د. محمد عادل محمد سعيد يكتب: حين حلّ الذكاء الاصطناعي في 88 ساعة ما استعصى على البشر 90 عاماً
مقالات للرأي

في مطلع سبتمبر 2026، أعلنت شركة OpenAI رسمياً عن تقديم حل مقترح لمسألة “بقاء ونعومة حلول معادلات نافييه-ستوكس”، وهي إحدى مسائل الألفية السبع الكبرى في الرياضيات التي رصد لها معهد كلاي للرياضيات مكافأة قدرها مليون دولار، ولم تحل منها سوى مسألة واحدة منذ نشر اللائحة عام 2000. تتعلق المسألة بمعادلات تصف حركة السوائل، ظلت قائمة نحو 90 عاماً، وتُستخدم في تصميم الطائرات والتنبؤ الجوي ودراسة تدفق الدم، والسؤال الجوهري فيها هو هل يمكن لحركة سائل ثلاثي الأبعاد بدأت ناعمة أن تتطور إلى «تفرّد» تنمو فيه سرعات السائل بلا حدود خلال زمن محدود. أنتج النظام برهاناً يثبت أن سائلاً ساكناً في البداية يمكن أن يطوّر تفرّداً خلال زمن محدود، مع بقاء طاقته منتهية وتعرّضه لقوة خارجية ناعمة فقط، وهو ما يحسم الحالتين «C» و«D» في الصيغة الرسمية لمعهد كلاي.
كيف تم الأمر تحديداً
استخدمت OpenAI نموذجاً داخلياً جديداً للذكاء الاصطناعي إلى جانب نحو 10 آلاف وكيل ذكي للعمل على المشكلة بشكل متوازٍ. شجّعت الشركة مجموعات مختلفة من الوكلاء على تجربة طرق مستقلة، قبل دمج أكثر الأفكار الواعدة ومشاركتها بين المجموعات لمواصلة البحث. توصّلت الوكلاء إلى الحل يوم السبت 5 سبتمبر، أي بعد نحو 88 ساعة من انطلاق العمل، فيما استغرقت الصياغة الصورية والتحقق 17 ساعة إضافية. وعبر جميع المسائل، تبادل الوكلاء 4.9 ملايين رسالة واستهلكوا نحو 300 مليار رمز مخرجات، منها 2.7 مليون رسالة و130 مليار رمز خُصصت لمسألة نافييه-ستوكس وحدها. وقُدّرت التكلفة الحاسوبية لهذا الجهد الضخم بنحو 10 ملايين دولار وفق أسعار استخدام نماذج الشركة المتقدمة.
ومن اللافت أن الشركة كانت حذرة في تقديم إنجازها: قالت إنها لا تعتزم المطالبة بالجائزة، مقدمة النتيجة بوصفها مثالاً على التقدم المتسارع في قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع مشكلات علمية شديدة التعقيد. والأهم أن الحل لم يخضع بعد للتحقق المستقل أو القبول العلني من جانب معهد كلاي للرياضيات، أي أنه لا يزال بانتظار تدقيق المجتمع الأكاديمي قبل اعتباره محسوماً بالمعنى الرسمي.
هل هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي “خرج عن السيطرة”؟
الإجابة المباشرة: لا. وهناك فرق جوهري بين حل معادلة صعبة وبين فقدان البشر السيطرة على أداة صنعوها:
أولاً، طبيعة الإنجاز. كما توضح تحليلات متخصصة، يجب التمييز بين حل مسألة حسابية وإنتاج برهان رياضي: ففي الحالة الأولى يقوم الذكاء الاصطناعي بتنفيذ عمليات رياضية سريعة، بينما في الثانية يبني سلسلة منطقية من الاستنتاجات التي تثبت صحة أو خطأ فرضية معينة. وما يجعل هذا الإنجاز مهماً هو أن النموذج لم يكتفِ بالحساب، بل قدّم برهاناً منطقياً متسلسلاً، وهو ما يمثل خطوة أقرب إلى الإبداع الرياضي الآلي. هذا تطور نوعي حقيقي، لكنه استغلال مكثف لقوة حسابية هائلة ضمن مهمة محددة سلفاً، لا مؤشر على وعي أو نية مستقلة.
ثانياً، الإشراف البشري كان حاضراً طوال العملية. من اختيار المسألة، إلى تصميم آلية عمل الوكلاء، وصولاً إلى تقييم النتيجة والامتناع عن المطالبة بالجائزة ريثما يتم التحقق منها علمياً — كل هذا هو عكس تعريف “الخروج عن السيطرة” تماماً.
وماذا عن هيمنة الذكاء الاصطناعي على البشرية خلال سنوات قليلة؟
هذا سؤال مختلف عن سؤال حل مسألة رياضية، ولا يوجد فيه إجماع علمي، فمن المفيد عرض الحجج المتقابلة بإنصاف:
حجة عدم القلق المفرط: الإنجاز محصور في مجال ضيق (البراهين الرياضية الشكلية)، ولا يعني قدرة عامة على التخطيط الاستراتيجي المستقل في العالم الحقيقي. هذا يتماشى مع الاتجاه العام في أبحاث الذكاء الاصطناعي الرياضي، حيث تعمل شركات مثل غوغل ديب مايند على تطوير أنظمة قادرة على اقتراح أفكار رياضية جديدة وليس فقط التحقق من صحة البراهين — أي أنه تقدم تراكمي في مجال محدد، لا قفزة نحو ذكاء عام خارق.
حجة الحذر: التسارع نفسه لافت — فما استعصى على أجيال من علماء الرياضيات جرى تجاوزه (جزئياً وبانتظار التحقق) خلال أيام، وهذا النمط من التسارع المفاجئ يصعّب التنبؤ بموعد أو حجم القفزات المقبلة، وهو ما يبرر دعوات متزايدة لحوكمة وسلامة استباقية.
الموقف الأكثر توازناً هو اعتبار هذا الإنجاز مؤشراً على تسارع حقيقي في قدرات الذكاء الاصطناعي الضيقة والمتخصصة، وليس دليلاً على اقتراب هيمنة شاملة على البشرية خلال سنوات معدودة. القلق المشروع الأقرب للواقع هو أن تطور أدوات الرقابة والفهم البشري لهذه الأنظمة قد لا يواكب سرعة تطور قدراتها — وهذا نقاش سياسات وحوكمة، وليس تنبؤاً حتمياً بسيناريو “نهاية العالم”.









