مقالات الرأى

أ. د. فايد محمد سعيد يكتب: تجديد قراءة السيرة (9): المرأة… من ﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ إلى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾

مقالات للرأي

ننتقل في تجديد قراءة السيرة إلى جانب آخر من جوانبها التي تحتاج أن تُقرأ من جديد: المرأة في حياة النبي ﷺ وفي المجتمع الذي بناه الوحي. ولكي ندرك حجم التحول الذي أحدثه الإسلام، ينبغي أن نتذكر المجتمع الذي جاءت إليه الرسالة. لقد جاء القرآن إلى عالم كانت بعض صوره تبلغ من القسوة أن يولد للرجل بنت فيتحول خبر ولادتها إلى حزن وعار، حتى وصف القرآن ذلك المشهد وصفًا يهز القلب: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ۝ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: 58-59]. وبلغ الأمر في بعض قبائل الجاهلية أن تُوأد البنات، فجاء القرآن لا ليصف الجريمة فحسب، وإنما ليجعل لهذه الطفلة الموءودة قضية أمام الله يوم القيامة: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8-9].

تأملوا هذا التحول. كانت الطفلة لا تستطيع أن تسأل قاتلها: لماذا قتلتني؟ فجعل الله سؤالها قضية من قضايا يوم القيامة. ومن هنا ينبغي أن نبدأ قراءة مكانة المرأة في الإسلام: من حقها الأول، حقها في الحياة، ثم حقها في أن تكون إنسانًا كامل الكرامة أمام الله.

ثم جاء القرآن ليعيد بناء ميزان القيمة كله فقال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195]. توقفوا عند قوله: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾. ليس الرجل أصلًا والمرأة هامشًا، وليس عمل الرجل منظورًا وعمل المرأة منسيًا: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾. وقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

ثم جاءت آية الأحزاب كأنها ميثاق قرآني كامل للمساواة في المسؤولية الروحية والأجر: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ… أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]. ذكرًا وأنثى، مسلمين ومسلمات، مؤمنين ومؤمنات، صادقين وصادقات، صابرين وصابرات. كأن القرآن يهدم، كلمة بعد كلمة، كل ميزان يجعل جنس الإنسان هو الذي يحدد منزلته عند الله.

ثم تأتي امرأة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها. إنها خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها. امرأة ليست ملكة، ولا صاحبة منصب، ولا من أثرياء المدينة، وإنما امرأة عندها مشكلة أسرية. ولكن مشكلتها لم تكن صغيرة عند الله، فقال سبحانه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1].

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾.

يا لها من بداية! امرأة تتحدث في بيت صغير في المدينة، والله سبحانه يقول: سمعتُها. ولم يقل القرآن فقط إنه سمع دعاءها، بل قال: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾. حوار امرأة مع رسول الله ﷺ يصبح قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: إذا كان الله سبحانه قد خلّد شكوى امرأة في كتابه، فمن أين جاءت ثقافة تقول للمرأة حين تشتكي من ظلم: اسكتي؟ ومن أين جاء أن مطالبتها بحقها انتقاص من حيائها؟ لقد سمعها الله، وسمعها رسول الله ﷺ، ونزل القرآن يعالج قضيتها. إن المجتمع النبوي لم يُبنَ على إسكات المرأة، وإنما على أن يكون لها حق السؤال والشكوى والمراجعة والمطالبة بحقها.

ثم نلتقي نسيبة بنت كعب رضي الله عنها، أم عمارة. يوم أُحد، حين اضطربت الصفوف ووصل الخطر إلى رسول الله ﷺ، كانت أم عمارة ممن ثبتوا حوله ودافعوا عنه، وذكر أهل السير ما أصابها يومئذ من الجراح وهي تدافع عن رسول الله ﷺ، وأثنى النبي ﷺ على موقفها وثباتها. وهنا تتغير الصورة مرة أخرى. لم تكن المرأة في المجتمع النبوي مجرد شخص يُحمى دائمًا؛ ففي لحظة من أعظم لحظات الخطر كانت امرأة من الذين حموا رسول الله ﷺ. لم يقل التاريخ فقط: كانت هناك امرأة في أُحد، بل حفظ اسمها: أم عمارة، نسيبة بنت كعب. امرأة صنعت لها شجاعتها وإيمانها مكانًا في ذاكرة الأمة.

ولهذا فإننا حين نتحدث عن المرأة في السيرة لا ينبغي أن نختزلها في باب واحد. نجدها أمًا وزوجة وبنتًا، ونجدها عالمة ومتعلمة، ونجدها صاحبة رأي، ونجدها مهاجرة ومبايعة، ونجدها في خدمة المجتمع، ونجد أم عمارة في ساعة الخطر.

ولعل من أعمق ما فعله القرآن أنه حرر قيمة الإنسان من جنسه تحريرًا كاملًا. فإذا أراد أن يضرب مثلًا للكفر جعل أمامنا رجلًا هو من أسوأ من عرفت البشرية: فرعون. وإذا أراد أن يضرب مثلًا للإيمان لم يمنعه أن يكون المثال امرأة تعيش في بيت ذلك الرجل نفسه: آسية امرأة فرعون. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: 11].

تأملوا المفارقة: فرعون رجل، لكنه من أهل النار، وآسية امرأة، لكنها أصبحت مثلًا للذين آمنوا جميعًا، رجالًا ونساءً. لم يقل القرآن: وضرب الله مثلًا للنساء، وإنما قال: ﴿مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾. أي إن الرجال أنفسهم مأمورون بأن يتعلموا الإيمان والثبات من امرأة.

وثبت عن النبي ﷺ قوله: «كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران…» (رواه البخاري ومسلم). إن معيار السماء ليس: أذكر أنت أم أنثى؟ وإنما: من أنت عند الله؟

وإذا أردنا معرفة حقيقة أخلاق الإنسان فلا يكفي أن نراه أمام الجمهور، بل ينبغي أن نسأل أهل بيته. قال رسول الله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (رواه الترمذي). هذه قاعدة عظيمة. قد يكون الإنسان لطيفًا مع زملائه، مبتسمًا أمام الناس، حسن الحديث في المجالس، ثم لا يرى أهله من ذلك شيئًا. فجعل النبي ﷺ أحد اختبارات الخيرية الحقيقية: كيف أنت في بيتك؟

بل كان ﷺ يساعد أهله. سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ فقالت: «كان يكون في مهنة أهله»، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة (رواه البخاري). النبي ﷺ، قائد الأمة وصاحب الرسالة والذي تأتيه الوفود، يخدم أهله في البيت. وهذه أيضًا سيرة تحتاج أن تُقرأ من جديد.

وكان من وصاياه ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا» (رواه البخاري ومسلم). وقال ﷺ: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» (رواه مسلم). إنه يعلم الرجل ألا يحول خطأ واحدًا إلى إلغاء لإنسان كامل، وأن يرى الخير كما يرى النقص، وأن يعدل حتى في مشاعره. وقد جرى على ألسنة أهل الأدب والحكمة قول جميل في معناه: «لا يكرم النساء إلا كريم، ولا يهينهن إلا لئيم»، وهي حكمة ينبغي أن تتحول من عبارة نرددها إلى خلق نعيشه.

وحين نقرأ سيرة المدينة نجد أسماء رؤوس النفاق ومواقفهم، وفي مقدمتهم عبد الله بن أُبي بن سلول، ولا تحفظ لنا السيرة امرأة تصدرت مشروع النفاق كما تصدره أولئك الرجال. ولا نبني على هذه الملاحظة حكمًا عقديًا متعلقًا بالجنس؛ فالقرآن نفسه ذكر المنافقين والمنافقات فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: 67]. ولكنها ملاحظة تاريخية تستحق التأمل في مقابل ذلك الحضور المبكر للمرأة المسلمة في الإيمان والهجرة والبيعة والتضحية والعلم.

ومن هنا نصل إلى جانب أراه من أهم جوانب تجديد قراءة السيرة: المرأة والعلم.

يكفي أن نقف أمام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

لم تكن عائشة مجرد زوجة للنبي ﷺ نقلت لنا تفاصيل حياته الخاصة، وإنما أصبحت بعد وفاته مرجعًا علميًا للأمة. كان الصحابة يسألونها، وكان التابعون يرحلون إلى علمها، وصححت لكبار الصحابة مسائل، وروت الحديث، وأفتت في الفقه، وعرفت الفرائض والشعر وأخبار العرب، وكان لها علم بالطب.

قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه:

«ما أشكل علينا أصحابَ محمد ﷺ حديثٌ قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا»
(رواه الترمذي).

تأملوا من الذي يقول هذا.

أبو موسى الأشعري، صحابي جليل، يتحدث عن أصحاب محمد ﷺ، ويقول إنهم إذا أشكل عليهم الحديث سألوا امرأة: عائشة رضي الله عنها.

ولم يكن علمها مقصورًا على الحديث وحده. فقد اشتهر عن عروة بن الزبير، وهو من أعلم الناس بها، تعجبه من سعة علمها، فكان يذكر علمها بالفقه والشعر وأيام العرب، وسألها عن معرفتها بالطب، فذكرت ما كانت تسمعه من الأطباء الذين كانوا يصفون العلاج لرسول الله ﷺ في مرضه.

هذه هي المرأة في الجيل الذي رباه محمد ﷺ.

يأتي الرجال إليها ليتعلموا.

ويعود كبار أهل العلم إلى رأيها.

وتصبح حجرتها مدرسة من مدارس الأمة.

وهنا ينبغي أن نطرح سؤالًا ربما يكون أكثر الأسئلة إيلامًا في هذا المقال:

بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، هل تطورت مكانة المرأة المسلمة علميًا واجتماعيًا عما كانت عليه في عصر النبي ﷺ، أم أننا تراجعنا في بعض الجوانب؟

إن كلمة «التطور» هنا تحتاج إلى صدق مع النفس.

نعم، دخلت المرأة المسلمة اليوم الجامعات، وأصبحت طبيبة ومهندسة وأستاذة وباحثة وقاضية في بعض المجتمعات، وفتحت أمامها مجالات لم تكن الوسائل المادية في العصور السابقة تسمح بها. وهذا خير ينبغي أن نفرح به.

لكن السؤال أعمق من عدد الشهادات.

هل نعطي المرأة العالمة المكانة العلمية التي أعطاها الصحابة لعائشة؟

هل يستطيع رجال مجتمعنا أن يقولوا ببساطة: هذه المرأة أعلم منا في هذه المسألة، فلنذهب ونسألها؟

هل نربي بناتنا ليصبحن من العالمات، والفقيهات، والباحثات، وصاحبات الفكر والرأي؟

أم أننا أحيانًا نفتخر بعائشة رضي الله عنها في كتب السيرة، ثم نستغرب أن تتصدر امرأة مؤهلة مجلسًا علميًا؟

نفتخر بأم عمارة، ثم نضيق بمبادرة المرأة.

نحتج بخديجة رضي الله عنها، ثم لا نثق بقدرة المرأة على إدارة مالها وعملها.

نقرأ قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾، ثم نطلب من المرأة المظلومة أن تصمت حتى لا تحرج الأسرة.

نقول إن عائشة كانت تعلم الصحابة، ثم لا نستثمر بما يكفي في صناعة عالمات وفقيهات ومفكرات من نساء الأمة.

وهنا المشكلة ليست في الإسلام، وإنما قد تكون في المسافة بين الإسلام وبعض ممارسات المسلمين.

إن أعظم ظلم للسيرة أن ننسب إلى النبي ﷺ أعرافًا صنعناها نحن بعده، ثم نقدمها للعالم على أنها دينه.

لقد أعطى النبي ﷺ المرأة حق السؤال، وسمع شكواها، واستشارها، وعلمها، وأفسح لها مجال التعلم، وجعل لها يومًا تسأله فيه حين قلن له إن الرجال غلبوهن عليه، وكانت النساء يحضرن المسجد، ويسألن في أدق مسائل الدين دون أن يمنعهن الحياء من طلب العلم.

فهل يجوز بعد ذلك أن نجعل الجهل فضيلة للمرأة؟

إن الحياء فضيلة، ولكن الجهل ليس حياءً.

والعلم فضيلة للرجل والمرأة معًا.

لقد فهمت نساء الأنصار ذلك حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «نِعْمَ النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» (رواه مسلم بمعناه).

يا لها من شهادة!

الحياء لم يمنعهن من الفقه.

وهذه معادلة تحتاج إليها المرأة المسلمة اليوم: تحفظ قيمها وحياءها وإيمانها، وفي الوقت نفسه تتعلم وتسأل وتبحث وتشارك وتخدم مجتمعها.

ولذلك فإن قضية المرأة ليست صراعًا بين الرجل والمرأة، وليست استيرادًا لمعركة من ثقافة أخرى. إنها في أصلها عندنا قضية وفاء للقرآن والسنة والعدل الذي جاء به محمد ﷺ.

إننا لا نريد أن نجعل المرأة رجلًا، ولا الرجل امرأة. لقد خلق الله الذكر والأنثى، ولكل منهما خصائصه ومسؤولياته، لكن اختلاف الخصائص لا يعني اختلاف الكرامة الإنسانية، ولا إهدار الكفاءة، ولا حرمان الإنسان من العلم والعمل الصالح وخدمة المجتمع.

قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 71].

تأملوا: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. إنها شراكة في الإيمان، وشراكة في المسؤولية الأخلاقية، وشراكة في عمارة المجتمع بالمعروف.

ثم ضعوا المشهدين إلى جوار بعضهما.

في أول الطريق:

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾.

وفي المجتمع الذي بناه الوحي:

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾.

يا لها من رحلة!

من طفلة يدفنها المجتمع ولا يسمع بكاءها أحد، إلى امرأة يسمع الله شكواها وينزل في شأنها قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.

ومن مجتمع يرى ولادة الأنثى عارًا، إلى قرآن يقول:

﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾.

ومن امرأة يراد لها أن تكون على هامش الحياة، إلى أم عمارة تقف يوم أُحد، وخديجة تكون أول من يؤمن برسول الله ﷺ، وأم سلمة يشاورها رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وعائشة يجلس رجال الأمة ليتعلموا منها.

هذا ليس تعديلًا بسيطًا في وضع المرأة؛ إنه إعادة بناء لمفهوم الإنسان.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس فقط: ماذا أعطى الإسلام المرأة؟

السؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا هو:

ماذا فعلنا نحن بما أعطاها الإسلام؟

وهل المرأة المسلمة اليوم أقرب إلى المكانة التي أرادها لها النبي ﷺ، علمًا وكرامة وعبادة وعطاءً ومشاركةً في الخير، أم أن بعض أعرافنا حجبت عنها شيئًا مما فتحه لها الوحي؟

إن الوفاء للنبي ﷺ لا يكون بأن نفتخر بعائشة وأم سلمة وأم عمارة وخديجة رضي الله عنهن في الماضي فقط، وإنما بأن نصنع البيئة التي تستطيع فيها بنات المسلمين اليوم أن يصبحن عالمات ومربيات وطبيبات وباحثات وصاحبات عطاء، مع الثبات على إيمانهن وقيمهن.

من ﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ إلى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾… بين الآيتين قصة حضارة كاملة.

وبين الآيتين محمد ﷺ.

وهذه هي السيرة التي نحتاج أن نقرأها من جديد.

والله من وراء القصد.

المصادر والمراجع

1. القرآن الكريم: آل عمران: 195؛ النحل: 58-59، 97؛ التوبة: 67، 71؛ الأحزاب: 35؛ التحريم: 11؛ التكوير: 8-9؛ المجادلة: 1.
2. صحيح البخاري وصحيح مسلم: حديث «كمل من الرجال كثير…» وذكر آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران.
3. صحيح البخاري: حديث عائشة رضي الله عنها في خدمة النبي ﷺ لأهله: «كان يكون في مهنة أهله».
4. صحيح البخاري وصحيح مسلم: وصية النبي ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا».
5. صحيح مسلم: حديث «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر».
6. سنن الترمذي: حديث «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
7. سنن الترمذي: أثر أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علم».
8. صحيح مسلم: قول عائشة رضي الله عنها في نساء الأنصار وأن الحياء لم يكن يمنعهن من التفقه في الدين.
9. ابن هشام، السيرة النبوية؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى؛ والذهبي، سير أعلام النبلاء: أخبار أم عمارة نسيبة بنت كعب رضي الله عنها وموقفها يوم أُحد، وأخبار علم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
10. الطبري، جامع البيان؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: تفسير الآيات المتعلقة بمكانة المرأة والمسؤولية الإيمانية وقصة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها.

زر الذهاب إلى الأعلى