مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: فقه الأولويات حلول قلة الموارد وتعظيم الإنتاج..! ماذا يعني أن تقرر الحكومة التقشف وتتجنب الإنفاق غير الضروري ؟

مقالات للرأي

دعونا نتفق أن المجتمعات تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، تفرض إعادة النظر في كيفية إدارة مواردها وتحديد احتياجاتها وترتيب أولوياتها. المعروف أن المشكلة الاقتصادية هي نتاج معادلة ندرة الموارد وتعدد الحاجات الإنسانية، وهو ما يجعل المفاضلة بين هذه الحاجات ضرورة لا يمكن تجاهلها.
لكن هل تعني الندرة بالضرورة أننا أمام طريق مسدود؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية توظيف الموارد المتاحة، ومدى قدرتنا على توجيهها إلى المجالات الأكثر أهمية وعائداً؟
في تقديري، يجب أن تبدأ نقطة الإنطلاق من هنا؛ حيث قلة الموارد تفرض علينا إدارة أكثر كفاءة، وتخطيطاً أكثر واقعية، وقدرة أكبر على التمييز بين الضروري وما يمكن تأجيله من حاجات ، وبين الإنفاق الذي يحقق قيمة مضافة والإنفاق الذي يستنزف الإمكانات دون عائد حقيقي !
ولهذا تكتسب توجهات الحكومة الأخيرة نحو التقشف أهمية خاصة، حتى وإن جاءت متأخرة؛ إذ إن مراجعة أوجه الإنفاق وإعادة توجيه الموارد نحو الاحتياجات الأساسية تمثل خطوة ضرورية في مواجهة الضغوط الاقتصادية. لكن نجاح هذه التوجهات لا يتوقف على إصدار القرارات فقط وإنما يرتبط بجدية تنفيذها، وقياس نتائجها، والتأكد من أن الموارد التي يتم توفيرها تذهب بالفعل إلى المجالات الأكثر إلحاحاً وأولوية !
وهنا تبرز قضية لا تقل أهمية، تتعلق بمبدأ القدوة في ترشيد الإنفاق فمن الصعب أن نطالب المواطن بتقليل استهلاكه والتخلي عن بعض احتياجاته غير الضرورية، بينما لا يلمس في المقابل التزاماً مماثلاً من المسؤولين والمؤسسات العامة.
يجب أن يبدأ ترشيد الإنفاق من أعلى المستويات، وأن يشمل مراجعة النفقات الإدارية والمظاهر غير الضرورية والمزايا والمخصصات، دون المساس بمتطلبات أداء العمل العام الأساسية !
إن العدالة في توزيع أعباء الإصلاح الاقتصادي تقتضي أن يشعر المواطن بأن الجميع يشارك في تحمل المسؤولية، وأن المسؤول لا يطلب من الآخرين ما لا يلتزم به هو نفسه.
ويجب أن يصبح الترشيد ثقافة مجتمعية، مع مراعاة التمييز بين الاحتياجات الأساسية والكماليات، وتشجيع أنماط الاستهلاك الرشيد، دون أن يتحول ذلك إلى تحميل المواطن أعباء تفوق قدرته.
وعلى الجانب الآخر، لا يمكن مواجهة محدودية الموارد دون العمل على تعظيم الإنتاج، والتحرر تدريجياً من أسر ثقافة الاستهلاك والاعتماد المتزايد على استيراد الاحتياجات، خاصة أن مجتمعاتنا تمتلك إمكانات بشرية وطبيعية وقدرات إنتاجية يمكن تطويرها واستثمارها.
ومن هنا تأتي أهمية دعم الصناعة والزراعة والتعليم والبحث العلمي، باعتبارها مجالات قادرة على خلق قيمة مضافة، وتوفير فرص عمل، وتقليل الاعتماد على الخارج.
ويظل التعاون الدولي ضرورة لا غنى عنها، وليس معنى الاعتماد على الذات أن نستغني عن الآخر، بل إن التعاون المثمر يقوم على تبادل المصالح والاستفادة من المزايا النسبية التي تمتلكها كل دولة، بحيث يقدم كل طرف ما يجيده أو يمتلكه، ويحصل في المقابل على ما يحتاج إليه من الدول الأخرى !
غير أن هذا التعاون قد يفقد طبيعته التنموية عندما تتدخل الحسابات السياسية والضغوط الخارجية، وتتحول العلاقات الدولية إلى أدوات لفرض الشروط من الطرف الأقوى على الطرف الأضعف وهنا يصبح الحفاظ على المصالح الوطنية واستقلال القرار شرطاً أساسياً لأي تعاون دولي أو إقليمي متوازن.
إن ترشيد الإنفاق دون رؤية واضحة قد يتحول إلى مجرد خفض للنفقات، وزيادة الإنتاج دون تحديد الاحتياجات قد تؤدي إلى إهدار الإمكانات، والتعاون الدولي دون حساب المصالح قد يخلق أشكالاً جديدة من التبعية.
إذن إننا بحاجة إلى رؤية متكاملة تحدد أولوياتنا، وتوجه مواردنا إلى الاستخدام الأكثر جدوى، وتوازن بين احتياجات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة من خلال التخطيط السليم.
لا يبدأ الخروج من عنق الزجاجة بالبحث عما نفتقده فقط، بل بإعادة اكتشاف ما نملكه، وحسن توظيفه، وترتيب أولوياتنا، وتعظيم إنتاجنا.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل متخذ القرار ليس فقط: كم نملك من الموارد؟ وإنما: كيف نستخدمها؟ ومن أين نبدأ؟ وما الذي يجب أن يتغير حتى لا نورث الأجيال القادمة أزمات أكثر تعقيداً مما نواجهه اليوم؟
أرصد اجابات هذه التساؤلات وابني عليها خطواتك التالية !

زر الذهاب إلى الأعلى