مقالات الرأى

القس / سمير ابراهيم يكتب: الأديان السماوية: التكليف والإعمار والتنمية

مقالات للرأي

تلتقي الأديان السماوية في دعوتها إلى مكارم الأخلاق، وترسيخ القيم والمبادئ السامية، وتحمل الإنسان لمسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه والعالم الذي يعيش فيه. فالدين لا يقتصر على علاقة الإنسان بالله، وإنما يمتد ليشمل علاقته بالإنسان والبيئة والمجتمع، ومن هنا ارتبطت فكرة التكليف الديني بمسؤولية الإنسان عن الأرض التي يعيش عليها، والمحافظة عليها وتنميتها وإعمارها.

ويظهر هذا المعنى بوضوح في التصور الإسلامي من خلال مفهوم إعمار الأرض؛ فقد جعل القرآن الكريم الإنسان مسؤولًا عن الأرض ومستخلفًا فيها، يقول الله تعالى: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61). فالآية تربط بين خلق الإنسان من الأرض وبين تكليفه بإعمارها، بما يتضمنه ذلك من العمل والبناء والإصلاح والتنمية، لا الإفساد والتخريب.

ويتأكد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف: 56)، وهو ما يجعل المحافظة على البيئة وإصلاحها وتنميتها جزءًا من المسؤولية الأخلاقية للإنسان. ومن ثم، فإن مفهوم الإعمار في التصور الإسلامي لا ينحصر في البناء المادي، وإنما يشمل كل ما يؤدي إلى إصلاح الحياة وتحقيق الخير للإنسان والمجتمع.

ولا يبتعد التصور اليهودي والمسيحي عن هذا المعنى في جوهره؛ إذ نجد في سفر التكوين أن الإنسان خُلق على صورة الله، يقول النص: فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ (تكوين 1: 27). كما يرد في قصة خلق آدم أن الله وضعه في الجنة لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا (تكوين 2: 15). ويكشف هذان النصان عن بعدين أساسيين في التصور الكتابي: كرامة الإنسان من جهة، ومسؤوليته عن العالم الذي يعيش فيه من جهة أخرى.

ومن هنا يمكن الحديث عن مفهوم التكليف الحضاري، أو أعمار الأرض. أي المسؤولية التي تقع على عاتق الإنسان في رعاية الأرض وتنميتها والحفاظ عليها، وتحويل ما أُعطي له من إمكانات إلى وسائل للبناء والإصلاح. فالأرض ليست مجرد مورد للاستهلاك، وإنما أمانة تستوجب الرعاية، والإنسان ليس مجرد مستفيد من خيراتها، وإنما مسؤول عن كيفية استخدامها والمحافظة عليها للأجيال القادمة.

ومن هذا الإطار الواسع ظهرت فكرة النماء والتنمية بوصفها امتدادًا طبيعيًا لمسؤولية الإنسان عن نفسه ومجتمعه وبيئته. والتنمية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تنمية اقتصادية أو مادية فحسب، وإنما هي مفهوم شامل يبدأ بالإنسان نفسه؛ لأن الإنسان هو محور عملية التنمية ووسيلتها وغايتها.

ويؤكد القرآن الكريم قيمة الإنسان وكرامته بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4). ومن ثم، فإن تنمية الإنسان تعني العمل على اكتشاف قدراته، وتنمية مهاراته، وتطوير معارفه، ورفع قدرته على المشاركة الإيجابية في المجتمع. وفي التصور الكتابي كذلك، فإن خلق الإنسان يمنحه مكانة خاصة ومسؤولية أخلاقية وحضارية تجاه العالم من حوله.

وعليه، فإن التنمية الإنسانية تتجاوز مجرد تحسين الظروف المعيشية، لتشمل تنمية المهارات الشخصية والاجتماعية، والتعليم، والصحة، والقدرات المهنية، والمهارات القيادية، والوعي البيئي، والقدرة على العمل والإنتاج والمشاركة المجتمعية. فكلما امتلك الإنسان المعرفة والمهارة والقيم التي تمكنه من التعامل الإيجابي مع مجتمعه وبيئته، أصبح أكثر قدرة على الإسهام في عملية التنمية الشاملة.

وتزداد أهمية هذا المفهوم عند الحديث عن الشباب، باعتبارهم القوة الأكثر قدرة على صناعة المستقبل وتحويل الأفكار والقيم إلى مشروعات وممارسات واقعية. ولذلك فإن تنمية الشباب لا ينبغي أن تقتصر على تقديم المعرفة النظرية، وإنما ينبغي أن تشمل بناء الشخصية، وتنمية مهارات الحوار والتواصل، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، والقيادة، وريادة الأعمال، والعمل التطوعي، والحفاظ على البيئة، وتعزيز قيم المواطنة والسلام.

ومن هنا تبرز أهمية الجامعات ومراكز الشباب التابعة لوزارة الشباب والرياضة باعتبارها مؤسسات قادرة على تحويل مفهوم التنمية من مجرد شعار إلى ممارسة واقعية. فالجامعة يمكن أن تسهم في بناء المعرفة وتنمية القدرات العلمية والفكرية، بينما تستطيع مراكز الشباب أن توفر بيئة عملية لممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية والتطوعية، وتنمية مهارات الشباب من خلال التدريب والعمل الجماعي والمبادرات المجتمعية.

كما أن التعاون بين المؤسسات الدينية والتعليمية والشبابية يمكن أن يقدم نموذجًا عمليًا للتنمية القائمة على القيم المشتركة؛ فمبادئ مثل احترام الإنسان، والمحافظة على البيئة، والعمل، والإتقان، والتعاون، والسلام، وخدمة المجتمع ليست قضايا منفصلة عن الدين، وإنما يمكن أن تكون منطلقًا لبناء برامج شبابية تجمع بين البعد القيمي والبعد التنموي.

وبذلك يمكن القول إن إعمار الأرض وتنمية الإنسان وجهان لمسؤولية واحدة؛ فلا يمكن تحقيق تنمية حقيقية للبيئة والمجتمع دون تنمية الإنسان نفسه، كما لا يمكن أن تتحول قدرات الإنسان إلى طاقة إيجابية دون بيئة اجتماعية وصحية وتعليمية تساعده على ذلك. ومن هنا يصبح الاستثمار في الشباب استثمارًا في مستقبل المجتمع، ويصبح تدريبهم وتأهيلهم وتمكينهم جزءًا من التكليف الأخلاقي والحضاري الذي تشترك الأديان في الدعوة إليه.

إن الهدف النهائي من التنمية ليس فقط أن نمتلك مجتمعًا أكثر تقدمًا من الناحية المادية، وإنما أن نبني إنسانًا أكثر وعيًا ومسؤولية، ومجتمعًا أكثر تعاونًا وسلامًا، وبيئة أكثر قدرة على الاستمرار. وحين يتحول هذا المعنى إلى برامج عملية داخل الجامعات ومراكز الشباب، فإن القيم الدينية والأخلاقية تنتقل من مجال الخطاب إلى مجال الممارسة، ويصبح الشباب شركاء حقيقيين في إعمار الأرض وصناعة المستقبل.

 

زر الذهاب إلى الأعلى