
تُعدّ العدالة الركيزة الأساسية التي تنبثق منها التشريعات، حيث يُنظر إلى القانون بوصفه الأداة التنفيذية لإرساء القواعد الآمرة التي تكفل الاستقرار وتحمي مقومات المجتمع. ومن هذا المنطلق، تبرز القاعدة الفقهية والأصولية المتفق عليها في مختلف الأنظمة القانونية شرقًا وغربًا، وهي مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون. وقد انقسم الفقه التشريعي في تحديد الأساس القانوني لهذه القاعدة؛ إذ يرى جانب من الفقهاء أن المبدأ يستند إلى وجود التزام أصيل يقع على عاتق الأفراد بضرورة العلم بالقوانين، واعتبار القصور في هذا العلم إخلالًا بالواجب وخطيئة قانونية لا يجوز التمسك بها أمام القضاء لترتيب أي مصلحة. وفي المقابل، ذهب رأي آخر إلى أن الأساس يكمن في فكرة افتراض علم الكافّة بالقانون بمجرد نشره في الجريدة الرسمية أو الوسائل المحددة قانونًا، حيث اعتبره الغالبية قرينة قاطعة تضمن نفاذ التشريع على الجميع دون تمييز، في حين رأت فئة أخرى من الفقهاء أن هذا الافتراض مجرد مجاز أو حيلة قانونية تُقتضى لحماية المصلحة العامة حتى لا يفلت أحد من العقاب، تطبيقًا للمبدأ القائل بأن من أمن العقاب أساء الأدب. وعلى الرغم من حزم هذا المبدأ وشموليته، إلا أن التطبيق العملي للعدالة استوجب وجود استثناءات محدودة تمنع إعمال الافتراض مطلقًا، كما هو الحال في الظروف القاهرة وحالات الحرب التي تُحول دون وصول الرسميات للعامة ونشر القانون إلى الأفراد. وتتجلى أهمية التفرقة في هذا الصدد بين الجهل بالقانون والجهل بالواقع؛ إذ إن الجهل بالواقع يُعد سببًا سائغًا يمكن للأفراد التمسك به لترتيب آثار قانونية لصالحهم، في حين يُستبعد الجهل بالقانون تمامًا كعذر نَافٍ للمسؤولية. ويظهر أثر هذه القاعدة بوضوح في نطاق المسؤولية المدنية، التي تقضي بوجوب التعويض عن كل خطأ يسبب ضررًا للغير وفقًا للتشريعات المدنية المتطورة، كالمادة 163 من القانون المدني المصري؛ حيث لا يحق للمخالف التنصل من مسؤولية جبر الضرر المادي أو المعنوي بحجة جهله بالقاعدة القانونية، كما لا يُعتبر هذا الجهل سببًا لتخفيف جسامة الخطأ أو نفي المساءلة. بل إن الفقه والقضاء امتدّا بحظر هذا العذر إلى حرمان المسؤول مدنيًا من الرجوع بالتعويض على من تسبب في إيقاعه في الغلط القانوني؛ نظراً لأن خطأ الشخص في فهم التشريع يُسأل عنه وحده دون غيره، وهو ما أكدته أحكام القضاء، ومنها أحكام محكمة النقض الفرنسية التي قضت بعدم جواز ادعاء المتعاملين مع المرافق العامة بالوقوع في الغلط بناءً على معلومات خاطئة من الموظفين، طالما أن المواعيد واللوائح قد نُشرت وفقًا للقانون. وبناءً على ذلك، يظل العلم بالقانون افتراضًا ناضجًا لا يتزعزع، ولا ينفي المسؤولية الجنائية أو المدنية، مما يتطلب الامتثال الدائم لنصوص الدستور والقانون كونهما الدرع الحقيقي لحماية حقوق الفرد وتأمين استقرار المجتمع.









