
المتبصر في الجوهر الإنساني يُدركُ أن “الذوق” ليس مجرد بروتوكولٍ شكلي، ولا تصنّعٍ اجتماعي تجود به العاداتُ وتفرضه الشكليات، بل هو انعكاس حقيقي لصفاء النفس، ونقاء القلب، وخشية الرب؛ إذ يضفي على الصدور أُنساً، وعلى القلوب أدباً وألساً. والاحترام في أصله الفلسفي والأخلاقي هو ذلك التقدير المتبادل الذي يحفظ للناس كرامتهم ومشاعرهم، ويبني بين الأرواح جسور الود وأواصر التراحم. وقد ناط الإسلام كمال الإيمان بحسن السمت وطيب العشيرة؛ فقال النبي صلوات ربي وسلامه عليه: “أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً”، ليكون السلوك هو البرهان المادي والدليل العلمي على صحة الاعتقاد.
ولقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرقى الأمثلة في الذوق الرفيع وحسن التعامل؛ فلم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يحترم الصغير والكبير، ويجبر الخاطر والكسير. وكان من ذوقه العالي أنه إذا تحدث مع أحد أقبل عليه بكله، ولم يكن يقطع على أحد حديثه، وكان يختار أحسن الأسماء للناس، ويقابلهم بالبشر والابتسامة؛ حتى قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: “ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي”.
وإن هذا الذوق العالي لَهو أدبٌ رباني ومنهج حياة، يتجلى في محكم التنزيل عبر دلالات لغوية وتربوية معجزة؛ إذ يقول الحق سبحانه في اختيار أطيب الكلم: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}. فلم يكتفِ التوجيه القرآني بالقول الحسن، بل أمر بالقول “الأحسن”؛ لسد منافذ الخلاف، وقطع دابر الشقاق والقطيعة. وفي الذوقِ في المظهر والمشية والتواضع، يوصي لقمان الحكيم ابنه فيقول: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَر الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}؛ ليعلمنا أن الذوق في التواضع بالوجه، واعتدال المشي، وخفض الصوتِ عند الحديث. وحتى في احترام خصوصيات البيوت والاستئذان، يقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا}، فعبر بالاستئناس ليُشيع الراحة والأنس قبل الدخول.
وتأمل هذا الموقف العَطِر الذي يفيضُ رِفقاً ولُطفاً وتجلت فيه أرقى معايير الذوق الاجتماعي: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث إلى الناس، فما أن رآه حتى قطعه وسأله بصوت مرتفع: “متى الساعة؟”. فلم ينهره رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحرجه أمام الجمع، بل استمر في حديثه حتى أنهى كلامه، ثم التفت إليه بكل رفق ولين قائلاً: “أين السائل عن الساعة؟”، فقال الأعرابي: أنا يا رسول الله، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بكل احترام واهتمام، ليعلمه ويهديه، دون أن يجرح شعوره أو يؤذيه.
إن الذوق العام والاحترام يظهران جلياً في تفاصيل حياتنا اليومية وسلوكنا المنضبط: في الطرقات؛ بالبعد عن إيذاء المارة، وكف الأذى، وغض البصر، وإماطة الأذى عن الطريق. وفي المجالس؛ بترك الاستئذان الخاطئ، وعدم التجسس، وحفظ أسرار الناس، وتجنب رفع الأصوات بلا داعٍ، وإفساح المجالس للآخرين. وفي الحوار والحديث؛ باختيار أطيب الكلم، واحترام الرأي الآخر وإن اختلفنا معه، والبعد عن السخرية واللمز والهمز؛ يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}، ويقول جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مَّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ}.
إن غرس هذه القيم يبدأ من الأسرة؛ فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل احترام الأب والأم، وتوقير الكبير، والرفق بالصغير، واستخدام الكلمات الطيبة واللطيفة مثل “شكراً” و”من فضلك” و”عفواً”، فهي مفاتيحُ للقلوب تُلين القاسي، وتُعيد للتعامل رونقه الباهي. كما أننا مطالبون بنشر ثقافة الاحترام المتبادل في بيئات العمل، والشوارع، ووسائل النقل، وحتى في الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث باتت الكلمة الطيبة صدقة، وترك الأذى واجباً إنسانياً ودينياً، لنسعد في العاجل والآجل، ونرتفي بأخلاقنا إلى أسمى المراتب.










