عبدالفتــــــــــــاح الجبـــــــــــالى يكتب: الإصلاحات الضريبية بين الكفاءة الإقتصادية والعدالة الإجتماعية
مقالات للرأي
تقدمت الحكومة المصرية بمجموعة من الإقتراحات لتعديل قوانين الضرائب على الدخل والقيمة المضافة والإجراءات الضريبية ورسم تنمية الموارد، في إطار حزمة التسهيلات الثانية، وذلك بهدف تحسين المناخ الإستثماري وتعزيز الثقة بين الإدارة الضريبية ومجتمع الأعمال والإرتقاء بالنظام الضريبي، وكلها أهداف ضرورية ومهمة، ولكن يبقى التساؤل أين العدالة الإجتماعية من هذه الإجراءات؟ فمن المعروف أن النظام الضريبي الكفء هو الذي يُساعد فى إيجاد مناخ جيد للاستثمار وتحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة الضريبية، مع توفير الموارد المالية اللازمة لخزانة الدولة لتمويل الإنفاق العام (بشقيه الجاري والإستثماري) ناهيك عن الإنفاق الإجتماعي في آن واحد. شريطة أن يتحقق ذلك في إطار من التنسيق والتناغم بحيث لا يطغى هدف على آخر.
فالأصل في الضريبة أنها فريضة عامة في حق كل دخل يتحقق في البلد لأنها الموارد التي تمول منها الدولة الخدمات التي لا يمكن أن تستأدى مقابلها من المواطنين الذين يستخدمونها مثل الدفاع والأمن والقضاء والصحة العامة.. إلخ. وتكتسب خصوصيتها من كونها إحدى أدوات السياسة المالية التي تمكن الدولة من تنفيذ سياساتها الإقتصادية والإجتماعية الهادفة إلى رفع مستوى معيشة ورفاهة المواطنين. كما أنها تعكس الموارد المالية المتاحة للحكومة والتي يمكن استخدامها في تمويل الخدمات العامة وتلك التي عادة لا يقبل على توفيرها القطاع الخاص.
وبالتالي فالسياسة الضريبية الكفء هي التي تتمكن من توليد زيادات في الإيرادات بما يتواكب مع النمو في الدخل الأسمى دون تغييرات متواترة في معدلات الضرائب أو إدخال ضرائب جديدة.
ومع ذلك هناك تكاليف كثيرة لفرض الضرائب، فالضريبة تؤثر في الأسعار النسبية في الإقتصاد وكذلك في أنماط الإنتاج والإستهلاك والدخل، ولذلك يجب أن تفرض على أوسع وعاء ممكن. ورغم ذلك فهناك تكاليف اقتصادية يجب على الحكومات مراعاتها عند التحرك نحو الإصلاح يأتي على رأسها الأثر على تخصيص الموارد لتعزيز النمو والإنتاجية، وذلك عن طريق إزالة التشوهات التي تحول دون توجيه الموارد إلى القطاعات الأكثر إنتاجية ويضمن أن يتخذ القرار الإستثماري وفقا لمعايير الجدوى الإقتصادية وليس لأسباب ضريبية. إذ أن رفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، تتطلب استخدام أدوات السياسة الإقتصادية عموما والضريبية منها على وجه الخصوص بطريقة سليمة. وبالتالي يجب أن يراعى النظام الضريبي الملاءمة الزمنية لفرض الضرائب وكذلك الملاءمة المكانية.
كما ينبغي مراعاة الأثر على العدالة الضريبية فكلما كان الوعاء الضريبي واسعا ومحايدا وكانت الإيرادات الضريبة مستقرة، كانت هناك فرص أكبر للإصلاح وهو ما يتطلب تحديد مفهوم الدخل الخاضع للضريبة وكيفية معاملة الأنواع المختلفة من الدخول والإستقطاعات والإعفاءات وهيكل أسعار الضريبة وعدد الشرائح، وكلها أمور تعكس العدالة الضريبية، ويتطلب معرفة من يتحمل العبء، فمن يتحمل عبء الضريبة ليس بالضرورة هو من يقوم بدفعها.
فالضرائب تؤثر على المتعاملين المختلفين فى السوق وفقا لمرونتهم النسبية. فكلما زادت المرونات السعرية للعرض أو الطلب، زاد احتمال أن شخصا آخر سوف يتحمل عبء الضريبة غير الذي قام بدفعها. فعند فرض ضريبة على الإستهلاك يختلف من يتحمل عبء الضريبة (المنتج أم المستهلك) وفقا لمرونة الطلب والعرض على السلعة، كذلك عندما تفرض ضريبة على أرباح الشركات، فإن العبء قد لا يقع بالضرورة على مالكي الشركة وقد ينتقل جزء منه إلى عملائها أو العاملين بها.
يضاف إلى ذلك يجب الإلتزام بالعدالة الضريبية وشموليتها وعدم فرض ضرائب على الفقراء ومحدودي الدخل، وبالتالي التحول من التركيز على الضرائب غير المباشرة إلى الضرائب المباشرة. حيث أن الأولى تفرض على الإستهلاك وليس على الدخل، ونظرا لأن الأغنياء يدخرون الجزء الأكبر من دخولهم فإنها تؤدى إلى زيادة الفقر مالم يراع ذلك في هيكل الضريبة وسلة استهلاك الأسر.
إذ أن الوضع القائم حاليا يشير إلى أن الفئات الأقل دخلا والذين يسهل الوصول إليهم مثل موظفي الحكومة، غالبا ما يدفعون ضرائب أكثر مما تدفعه الفئات الأعلى دخلا والتي لا يسهل الوصول إلى مصادر دخلها مثل أصحاب المهن الحرة ورجال الأعمال وغيرهما. كما أن التهرب والتجنب الضريبي منتشر بين هذه الفئات بشدة نظرا لقدرتهم على التأثير.
ولهذا يجب أن يكون التشريع الضريبي واضحا ليحقق للممول قدرا من اليقين، يمكنه من أن يعلم إلتزاماته الضريبية على نحو مؤكد، كما يُفضل أن تكون التعديلات فى القوانين الضريبية قليلة قدر الإمكان، تلافيا لما قد تحدثه كثرة التعديلات من ارتباك، سواءً للممول أو الإدارة الضريبية. كما يجب أن يتصف بالشفافية، وأن تكون قواعده واضحة ومفهومة، وقائمة على أسس قانونية، بحيث تكون واضحة الصياغة جيدة التعريف سهلة الفهم مستقرة. مع وجود وسيلة مستقلة وذات كفاءة لحل المنازعات مع السلطات الضريبية، بما يحقق الثقة والإحترام المتبادل بين الممولين والسلطات الضريبية.
كما يجب أن يتسم النظام الضريبي بالإتساق مع القوانين الأخرى للدولة والقواعد الدولية المتعارف عليها، حتى لا يؤثر سلبيا على قرارات الإستثمار، ولا يعوق سير الأعمال، وأن يتمتع النظام الضريبي بالمرونة والإستجابة السريعة للتغيرات الإقتصادية والإجتماعية داخل الدولة. كما يجب أن يراعى الملاءمة أى يجب أن تُحصّل الضريبة فى الفترة وبالأسلوب الأكثر ملاءمة للمكلف بالضريبة، بحيث يتمكن من أداء الضريبة المستحقة عليه بطريقة مناسبة وفى الوقت المناسب.
من هذا المنطلق ونظرا لكثرة التعديلات التي أدخلت على قانون الضرائب فإن الأجدى هو العمل على إصدار قانون جديد بدلا من القائم حاليا يأخذ بعين الإعتبار كل التعديلات وأيضا التغييرات التي جرت على الساحة المحلية والدولية.










