مقالات الرأى

د.علي المبروك أبوقرين يكتب: حين تستعيد إفريقيا عافيتها

مقالات للرأي

في ذكرى تأسيس الاتحاد الإفريقي لا تبدو الصحة قضية قطاعية تخص وزارات الصحة وحدها، ولا ملفا فنيا يمكن اختزاله في عدد المستشفيات والأطباء والأسرة والأدوية، إنما تبدو الصحة واحدة من أكثر القضايا التي تختبر قدرة القارة الإفريقية على أن تتحول من جغرافيا تجمع دولا متجاورة إلى كيان يمتلك إرادة مشتركة ومستقبلا مشتركا ومصيرا صحيا مشتركا. فقد تأسس الاتحاد الإفريقي رسميا في ديربان بجنوب إفريقيا في يوليو 2002 خلفا لمنظمة الوحدة الإفريقية، بعد مسار سياسي بدأ بإعلان سرت عام 1999 واعتماد القانون التأسيسي في لومي عام 2000، وكانت غايته الكبرى بناء إفريقيا أكثر وحدة وقدرة على مواجهة تحدياتها، وما من تحد يختبر هذه القدرة مثل الصحة، لأن المرض لا يعترف بالحدود، والوباء لا ينتظر التأشيرة، والفقر لا يحترم الخرائط، والضعف الصحي في دولة إفريقية يمكن أن يتحول في زمن قصير إلى تهديد لدول وقارات بأكملها. إفريقيا ليست مريضة لأنها تفتقر إلى الأطباء والعلماء فقط، ولا لأنها لا تملك مستشفيات أو جامعات وإنما لأن جزءا كبيرا من منظوماتها الصحية ظل تاريخيا محكوما بالتجزؤ والتبعية وضعف التمويل وعدم التكافؤ بين المدن والأرياف وبين الدول والمجتمعات، مع عبء مزدوج من الأمراض المعدية والمتوطنة من جهة والأمراض غير السارية من جهة أخرى إلى جانب الأمهات والأطفال وسوء التغذية والأمراض المدارية المهملة والصحة النفسية والإصابات والحوادث والتهديدات الوبائية الجديدة. وتزداد الصورة تعقيدا مع التغير المناخي والنزاعات والنزوح والفقر الحضري والهجرة وتلوث البيئة وضعف المياه والصرف الصحي، وهي كلها عوامل لا تعالجها المستشفيات وحدها لأنها في أصلها مشكلات اجتماعية وبيئية واقتصادية وسياسية تتقاطع داخل الإنسان نفسه. ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن يقدمه الاتحاد الإفريقي للصحة ليس أن يكون مؤسسة إضافية فوق المؤسسات الوطنية، وإنما أن يكون العقل القاري الذي يساعد إفريقيا على حماية نفسها صحيا، وأن يحول التعاون من رد فعل مؤقت عند وقوع الكارثة إلى قدرة دائمة على التنبؤ والوقاية والاستعداد والاستجابة والتعافي. ومن هنا جاءت أهمية المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها Africa CDC، الذي أصبح أحد أهم الأذرع الفنية للقارة في الترصد الوبائي والاستجابة للطوارئ وتعزيز المختبرات وتبادل المعلومات وبناء القدرات. لقد علمتنا جائحة كوفيد-19 أن الأمن الصحي لم يعد شأنا وطنيا خالصا، وأن الدولة التي لا تستطيع معرفة ما يحدث في حدودها الصحية في الوقت المناسب قد لا تستطيع حماية شعبها في الوقت المناسب، وأن امتلاك البيانات والمختبرات والكوادر وسلاسل الإمداد والقدرة التصنيعية أصبح جزءا من الأمن القومي مثل الغذاء والطاقة والدفاع. لكن السيادة الصحية الإفريقية لا يمكن أن تكتمل بمكافحة الوباء بعد ظهوره، لأن القارة التي تستورد معظم ما تحتاجه من الأدوية واللقاحات والمستلزمات والتقنيات والمعارف الحساسة تظل معرضة للاعتماد على الآخرين مهما امتلكت من برامج صحية. ولهذا فإن وكالة الأدوية الإفريقية AMA تمثل خطوة ذات معنى استراتيجي نحو بناء فضاء دوائي إفريقي أكثر تنظيما، وتوحيد المعايير الرقابية، وتحسين سلامة الدواء، ومواجهة الأدوية المغشوشة، وتشجيع التصنيع الدوائي داخل القارة. إن الدواء في إفريقيا ليس مجرد سلعة تجارية، وإنما جزء من الأمن الصحي، واللقاح ليس مجرد منتج صناعي، وإنما أداة من أدوات السيادة، والسيادة الصحية لا تعني أن تغلق إفريقيا أبوابها أمام العالم إنما تعني أن تدخل العالم من موقع الشريك وليس من موقع المستهلك الدائم. إفريقيا تحتاج إلى الجامعات العالمية ومراكز البحث والتقنيات الحديثة والخبرات الطبية المتقدمة والتعاون الدولي لكنها تحتاج قبل ذلك إلى بناء مؤسساتها العلمية والصحية القادرة على استيعاب هذه المعرفة وتطويرها وإنتاج معرفة جديدة منها. التعاون الطبي الحقيقي ليس أن يأتي العالم إلى إفريقيا كلما ظهر مرض، أو أن تذهب إفريقيا إلى العالم كلما احتاجت إلى علاج، وإنما أن تتأسس شراكات طويلة المدى في التعليم الطبي والبحث العلمي والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والطب الجيني واللقاحات والأدوية والوبائيات والصحة العامة، بحيث تصبح إفريقيا شريكا في صناعة المستقبل الطبي. وهنا تظهر أهمية الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية باعتبارها ضرورة علمية وعملية. فالقارة تعرف أمراضها وظروفها السكانية والبيئية والاجتماعية بصورة لا يستطيع أي نموذج مستورد أن يعرفها بالقدر نفسه. ومن حق إفريقيا أن تطور نماذجها الخاصة في الرعاية الصحية الأولية، وصحة الأم والطفل ومكافحة الأمراض المعدية والأمراض غير السارية والصحة النفسية والطب الريفي والطب عن بعد والرعاية المنزلية وإدارة الكوارث وأن تستخدم التكنولوجيا الحديثة لتجاوز المسافات الهائلة التي تفصل المجتمعات عن الخدمات المتخصصة. والتحدي الأكبر ربما لا يكمن في بناء مستشفى جديد وإنما في بناء الإنسان الذي يستطيع أن يدير المستشفى ويستخدم التقنية ويحسن القرار ويبحث ويبتكر ويحمي المريض. فإفريقيا تحتاج إلى الاستثمار في الطبيب والممرض والقابلة والصيدلي وفني المختبر والمهندس الطبي وعالم الوبائيات والإداري والباحث، وتحتاج إلى أن تتحول جامعاتها ومراكزها الطبية إلى مؤسسات لإنتاج المعرفة وليس مجرد مؤسسات لمنح الشهادات. كما تحتاج إلى أن تتعامل مع هجرة الكفاءات الصحية باعتبارها قضية قارية وأن تجعل من تحسين ظروف العمل والتعليم والبحث والمسار المهني جزءا من استراتيجية الأمن الصحي الإفريقي. ومن الخطأ أن تختزل النهضة الصحية في زيادة الإنفاق على العلاج لأن الصحة تبدأ قبل المستشفى بوقت طويل. تبدأ من الماء الآمن والغذاء السليم والسكن والبيئة والتعليم والعمل والطرق الآمنة والتطعيم ومكافحة التدخين والسمنة والخمول والعوامل البيئية، وتبدأ من قدرة الدولة على اكتشاف المرض قبل أن يتحول إلى مضاعفات، ومن قدرتها على حماية المجتمع قبل أن يتحول التفشي المحدود إلى وباء. لذلك فإن إفريقيا تحتاج إلى الانتقال من اقتصاد المرض إلى اقتصاد الصحة، ومن علاج النتائج إلى منع الأسباب، ومن المستشفى باعتباره نقطة البداية إلى الرعاية الصحية الأولية باعتبارها خط الدفاع الأول، ومن البيانات المتأخرة إلى أنظمة الإنذار المبكر، ومن الاستجابة المنفردة إلى الأمن الصحي الجماعي. وفي هذا السياق يصبح الاتحاد الإفريقي مساحة لبناء ذاكرة صحية مشتركة للقارة، وقواعد بيانات مشتركة وشبكات مختبرات ومنظومات إنذار مبكر وبرامج تدريب مشتركة ومراكز تميز إقليمية وقدرات تصنيع دوائي ولقاحي، وأطر موحدة للرقابة الدوائية، وآليات مشتركة للطوارئ والإمداد، وتعاونا عابرا للحدود في الأمراض التي لا يمكن لدولة واحدة أن تواجهها منفردة. إن إفريقيا لا تحتاج إلى أن تنتظر المرض كي تتحد، فالمرض نفسه يمكن أن يكون أحد دوافع الوحدة. فإن البكتيريا والفيروسات والأوبئة والتغير المناخي والتلوث والهجرة وسلاسل الإمداد والأمراض المزمنة أعادت تذكير الجميع بأن الجسد الإفريقي واحد في هشاشته، وأن حماية صحة الإنسان الإفريقي لا يمكن أن تكون مشروعا وطنيا منعزلا فقط. وفي ذكرى تأسيس الاتحاد الإفريقي هل تستطيع إفريقيا أن تنتج المعرفة التي تحمي إنسانها والتقنية التي تعالج مرضه والدواء الذي يحتاجه واللقاح الذي يمنع عنه الوباء والنظام الصحي الذي يضمن له الرعاية عندما يمرض، والسياسات الصحية التي تمنع مرضه قبل أن يبدأ؟ حين تستطيع إفريقيا أن تجيب عن هذه الأسئلة بالإرادة والعلم والاستثمار والتكامل، تكون قد بدأت فعلا في بناء سيادتها الصحية. وحين يصبح المواطن الإفريقي قادرا على الحصول على الرعاية الآمنة والعادلة في بلده، وحين يصبح الطبيب الإفريقي قادرا على البحث والابتكار في جامعته، وتصبح القارة قادرة على إنتاج جزء متزايد من دوائها ولقاحاتها وتقنياتها، وتتحول الحدود من حواجز أمام التعاون إلى جسور لحماية الصحة، عندها فقط لا يكون الاتحاد الإفريقي مجرد ذكرى لتأسيس مؤسسة سياسية، وإنما يكون خطوة تاريخية نحو استعادة إفريقيا قدرتها على حماية الإنسان الإفريقي. فالقارة التي تريد أن تبني نهضتها لا تستطيع أن تفعل ذلك بأجساد مريضة وأنظمة صحية هشة. فالتنمية تبدأ بالإنسان والإنسان يبدأ بالعافية والعافية أحد شروط التنمية. وربما يكون مستقبل إفريقيا الحقيقي هو اللحظة التي تدرك فيها أن أعظم ثرواتها ليست ما تختزنه الأرض تحتها وإنما الإنسان الذي يمشي فوقها وأن حماية هذا الإنسان صحيا هي حماية لمستقبل القارة كلها.

زر الذهاب إلى الأعلى