مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: حيادية المذيع بين الالتزام المهني والانتماء الوطني.. أين تقف الحدود؟

مقالات للرأي

 

أثارت مسألة حيادية المذيع جدلاً واسعاً في بعض البرامج الإعلامية، بين اتجاه يرى أن الحياد لم يعد ممكناً في عالم تتصارع فيه المصالح والمواقف والأيديولوجيات، واتجاه آخر يذهب إلى أن المذيع ومقدم البرامج لا ينبغي لهما أن يكتفيا بطرح الأسئلة وعرض وجهات النظر، وإنما عليهما إعلان مواقفهما والتعبير عن آرائهما بوضوح.
وبعيداً عن هذا الجدل، والفرق بين المذيع ومقدم البرامج تظل هناك حقيقة مهنية تستحق التوقف أمامها، وهي أن الحيادية ليست قيمة مطلقة أو موقفاً ثابتاً في كل الأحوال، وإنما هي قيمة نسبية تحكمها طبيعة القضية المطروحة، ورؤية المؤسسة الإعلامية لها !
الحيادية، بمفهومها المهني، أو ما يُعرف باللغة الإنجليزية بـ(Impartiality)، تعني الإنصاف وعدم الانحياز لطرف على حساب آخر، وهي إحدى القيم الأساسية التي ينبغي أن تحكم السياسة التحريرية للمؤسسة الإعلامية سواء كانت قناة أو محطة إذاعية أو منصة رقمية مدمجة ، وتحدد المسافة المهنية التي تفصلها عن أطراف القضايا التي تتناولها.
ومن هنا، يمكن القول إن الحيادية تكون مطلوبة بالدرجة الأولى عندما يتناول المذيع قضية لا يكون طرفاً فيها، أو لا تمس الثوابت الوطنية والقومية والمعتقدات التي تشكل هوية المجتمع.
في هذه الحالة، يصبح واجبه أن يعرض الوقائع بدقة، ويتيح الفرصة لوجهات النظر المختلفة، ويفصل بين الخبر والرأي، دون أن يفرض قناعاته الشخصية على الجمهور.
لكن هل تظل الحيادية مطلوبة بالمعنى نفسه عندما يتعلق الأمر بالوطن؟ وهل يُطلب من المذيع أن يقف على مسافة واحدة بين وطنه ومن يستهدف أمنه أو يهدد مصالحه أو ينتقص من حقوق شعبه؟
هنا نصل إلى جوهر القضية.
المذيع ليس مجرد ناقل محايد للأحداث، ولا آلة تردد ما تسمعه دون إدراك للسياق أو تقدير لطبيعة المواقف.
المذيع مواطن ينتمي إلى وطن، ولهذا الانتماء ثوابته ومسؤولياته، كما أنه مهني تحكمه قيم الدقة والموضوعية والمصداقية.
وعندما يتعلق الأمر بقضية وطنية تمس سيادة الدولة أو أمنها أو كرامة شعبها، لا ينبغي أن يتحول مفهوم الحيادية إلى مبرر لمساواة المعتدي بالمعتدى عليه، أو وضع الحق والباطل في سلة واحدة أو كفتين متساوتين لمجرد إدعاء الموضوعية.
ولعل القضية الفلسطينية وما يرتبط بها من ممارسات إسرائيلية تقدم مثالاً واضحاً على هذه الإشكالية إذ لا يمكن أن يكون الالتزام بالموضوعية المهنية ذريعة لتجاهل الحقائق التاريخية أو تبرير الاعتداءات أو إغفال معاناة الشعب الفلسطيني !
لكن ذلك لا يعني أن يتحول المذيع إلى طرف في صراع على حساب الحقيقة، أو أن يتخلى عن التحقق من المعلومات، أو أن يخلط بين الوقائع والأحكام الشخصية.
إعلان الموقف شيء، وتزييف الحقائق أو الانتقائية في عرضها شيء آخر تماماً والفارق هنا جوهري؛ إذ يمكن للمذيع أن يكون واضحاً في انحيازه للحق الوطني والإنساني، دون أن يتخلى عن قواعد المهنة، وأن يدافع عن ثوابت وطنه دون أن يصادر حق الجمهور في المعرفة أو يفرض عليه استنتاجات مسبقة.
ومن المهم أيضاً التمييز بين المذيع الذي يقدم نشرة إخبارية، ومقدم البرامج الحوارية أو يقرأ تعليقا سياسيا ؛ فلكل منهم طبيعة أداء ومسؤوليات مختلفة.
في حين يتطلب العمل الإخباري فصلاً صارماً بين نقل الخبر والتعليق عليه، تتسع مساحة إبداء الرأي في البرامج الحوارية، بشرط الوضوح والمصداقية وعدم استغلال المنصة الإعلامية لتضليل الجمهور.
إن الخلط بين الحيادية والموضوعية هو أحد أسباب هذا الجدل الحيادية تتعلق بالموقف من أطراف القضية، أما الموضوعية فتتعلق بمنهج تناولها، والتحقق من معلوماتها، والإنصاف في عرض جوانبها. إذن المذيع يظل مطالباً بالموضوعية والالتزام بالحقيقة.
وفي النهاية، إن المذيع ليس مطالباً بأن يكون بلا موقف، وإنما بأن يكون مسؤولاً عن موقفه، وليس مطلوباً منه أن يتخلى عن انتمائه الوطني حتى يثبت مهنيته والحيادية ليست غاية في ذاتها، كما أن الانحياز ليس ترخيصاً للتخلي عن الحقيقة.
وبين هذين الاعتبارين تتحدد شخصية المذيع المهنية، وتُقاس مصداقيته، ويظل احترام عقل الجمهور وحقه في المعرفة هو المعيار الأهم.

زر الذهاب إلى الأعلى