بأن الجمال لا يتجاوز حدود الصورة.
لكن الإسلام جاء ليغيّر هذا المفهوم من أساسه.
فهو لا ينكر جمال الصورة، بل يعدّه نعمة من نعم الله، يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال» رواه مسلم (91). غير أن الإسلام يرفض أن تتحول الصورة إلى المعيار الذي تُوزن به قيمة الإنسان، لأن الجمال الخارجي مهما بلغ يبقى أسير الزمن؛ يذبل مع السنين، ويضعف مع المرض، ويتغير مع العمر، أما الجمال الحقيقي فهو الذي يزداد إشراقًا كلما تقدمت الأيام.
ولهذا صحح النبي صلى الله عليه وسلم ميزان البشرية كله في كلمات قليلة، فقال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم (2564).
إنها ليست مجرد وصية أخلاقية، بل ثورة فكرية تعيد تعريف الإنسان نفسه. فالقيمة ليست فيما تراه العين، وإنما فيما يحمله القلب، وليس فيما يملكه الإنسان، وإنما فيما يقدمه، وليس فيما يظهر للناس، وإنما فيما يعلمه الله.
ومن هنا يصبح الجمال في الإسلام أوسع بكثير من ملامح الوجه، وأعمق من ألوان الثياب، وأبقى من كل ما يبهج العين لحظة ثم يذبل.
إن المؤمن يرى الجمال في دمعة خرجت من خشية الله، وفي جبين اسودّ من طول السجود، وفي يدٍ خشنت من الكسب الحلال، وفي أمٍّ أنهكتها السنين وهي تربي أبناءها، وفي أبٍ أفنى عمره ليؤمن لهم حياة كريمة، وفي معلم يكرر الدرس عشرات المرات حتى يفتح الله على أحد طلابه، وفي طبيب يسهر على مرضاه، وفي داعية يتحمل الأذى حتى يهدي الله به قلبًا واحدًا.
كل هذه الصور قد لا تتصدر أغلفة المجلات، لكنها في ميزان الإسلام من أعظم صور الجمال.
ولعل أجمل مثال يجسد هذا المعنى ما وقع في غزوة أُحد. فقد أصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت حلقتان من المغفر في وجنته الشريفة، فأسرع أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه لينزعهما، ولم يجد وسيلة أسرع من أن يجذبهما بأسنانه، فسقطت ثنيتاه، وقيل: ثناياه، وهو يفعل ذلك حبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصًا عليه.
ولو كانت مقاييس الجمال هي مقاييس الدنيا، لقال الناس: لقد فقد شيئًا من جماله.
لكن الصحابة كانوا قد تربوا في مدرسة أخرى، مدرسة ترى أن التضحية لا تشوّه الإنسان، بل تجمله.
ولهذا قال أهل السير: «ما رُئي هَتَمٌ قط أحسن من هَتَم أبي عبيدة.» وقد ذكر هذه الرواية ابن عبد البر في الاستيعاب، وابن الأثير في أسد الغابة، وابن حجر في الإصابة.
إنها عبارة تستحق أن يتأملها الإنسان طويلًا.
فهي لا تمدح الأسنان المفقودة، وإنما تمدح المعنى الذي أسقطها.
إنها تعلمنا أن الحب قد يجعل الفقد جمالًا، وأن الإخلاص قد يحول الألم إلى وسام شرف، وأن التضحية قد تمنح الإنسان جمالًا لا تستطيع أكبر دور الأزياء أو أشهر خبراء التجميل أن يصنعوه.
لقد رأى الصحابة في وجه أبي عبيدة قصةً كاملة من الوفاء، ولذلك لم يعودوا يرون النقص، بل رأوا الجمال الذي صنعه ذلك الموقف.
وهكذا يصنع الإسلام.
إنه لا ينظر إلى الجرح، بل إلى الرسالة التي أحدثت الجرح، ولا ينظر إلى الندبة، بل إلى التضحية التي تركتها، ولا ينظر إلى التعب، بل إلى الغاية التي تحمل الإنسان من أجلها.
ولهذا فإن بعض آثار الحياة تكون أجمل من الزينة نفسها.
فشيب المسلم الذي قضاه في طاعة الله نور، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنتفوا الشيب، فإنه نور المسلم يوم القيامة» رواه أبو داود والترمذي وصححه عدد من أهل العلم.
وأثر السجود ليس لونًا في الجبين، وإنما نور في القلب ينعكس على الوجه والسلوك.
واليد التي خشنت من العمل الشريف أجمل عند الله من يدٍ ناعمة لم تعرف إلا الراحة.
والعين التي سهرت على تعليم الناس، أو بكت من خشية الله، تحمل جمالًا لا تراه العدسات، لكنه مكتوب عند الله.
ولذلك فإن الإسلام لم يخلّد أوصاف أجساد الأنبياء عليهم السلام، ولم يشغل الناس بألوانهم وأشكالهم، وإنما خلد مواقفهم، وصبرهم، ورحمتهم، وثباتهم، لأن الذي يبقى في النهاية ليس الصورة، وإنما الرسالة.
ولو تأملنا القرآن الكريم لوجدنا أنه حين يحدثنا عن إبراهيم عليه السلام لا يحدثنا عن ملامحه، وإنما يحدثنا عن استعداده للتضحية، وحين يحدثنا عن موسى عليه السلام يحدثنا عن شجاعته وصبره، وحين يحدثنا عن مريم عليها السلام يحدثنا عن طهرها وصدقها، وحين يحدثنا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يصفه بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
فالأخلاق في القرآن جمال، والرحمة جمال، والصبر جمال، والوفاء جمال، والإحسان جمال، والتضحية تاج هذه الأخلاق كلها.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يجعل القرآن طريق الوصول إلى أعلى مراتب البر مرتبطًا بالتضحية، فقال سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92].
وتأمل التعبير القرآني البديع، فلم يقل: مما تملكون، وإنما قال: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ لأن قيمة التضحية لا تقاس بحجم العطاء وحده، وإنما بما يمثله ذلك العطاء في قلب صاحبه.
فالإنسان قد يعطي من فضل ماله، وهذا كرم، لكنه لا يبلغ مرتبة التضحية إلا إذا بذل شيئًا يحبه، أو ترك شيئًا تهواه نفسه ابتغاء مرضاة الله.
ومن هنا نفهم أن الإسلام لا يريد من الإنسان أن يخسر، وإنما يريد أن يرتقي؛ لأن كل تضحية صادقة ترفع صاحبها درجة، وتترك في قلبه نورًا، وفي حياة الناس أثرًا، وفي صحيفته أجرًا، وفي ذاكرة التاريخ جمالًا لا يذبل.
لكن التضحية في الإسلام لا تقف عند حدود تزكية النفس أو تهذيب الفرد، بل تتجاوز ذلك إلى صناعة الأمم وبناء الحضارات؛ فما من حضارة عظيمة قامت في التاريخ إلا وكان في أساسها رجال ونساء آمنوا برسالة، ثم دفعوا ثمنها من أعمارهم وراحتهم وأموالهم. فالحضارات لا تُبنى بالأماني، ولا تُشيَّد بالشعارات، وإنما تُبنى بالسهر حين ينام الناس، وبالصبر حين ييأس غيرهم، وبالبذل حين يختار الآخرون الراحة.
ولهذا فإن كل إنجاز عظيم يقف خلفه إنسان ضحى بشيء يحبه.
فالعالم الذي أنار عقول الناس لم يصل إلى منزلته إلا بعد ليالٍ طويلة قضاها بين الكتب والبحث والتأمل.
والمعلم الذي غرس القيم في نفوس الأجيال لم يصنع ذلك في محاضرة واحدة، وإنما صنعه عبر سنوات من الصبر والتكرار والإخلاص.
والأم التي يفتخر بها أبناؤها اليوم لم تبن مستقبلهم بالكلمات، بل بنته وهي تسهر إذا ناموا، وتتعب ليستريحوا، وتؤثرهم على نفسها.
والأب الذي يرى الناس ثمرة نجاح أسرته لا يعرف كثير منهم عدد الأحلام التي أخّرها، والرغبات التي تنازل عنها، والهموم التي حملها في صمت حتى تستقيم حياة من يحب.
هذه التضحيات قد لا تُذكر في وسائل الإعلام، لكنها لا تغيب عن علم الله، ولا تضيع في ميزان العدل الإلهي.
ولهذا مدح القرآن الكريم خلق الإيثار، فقال سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
إنها ليست دعوة إلى الحرمان، وإنما دعوة إلى سمو الروح؛ أن يكون الإنسان قادرًا على أن يقدم غيره على نفسه ابتغاء وجه الله، وأن يتحرر من عبودية الأنا، فيصبح عطاؤه أكبر من رغباته.
ولهذا أيضًا قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]. ولم يقل: مما تملكون، لأن العبرة ليست بحجم العطاء، وإنما بمكانته في القلب. فالإنسان قد يعطي ما استغنى عنه، وهذا فضل، لكنه لا يبلغ حقيقة التضحية إلا إذا بذل شيئًا يحبه، أو ترك شيئًا تهواه نفسه طلبًا لرضا الله.
ومن هنا نفهم سر عظمة الجيل الأول من هذه الأمة.
فأبو بكر الصديق رضي الله عنه لم يقدم بقية ماله، وإنما جاء بماله كله، فلما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: «أبقيت لهم الله ورسوله.» رواه أبو داود والترمذي.
ولم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينافس أبا بكر على متاع الدنيا، وإنما كان يتنافس معه في البذل والسبق إلى الخير.
أما عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد جهز جيش العسرة، حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم.» رواه الترمذي.
ولم يكن مصعب بن عمير رضي الله عنه فقيرًا قبل الإسلام، بل كان من أنعم شباب مكة وأجملهم مظهرًا، فلما اختار الإيمان خسر الثراء والنعيم، وربح رضا الله، ثم ختم حياته شهيدًا يوم أُحد، حتى لم يجد الصحابة رضي الله عنهم ما يكفي لتكفين جسده كله.
هذه النماذج تعلمنا أن التضحية ليست خسارة، وإنما تجارة رابحة مع الله.
ولذلك عبّر القرآن عن هذه العلاقة بأجمل تعبير، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111].
إنها صفقة لا يشبهها شيء.
المشتري هو الله.
والثمن هو الجنة.
والضامن هو رب العالمين.
فأي ربح أعظم من هذا الربح؟
غير أن أعظم ما تمنحه التضحية للإنسان ليس ما يناله في المستقبل فحسب، وإنما ما تصنعه في حياته من أثر باقٍ.
فنحن نعيش في زمنٍ أصبح كثير من الناس منشغلين بصناعة الصورة أكثر من صناعة الأثر؛ يحرصون على أن يبدوا ناجحين أمام الناس، أكثر من حرصهم على أن يكونوا نافعين لهم.
لكن الصورة يبهت بريقها مع الأيام، أما الأثر فيزداد جمالًا كلما امتد نفعه.
ولهذا لم يخلّد التاريخ كثيرًا من أصحاب القصور، بينما خلد أسماء العلماء والمصلحين والمربين، لأن سلطان الأولين انتهى بانتهاء أعمارهم، أما آثار الآخرين فما زالت تعيش في العقول والقلوب.
إن الذي بنى مسجدًا، أو أوقف وقفًا، أو أسس مدرسة، أو نشر علمًا، أو ربّى طالبًا، أو أعان محتاجًا، أو دلّ إنسانًا على الله، ربما غاب جسده عن الدنيا، لكن عمله ما زال يتحرك في الأرض نيابة عنه.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.» رواه مسلم.
إنها ليست ثلاثة أعمال فحسب، بل ثلاثة أنواع من الأثر؛ أثر في المال، وأثر في العلم، وأثر في الإنسان.
ومن هنا نفهم قول الله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46].
فالذي يبقى في النهاية ليس المال، ولا المنصب، ولا الشهرة، ولا الصورة، وإنما العمل الصالح.
ولعل هذا هو المعنى الذي يجمع بين الجمال والتضحية.
فكل تضحية صادقة تترك أثرًا.
وكل أثر صالح يزداد جمالًا مع مرور الزمن.
ولهذا فإن أجمل الناس ليس من عاش لنفسه، وإنما من عاش لرسالة، وأجمل الأعمار ليس أطولها، وإنما أكثرها نفعًا، وأجمل القلوب ليس أكثرها تعلقًا بالدنيا، وإنما أكثرها إخلاصًا لله ورحمةً بخلقه.
ولذلك بقي أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه جميلًا في ذاكرة الأمة، لا لأن وجهه كان خاليًا من العيوب، بل لأن قلبه كان عامرًا بالمحبة والوفاء، حتى أصبحت الثنيتان اللتان فقدهما دفاعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمزًا للجمال لا للنقص.
وهكذا يصنع الإسلام إنسانًا مختلفًا؛ لا يقيس الأشياء بما يظهر منها، بل بما تؤول إليه، ولا يزن الأعمال بحجمها، بل بما أودع فيها من إخلاص، ولا يرى الجمال في نعومة اليد، بل فيما قدمته تلك اليد من خير، ولا في إشراق الوجه وحده، بل في النور الذي يملأ القلب ويهدي الناس.
وفي نهاية المطاف، لن يسألنا التاريخ كم امتلكنا، بل ماذا تركنا، ولن يتذكر الناس ملامح وجوهنا بقدر ما سيتذكرون آثار أعمالنا، أما يوم نقف بين يدي الله فلن يكون أجمل ما نقدمه وجهًا حسنًا أو مالًا كثيرًا، وإنما قلبًا أخلص، وعملًا بقي، وتضحيةً صادقة تحولت بفضل الله إلى نور لا ينطفئ، وجمال لا يذبل، وأثر يمتد إلى ما بعد العمر.








