د. محمد ممدوح عبد الله يكتب: ماذا لو كان لدينا مائة مسؤول بهذه الرؤية؟ تأملات في حديث الرئيس خلال منتدى مصر 2026
مقالات للرأي

سعدت بمشاركتي في فعاليات منتدى مصر 2026، وبصفة خاصة حضور جلسة «مسيرة الطاقة المصرية: إنجازات وطنية وآفاق المستقبل»، والاستماع إلى السادة وزراء البترول والكهرباء والمالية، ونخبة من الخبراء والمتخصصين، بحضور دولت رئيس مجلس الوزراء، وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية.
كانت جلسة ثرية بالمعلومات والأرقام، تناولت واقع قطاع الطاقة المصري، وما تحقق من إنجازات، وحجم التحديات التي تواجه الدولة في ظل الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الإقليمية والعالمية، وتأثيرها على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصاد والمواطن المصري.
لكن ما شد انتباهي لم يكن حجم الأرقام أو طبيعة التحديات وحدهما، وإنما الفارق بين امتلاك المعلومة والقدرة على توصيلها، وبين إدارة الملفات والقدرة على شرحها للمواطن وكسب ثقته.
فبرغم تقديري لما عرضه السادة الوزراء والخبراء من جهود ومعلومات، فإن لغة العرض ظلت في بعض جوانبها أقرب إلى لغة المتخصصين، بما تحمله من مصطلحات فنية واقتصادية، ربما لا تصل بسهولة إلى المواطن البسيط، الذي يتحمل في النهاية جانبًا من تبعات القرارات والسياسات الاقتصادية.
وهنا جاءت إحدى أهم رسائل الرئيس خلال الجلسة، عندما أكد ضرورة مخاطبة المواطنين بلغة يفهمونها، وكشف الحقائق كاملة أمام الرأي العام، حتى يدرك المواطن حجم التحديات، وطبيعة الأزمة، والأعباء التي تتحملها الدولة، والأسباب الحقيقية وراء القرارات التي تنعكس على حياته اليومية.
واللافت أن الرئيس لم يكتفِ بتوجيه هذه الرسالة، بل قدم بنفسه، من وجهة نظري، نموذجًا عمليًا لما يقصده.
فقد أمسك بخيوط الحديث، وانتقل من التفاصيل الفنية إلى الصورة الكلية، مستعرضًا تطور أزمة الطاقة منذ عامي 2012 و2013، مرورًا بخطط المواجهة منذ عام 2014، وما استلزمته من تمويل واستثمارات وإنشاء بنية أساسية، وصولًا إلى التحديات الحالية المرتبطة بالإنتاج والاستيراد والأسعار العالمية والالتزامات المالية.
وما أثار إعجابي بصورة خاصة هو قدرته على استحضار الأرقام والتواريخ والأحداث، وربطها ببعضها في تسلسل منطقي متماسك، دون أن تتحول الأرقام إلى مجرد بيانات جامدة يصعب على المواطن استيعابها.
لم يكن يستعرض أرقامًا منفصلة، وإنما كان يوظفها في تفسير الأحداث، وتوضيح أسباب القرارات، وشرح العلاقة بين الماضي والحاضر وما يمكن أن يترتب عليهما في المستقبل.
تحدث عن أزمة الطاقة بوصفها جزءًا من منظومة أوسع، تربط الاقتصاد بالسياسة، والاستثمار بالتمويل، والإنتاج المحلي بالأسواق العالمية، والأمن القومي بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
فارتفاع أسعار الطاقة عالميًا ليس مجرد حدث اقتصادي، وإنما حدث قد ينعكس على تكلفة الاستيراد، وأعباء الموازنة العامة، وتكلفة تشغيل المصانع، وأسعار السلع والخدمات، وصولًا إلى ميزانية الأسرة المصرية.
وتوقف عند تعقيدات الاستثمار في قطاع الطاقة، ومنها أن بعض المشروعات والعمليات الاستثمارية قد تستغرق من خمس إلى سبع سنوات حتى تظهر نتائجها، بما يوضح الفارق بين اتخاذ القرار اليوم وجني ثماره بعد سنوات.
وهنا تحديدًا لفت انتباهي أسلوب التحليل؛ إذ كان ينتقل بين الأرقام والقرارات والتحديات، ثم يعود ليربطها بحياة المواطن، وكأننا أمام خريطة مترابطة لملف بالغ التعقيد، لا مجرد عرض لقطاع اقتصادي منفرد.
ومن واقع اهتمامي بالإدارة والتنمية وبناء القدرات المؤسسية، أرى أن هذا النوع من العرض يكشف أهمية امتلاك المسؤول للرؤية الشاملة، وقدرته على فهم العلاقات المتبادلة بين الملفات، وعدم التعامل معها باعتبارها جزرًا منعزلة.
كما استوقفني استحضار الرئيس لهذا القدر من التفاصيل الرقمية والتاريخية أثناء الحديث، وهو ما ترك لديّ انطباعًا بمتابعة دقيقة واهتمام شخصي بتفاصيل الملف، وبالقدرة على الانتقال من الجزئيات إلى التحليل الكلي ثم العودة إلى آثارها العملية على حياة الناس.
لقد كان حديثًا يجمع، في تقديري، بين معرفة التفاصيل والقدرة على التحليل والربط واستشراف التحديات، والأهم القدرة على تبسيط الصورة دون إفراغها من مضمونها.
وأثناء استماعي، وجدت نفسي أتساءل، وربما أتمنى:
ماذا لو كان لدينا مائة عبد الفتاح السيسي، بما رأيته خلال الجلسة من اهتمام بالتفاصيل، واستحضار للأرقام، ورؤية مترابطة للملفات، وإحساس بالمسؤولية الوطنية، داخل الحكومة ومختلف أجهزة الدولة؟
قد يرى البعض في هذا التساؤل مجاملة سياسية، لكنني أكتب انطباعًا شخصيًا صادقًا، يشهد الله على صدقه، لا أبتغي من ورائه رضا أحد ، وإنما أعبر عما شعرت به وما أتمناه لمصر.
وليس المقصود أن نتفق مع كل قرار أو سياسة، فالنقد الموضوعي والمساءلة ضروريان، وإنما أن نقدر الصفات القيادية الإيجابية حين نراها، وأن نسعى لتحويلها من قدرات فردية إلى ثقافة مؤسسية.
فالدولة لا ينبغي أن تعتمد في كفاءتها على قدرات شخص واحد، مهما كانت خبراته، وإنما على وجود مئات القيادات التي تمتلك الرؤية الشاملة والمعرفة والقدرة على اتخاذ القرار والتواصل مع المواطنين.
ومن هنا، أعتقد أن الرسالة الأهم التي ينبغي أن نخرج بها من هذه الجلسة تتجاوز قطاع الطاقة إلى كيفية تطوير منظومة الإدارة الحكومية وبناء الثقة المجتمعية.
فنحن بحاجة إلى الاستثمار الحقيقي في إعداد قيادات قادرة على التفكير الاستراتيجي والتحليل المتكامل، واستيعاب الأرقام، وفهم العلاقات بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتقديم المعلومات والحقائق بلغة بسيطة تحترم عقل المواطن.
كما نحتاج إلى تطوير الخطاب الحكومي بحيث لا يقتصر على استعراض المشروعات والإنجازات، وإنما يشرح أثرها الفعلي على حياة الناس، ويصارحهم بالتحديات والتكاليف والبدائل والنتائج المتوقعة، مع الاعتراف بما لم يتحقق وأسباب ذلك.
وأرى ضرورة أن تصبح مهارات التواصل المجتمعي جزءًا أساسيًا من معايير اختيار المسؤولين وتقييم أدائهم، وأن تتوسع الحكومة في عقد حوارات مباشرة ومنتظمة مع المواطنين، لا لمجرد إبلاغهم بالقرارات، وإنما للاستماع إلى تساؤلاتهم ومخاوفهم والاستفادة من مقترحاتهم.
كذلك يجب تعزيز دور المجتمع المدني باعتباره شريكًا في بناء الوعي والثقة، وقناة لنقل صوت المواطن، وداعمًا للمبادرات المحلية التي تخفف أعباء الطاقة، وخاصة حلول الطاقة الشمسية والبيوجاز وترشيد الاستهلاك، مع إعطاء أولوية للأسر الأكثر احتياجًا، وتشجيع الأبحاث والابتكارات المرتبطة بالطاقة المستدامة.
وأتمنى أن نرى آليات مؤسسية واضحة لترجمة مخرجات منتدى مصر إلى سياسات وبرامج ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وأن تتكرر هذه المساحات من الحوار والمصارحة والمتابعة، مع توسيع مشاركة الشباب والخبراء والمجتمع المدني.
لقد خرجت من الجلسة بقناعة أكثر رسوخًا: أن بناء الثقة بين الدولة والمواطن لا يقل أهمية عن بناء محطات الكهرباء ومشروعات الطاقة، وأن امتلاك الحقائق وحده لا يكفي، ما لم نمتلك القدرة على شرحها وإقناع الناس بها، والاستماع إلى آرائهم بشأنها.
وأتمنى أن تصبح الرؤية الشاملة، والإحاطة بالتفاصيل، واستحضار الأرقام، والقدرة على التحليل والربط والتواصل بلغة المواطن، ثقافة يومية لدى المسؤولين في مختلف مؤسسات الدولة.
فمصر لا تحتاج فقط إلى مشروعات قوية، بل إلى مؤسسات قوية، وقيادات واعية، ومواطن يمتلك المعرفة والثقة والقدرة على المشاركة.
وربما كانت هذه، بالنسبة لي، أهم رسالة خرجت بها من منتدى مصر 2026.









