د. محمد عادل محمد سعيد يكتب: محاولات فكرة الذكاء الاصطناعي في السبعينات والثمانينات: هل كانت النواة الحقيقية لـ ChatGPT وما بعدها من أدوات؟
مقالات للرأي

مقدمة:
حين نتحدث اليوم عن ChatGPT وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، يبدو الأمر وكأنه قفزة مفاجئة ظهرت عام 2022. لكن الحقيقة أن هذه الأدوات هي ثمرة مسار طويل من المحاولات والإخفاقات والإحياء، وأن عقدي السبعينات والثمانينات كانا من أكثر مراحل هذا المسار ثراءً وتناقضاً. السؤال الذي تطرحه هذه المقالة: هل كانت أفكار تلك الحقبة هي النواة الحقيقية لما نراه اليوم؟ والإجابة المختصرة: هي جذر فكري وثقافي مهم، لكنها ليست الجذر التقني المباشر. وسنوضح لماذا.
أولاً: الخلفية — ولادة المجال
بدأ مصطلح «الذكاء الاصطناعي» رسمياً في ورشة دارتموث عام 1956 بمبادرة من جون مكارثي ومارفن مينسكي وآخرين ومنذ البداية انقسم الباحثون إلى مدرستين:
- المدرسة الرمزية (Symbolic AI): ترى أن الذكاء يمكن تمثيله بالرموز والقواعد المنطقية، وأن الآلة تفكر بمعالجة هذه الرموز.
- المدرسة الاتصالية (Connectionist): تستلهم عمل الدماغ، وترى أن الذكاء ينشأ من شبكات من الوحدات البسيطة المتصلة تتعلم من البيانات.
هيمنت المدرسة الرمزية على السبعينات والثمانينات، بينما بقيت المدرسة الاتصالية على الهامش حتى عودتها القوية لاحقاً. وهذه النقطة هي مفتاح الإجابة عن سؤال المقالة.
ثانياً: لغات البرمجة القديمة للذكاء الاصطناعي
لغة Lisp
ابتكر جون مكارثي لغة Lisp عام 1958 (ونشر وصفها النظري عام 1960)، وهي ثاني أقدم لغة برمجة عالية المستوى لا تزال مستخدمة بعد Fortran وسبب ارتباطها بالذكاء الاصطناعي هو بنيتها: فالبرنامج والبيانات يُكتبان بالصيغة نفسها (القوائم المتداخلة)، مما يسهّل كتابة برامج تعدّل برامج أخرى وتعالج الرموز بمرونة. وقد أضافت الدوال العودية والتجميع التلقائي للذاكرة (Garbage Collection) أفكاراً صارت لاحقاً معياراً في لغات كثيرة مثل Python وJavaScript.
في السبعينات والثمانينات ازدهرت Lisp في مختبرات MIT وستانفورد، وظهرت آلات Lisp (Lisp Machines)، وهي حواسيب متخصصة صُممت لتشغيل هذه اللغة بكفاءة، وبيعتها شركات مثل Symbolics وLisp Machines Inc. وتوّج هذا المسار بمعيار Common Lisp في أواخر الثمانينات.
لغة Prolog
ظهرت Prolog (اختصار Programmation en Logique) عام 1972 في جامعة مرسيليا على يد ألان كولمرويه وفيليب روسيل، بدافع معالجة اللغة الطبيعية، وبالاستناد إلى أفكار روبرت كوالسكي في البرمجة المنطقية وهي لغة تصريحية: بدل أن تكتب للحاسوب خطوات التنفيذ، تصف له الحقائق والقواعد، ثم تسأله، فيستنتج الإجابة بنفسه عبر الاستدلال المنطقي.
مثال مبسط على روح اللغة:
أب(أحمد, علي).
أب(علي, سامي).
جد(X, Z) :- أب(X, Y), أب(Y, Z).
إذا سألت: «من جد سامي؟» استنتج النظام أنه أحمد. وقد اختارتها اليابان لتكون لغة مشروع «الجيل الخامس» الطموح عام 1982.
ثالثاً: ماذا أنجزت تلك الحقبة؟
برامج المحادثة المبكرة
قبل الحقبة بقليل، أنتج جوزيف وايزنباوم برنامج ELIZA (1966) الذي حاكى معالجاً نفسياً بقواعد مطابقة نصوص بسيطة، ومع ذلك أوهم كثيراً من مستخدميه بأنه يفهمهم، وهي ظاهرة سُميت لاحقاً «تأثير إليزا» ثم جاء SHRDLU لتيري وينوغراد (حوالي 1970–1972) الذي فهم أوامر بالإنجليزية في عالم مكعبات افتراضي محدود كانت هذه أولى محاولات «التحاور مع الآلة»، وهي الفكرة التي يجسدها ChatGPT اليوم.
النظم الخبيرة
كان النجاح التجاري الأكبر في السبعينات والثمانينات هو النظم الخبيرة (Expert Systems)، وهي برامج تحاكي خبيراً بشرياً في مجال ضيق عبر آلاف القواعد من نوع «إذا… فإن…». ومن أشهرها:
- DENDRAL (منتصف الستينات وما بعدها): لتحديد التراكيب الكيميائية.
- MYCIN (السبعينات): لتشخيص عدوى الدم واقتراح المضادات الحيوية، وقد أظهر أداءً قريباً من أداء الأطباء المتخصصين في بعض التقييمات.
- XCON/R1 (أوائل الثمانينات): نظام استخدمته شركة DEC لتهيئة طلبات حواسيبها، ووُصف بأنه وفّر عليها ملايين الدولارات سنوياً.
وفي تلك الفترة استثمرت الشركات والحكومات بكثافة، وانتعشت سوق آلات Lisp ومشروع الجيل الخامس الياباني.
رابعاً: لماذا انهارت الموجة؟
واجهت المقاربة الرمزية عقبات جوهرية:
- هشاشة المعرفة: كل قاعدة تُكتب يدوياً، ومن الصعب جمع «الفطرة السليمة» (Common Sense) في قواعد.
- صعوبة التوسع: كلما كبر النظام تعقدت القواعد وتضاربت.
- غياب التعلم: لا يتحسن النظام من التجربة، بل يحتاج إلى مبرمج يعدّله.
- قيود العتاد: الحواسيب آنذاك ضعيفة قياساً بمتطلبات الذكاء الحقيقي.
وتزامن ذلك مع انتقادات حادة؛ ففي بريطانيا أدى تقرير لايتهيل (1973) إلى تقليص التمويل الحكومي للبحث في الذكاء الاصطناعي ثم جاء «شتاء الذكاء الاصطناعي» الثاني في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات مع انهيار سوق آلات Lisp وتراجع النظم الخبيرة وتعثر المشروع الياباني.
خامساً: هل هي النواة الحقيقية لـ ChatGPT؟
للإجابة بإنصاف، يجب التفريق بين ثلاثة مستويات.
1) المستوى التقني: لا، ليست النواة المباشرة
لا يعمل ChatGPT بقواعد مكتوبة يدوياً ولا بمحركات استدلال منطقي كما في Prolog. إنه نموذج لغوي كبير مبني على بنية المحوّلات (Transformers) التي قدمها فاسواني وزملاؤه عام 2017 ويتعلم إحصائياً من كميات هائلة من النصوص، ثم يُضبط بالتعلم المعزز من التغذية الراجعة البشرية. وجذوره التقنية تعود إلى المدرسة الاتصالية: الشبكات العصبية، وخوارزمية الانتشار الخلفي التي أعاد روميلهارت وهينتون وويليامز تقديمها عام 1986 وشبكة هوبفيلد (1982) وشبكات LSTM (1997) ، ثم نماذج GPT ومن المفارقة أن هذه الجذور نشأت في الثمانينات نفسها، لكن في الجناح الذي كان مهمشاً.
2) المستوى الفكري: نعم، إرث مهم
رغم الفارق التقني، ورثت الأدوات الحديثة من تلك الحقبة أموراً جوهرية:
- الأسئلة نفسها: هل تفهم الآلة؟ كيف نمثل المعرفة؟ كيف نحاور الحاسوب بلغة طبيعية؟
- أفكار برمجية: العودية والتجميع التلقائي للذاكرة والبرمجة الوظيفية من Lisp، ومفهوم التصريح بالمطلوب لا بالخطوات من Prolog.
- فكرة النظام الخبير: أي مساعد متخصص في مجال بعينه، وهو ما نراه اليوم في المساعدات الطبية والقانونية المبنية على النماذج الكبيرة.
- دروس التقييم: تحذير وايزنباوم من الانخداع بالمظهر الحواري كان نبوءة لما نناقشه اليوم عن «الهلوسة» وتوهم الفهم.
3) المستوى التاريخي: دروس الصعود والهبوط
علّمت تلك الحقبة المجال أن المبالغة في الوعود تنتهي بخيبة أمل، وأن القفزات الحقيقية تحتاج إلى بيانات ضخمة وقدرة حاسوبية لم تكن متوفرة آنذاك. كما أن التعلم من البيانات تفوق في النهاية على كتابة المعرفة يدوياً، وهو ما صاغه ريتشارد ساتون في مقالته الشهيرة «الدرس المرير» عام 2019.
سادساً: عودة الرمزية في صورة جديدة
من المثير أن الفكرة الرمزية لم تمت. فالبحث الحالي يتجه إلى الذكاء الاصطناعي العصبي-الرمزي (Neuro-symbolic AI) الذي يجمع قدرة الشبكات العصبية على التعلم مع صرامة المنطق والاستدلال كما أن أدوات مثل الاسترجاع المعزز بالمعرفة (RAG) والرسوم المعرفية (Knowledge Graphs) تعيد إلى الواجهة فكرة تمثيل المعرفة التي اشتغل عليها جيل Lisp وProlog.
خاتمة:
لم تكن محاولات السبعينات والثمانينات النواة التقنية المباشرة لـ ChatGPT، فمحرك هذه الأدوات خرج من المدرسة الاتصالية التي كانت آنذاك على الهامش. لكنها كانت الأرض الفكرية التي طُرحت فيها الأسئلة الكبرى، وكانت مختبراً كشف حدود القواعد اليدوية، وهو ما دفع المجال نحو التعلم من البيانات. وبهذا المعنى يصح القول إن ChatGPT ابن شرعي لتاريخ طويل، ورث عن الرمزيين أسئلتهم وأحلامهم، وعن الاتصاليين أدواتهم وحلولهم.










