الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: خريجو الإعلام بين إشكالية الدراسة النظرية و احتياجات سوق العمل ! ..
مقالات للرأي
كم هائل من كليات ومعاهد وأقسام الإعلام في جامعات مصر الحكومية والأهلية والخاصة آثار علامات استفهام !
ما جعلني أتساءل عن احتياج سوق العمل المصري الفعلي لخريجي اعلام ؟ وما هي قدرة مؤسساتنا الإعلامية على استيعاب أعداد خريجي الإعلام كل عام ؟
هذه الأسئلة تفرض نفسها بقوة أمام واقع جديد تغيرت فيه صناعة الإعلام بصورة ربما لم تستوعبها معظم المؤسسات التعليمية بالسرعة الكافية التي كثير منها مازال يعتمد على تدريس المقررات النظرية ونسبة محدودة منها بدات تدخل الدراسات التطبيقية والعملية
وتشير التقديرات إلى أن عدد كليات ومعاهد وأقسام الإعلام في مصر يتجاوز 50 مؤسسة تعليمية، بين جامعات حكومية وخاصة وأهلية ومعاهد عليا، بينما يقترب عدد خريجي كليات ومعاهد الإعلام من 50 إلى 51 ألف خريج سنوياً !
وإذا وضعنا هذه الأرقام أمام حجم المؤسسات الصحفية والقنوات التلفزيونية التقليدية وقدرتها المحدودة على توفير فرص عمل جديدة، فإننا نكتشف فجوة واضحة بين حجم الإنتاج التعليمي وحجم الطلب الحقيقي في سوق العمل لاسيما أن التعيينات في المؤسسات الحكومية متوقفة منذ عام 2011 !
المشكلة هنا ليست في فائض خريجي الإعلام في حد ذاتها، فزيادة أعداد المتعلمين والمتخصصين يمكن أن تكون ثروة وطنية إذا أحسن المجتمع توظيفها، وإنما تكمن المشكلة في استمرار النظر إلى سوق العمل الإعلامي بالتصور التقليدي نفسه الذي كان سائداً قبل عقود عندما انشئت كلية الإعلام بجامعة القاهرة في اوائل السبعينيات من القرن العشرين!
في الماضي كان الطريق شبه واضح أمام خريج الإعلام الالتحاق في صحيفة، أو مجلة، أو شبكة إذاعية، أو قناة تلفزيونية وربما وكالة أنباء. وكانت المؤسسات الإعلامية التقليدية هي البوابة الرئيسية لممارسة المهنة.
أما اليوم فقد تغيرت الخريطة بصورة جذرية الصحيفة والتلفزيون والإذاعة لم يعودوا كما كانوا مع ظهور اشكال جديدة للإعلام الرقمي
لقد أصبح الهاتف المحمول استوديو، وأصبحت المنصة الرقمية وسيلة نشر، وأصبح الجمهور شريكاً في صناعة وانتشار المحتوى. وظهرت مهن لم تكن موجودة بهذا الشكل عندما وضعت كثير من المناهج الأكاديمية الحالية مثل صانع المحتوى، ومدير المنصات الرقمية، ومتخصص تحسين محركات البحث، ومحلل بيانات الجمهور، ومدير الحملات الرقمية، ومحرر الفيديو القصير، ومسؤول إدارة المجتمعات الرقمية و اختصاصي ذكاء اصطناعي وغيرها
وهنا تظهر المفارقة لدينا عشرات الآلاف من خريجي الإعلام سنوياً، في الوقت الذي أصبحت فيه المؤسسات الإعلامية التقليدية أقل قدرة على استيعاب هذه الأعداد. وبالتالي أصبحت المنافسة شديدة للغاية على الوظائف المباشرة المرتبطة بالصحافة والإذاعة والتلفزيون.
لكن في المقابل، نعترف أن التحول الرقمي قد فتح أبواباً واسعة أمام من يمتلك مهارات إضافية إلى جانب دراسته الإعلامية
وهذا يعني أن المشكلة ربما لا تكون في شهادة الإعلام نفسها، وإنما في الاعتقاد بأن الشهادة وحدها تكفي للحصول على وظيفة !.
سوق العمل الجديد لا يبحث فقط عن خريج يعرف نظريات الإعلام وفنون الترجمة التحرير، والتقديم وإنما عن شخص يستطيع أن يكتب ويصور ويمنتج ويحلل البيانات ويفهم نفسية الجمهور ويستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ويعرف كيف يبني محتوى قابلاً للانتشار عبر المنصات المختلفة بعبارة أخرى نريد خريج اعلام شاملا يعرف كيف يتعامل مع مايسمى الإعلام المدمج الذي يجمع في منصة واحدة الإعلام التقليدي و الإعلام الرقمي وهذا جعل كثيرا من كليات الإعلام تعيد النظر في تخصصاتها !
ومن هنا فإن التحول من المسار التقليدي إلى المسارات الجديدة أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله حيث اتجهت نسبة غير قليلة من خريجي الإعلام بالفعل إلى مجالات مثل التسويق الرقمي، وصناعة المحتوى، وإدارة منصات التواصل الاجتماعي، والعلاقات العامة، والإعلان، وإدارة الحملات الرقمية
وهذا التحول ليس بالضرورة فشلاً لخريج الإعلام التقليدي ، بل قد يكون العكس تماماً بعد تغير فكرة ارتباط خريجي اعلام بضرورة أن يعمل مذيعا أو مقدم برامج !
إن المعرفة الإعلامية يمكن أن تمنحه أساساً مهماً للنجاح في هذه المجالات، بشرط أن يعيد تعريف نفسه مهنياً
وتشير اتجاهات التوظيف العالمية إلى أن خريجي تخصصات الصحافة والإعلام يلجأ عدد كبير منهم إلى قطاعات أخرى غير المسارات التي درسوا فيها أكاديمياً اربع سنوات وهي ظاهرة تؤكد أن مفهوم “وظيفة خريج الإعلام” لم يعد محدداً في غرفة الأخبار أو الاستوديو !.
المطلوب إذن ليس إغلاق كليات ومعاهد الإعلام،كما يطالب البعض ولا الحد من التعليم الإعلامي وإنما تحويلها إلى كليات عملية و إعادة النظر في منظومة التعليم الإعلامي ككل من حيث عدد المؤسسات، وأعداد المقبولين، والمناهج، والتدريب العملي، وعلاقة الجامعات بالمؤسسات الإعلامية، ومدى ارتباط البرامج الدراسية بالوظائف التي يحتاجها المستقبل.
وربط اعداد الخريجين بالاحتياجات الحقيقية لسوق العمل في الاعلام والقضاء على
عشوائية التعليم الإعلامي
إذن نحن أمام معادلة جديدة: الإعلام يتوسع رقمياً بينما تتقلص الوظائف التقليدية. ولذلك فإن استمرار تخريج أعداد ضخمة بالطريقة القديمة دون تطوير المهارات يعني ببساطة زيادة الفجوة بين الجامعة وسوق العمل.
ولعل السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه اليوم على المسؤولين عن التعليم والإعلام معاً هو:
هل نريد أن نُخرج آلاف الإعلاميين كل عام، أم نريد أن نُخرج آلاف الشباب القادرين على العمل في صناعة الإعلام الجديد New Media ؟
الإجابة الصحيحة على هذا السؤال سيحدد لنا مصير أجيال من خريجي كليات الإعلام !
ودعونا نتحدث بصراحة المستقبل لن يكون لمن يحمل شهادة إعلام فقط، و إنما لمن يستطيع أن يحول هذه الشهادة إلى مهارة وقيمة مضافة وفرصة عمل !
وهنا تحديداً يجب أن تبدأ عملية إعادة بناء العلاقة بين الإعلام والتعليم وسوق العمل لأن القضية لم تعد قضية أعداد خريجين فقط، و إنما قضية صناعة ومستقبل أمة بأكملها .










