مقالات الرأى

د راندا رزق تكتب: يوم في حضرة التاريخ: حين تبتسم القبة للزمان

مقالات للرأي

ثمة أيام لا تمر كسائر الأيام سدى، ولا تقاس بساعاتها، بل تقاس بمقدار ما تتركه في الروح من أثر، وما تحفره في ذاكرة الزمن من أفق.
هي أيام نشعر فيها ونحن نتنفس هواءها، إننا لا نعيش المشهد فحسب، بل نقف شهودا على صفحة تكتب للتاريخ.
في صباح الإثنين، السادس والعشرين من أكتوبر لعام ألفين وستة وعشرين، لم تكن قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة مجرد مكان يستقبل زواره؛ بل كانت هيكلا حيا يفيض جلالا، ويهتز شوقا للحظة فارقة. فتحت الجامعة عبير أبوابها لتستقبل معالي السيد أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، في زيارة لا تشبه الزيارات، بحضور الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس الجامعة، ومعالي الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية. خطوت نحو القاعة، وكان الشعور يملأ نفسي بأنني لست زائرة في محفل رسمي تقليدي، بل أنا قبس من حضور شهد تمام المائة عام ويفيض من مجد هذا الصرح.
رفعت بصري كالعادة نحو القبة الشاهقة.. تلك القبة التي لم تكن يوما سقفا من حجر، بل سماء معلقة بالأمجاد. تحت هذه القبة، تعاقبت الأجيال، وسكنت أصداء أهم العصور، ووقف قادة وملوك، وأنشد شعراء، وأضاء علماء بفكرهم ظلمات الجهل. وحين تكلم رئيس الجامعة عن جلال المكان وعظمته، لم تكن كلماته مجرد صياغات بلاغية؛ بل كانت شجنا صادقا ينبض بالحب، كمن يتغنى بيته الأول ومغرس فكره. حينها أدركت يقينا أن هذه القاعة ليست للتشريفات، بل هي ذاكرة وطن تنسبك فيها الأزمنة لتصبح عنوانا للخلود.
ففي عام ألفين وسبعة عشر، ومع استهلال ولايته الأولى، زار الأمين العام جامعة القاهرة.. واليوم، في عام ألفين وستة وعشرين، وهو يضع لمسات الختام على رحلته في قمة المنظمة الدولية، يعود ليقف في المكان ذاته! كأن القبة كانت كتابا مفتوحا شهد الإشراق ويشهد الختام ، وكأن الرجل أراد أن يختم مسيرته الدولية من حيث تنبض منارة الشرق. وما كان من السيد رئيس الجامعة إلا أن قابل هذا الوفاء بوفاء أعمق؛ حين وجه إليه دعوة مفتوحة ليظل بيت العلم هذا مأواه وملجأه فكريا حتى بعد ترك المنصب.. فالجامعة العريقة لا تحتفي بالألقاب الزائلة، بل تحتضن القيمة والإنسان.
لم يكن اللقاء مجرد سطر في كتاب الدبلوماسية، بل كان نبضا حيا لمستقبل نبنيه. وبوصفي أستاذة نذرت جزءا من رحلتها الأكاديمية لعالم المسؤولية المجتمعية والإعلام التربوي، كنت أرى أهداف التنمية المستدامة تتجسد أمامي ليست كأوراق تتلى، بل كمناهج تدرس، ورؤية حية تتسرب إلى وجدان طلابنا.
فحين يتم سرد هذا الإنجاز في حضرة رأس المنظمة الأممية، هذا إعلان صريح بأن جامعتنا ليست على هامش العالم، بل هي في قلب صناعة المسار.
وحين اعتلى الأمين العام المنبر، سكنت القاعة كأن على رؤوسنا الطير. تكلم بإجلال عميق لأساتذة الجامعة وطلابها، راسما بمفرداته لوحة تقطر تقديرا. قالها صريحة: مصر هي محور العالم.. محور استراتيجي بموقعها، وأكاديمي بعلمائها، وثقافي بحضارتها. في تلك اللحظة، تلفت حولي، فرأيت بريق الفخر يلمع في أعين الطلاب، كأن كل واحد منهم يدرك الآن أنه يحمل ثقل هذا التاريخ ونور هذا المحور.
خرجت من سحر القاعة وفي صدري يقين يتجدد كلما عبرت هذه الأبواب: أن الجامعات العظيمة ليست كتلة من الحجارة والخرسانة، بل هي منارات للوعي وجسور تمتد بين الحضارات. بعد أكثر من قرن من الزمان، ما زالت جامعة القاهرة تعرف كيف تبهر العالم، وكيف تصنع الحدث، وكيف تذكر البشرية بأن العلم كان وسيظل أقصر الطرق وأجملها نحو التنمية والسلام. شكرا لجامعتنا العريقة.. على يوم أهدتنا فيه شرف الحضور، وسجلته بحروف من نور في ذاكرة التاريخ.

زر الذهاب إلى الأعلى