الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: تأثير ” الهوية الثقافية ” على مستقبل اللغة العربية !
مقالات للرأي

من المفارقات أن بعض متحدثي اللغة العربية يتعاملون معها باعتبارها لغة أقل مكانة من اللغات الأجنبية، ويستبدلون كلماتهم وكتاباتهم بها بل يحرصون على إظهار انتمائهم الثقافي إلى الآخر، وكأن التقدم مرتبط بالتخلي عن لغتهم الأم !
وهنا يبرز ما يمكن تسميته «عقدة الفرنجه » بفتح الفاء ، باعتبارها أزمة ثقافية واجتماعية تتجاوز حدود اللغة إلى خلل في الثقة بالنفس والهوية الثقافية !
إن اللغة العربية واحدة من أعرق لغات العالم، وتنتمي إلى عائلة اللغات السامية، التي تضم لغات ذات جذور تاريخية مشتركة، من بينها العبرية والآرامية والكلدية وتشهد النقوش القديمة على امتداد تاريخها إلى ما قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام بعدة قرون !
وتحولت عبر العصور إلى لغة للعلم والفلسفة والأدب والترجمة، وأسهمت في نقل المعارف الإنسانية وتطويرها.
ويتجاوز اليوم عدد المتحدثين بالعربية، وفق تقديرات تختلف باختلاف طريقة الاحتساب، نصف مليار متحدث حول العالم، إذا أخذنا في الاعتبار الفصحى واللهجات المحلية.
كما تتمتع العربية بمكانة دولية مهمة، فهي إحدى اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة.
ومع ذلك، تواجه اللغة العربية تحديًا يرتبط بمكانتها في حياة بعض مستخدميها وبدلًا من أن تكون أداة طبيعية للتواصل والإبداع والإنتاج المعرفي، أصبح استخدامها في بعض البيئات الاجتماعية والتعليمية والتجارية أقل جاذبية من استخدام اللغات الأجنبية وإن كان هذا لا يعني الاستعانة باللغات الأجنبية ضعفًا في الانتماء، حيث أن إتقان الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما من اللغات يمثل ميزة حقيقية في عالم مفتوح تتسارع فيه حركة المعرفة والاتصال .
و لكن تبدأ المشكلة عندما يتحول تعلم لغة أخرى من وسيلة لاكتساب المعرفة إلى معيار للحكم على قيمة الإنسان وثقافته، أو عندما يُنظر إلى التحدث بالعربية باعتباره علامة على التخلف أو محدودية التعليم !
إن هذه النظرة الدونية تنتقص من ثقة الإنسان بلغته عندما يقاس التقدم بعدد الكلمات الأجنبية التي يستخدمها، وليس بالقدرة على إنتاج المعرفة، وتطوير التعليم، والابتكار، والمشاركة في الحضارة الإنسانية!
كما أضافت العولمة الرقمية أبعادًا جديدة إلى أزمة اللغة العربية عندما أصبح الفضاء السيبراني، بيئة يومية لتلقي المعلومات وتبادل الأفكار.
وفي هذه البيئة، تحضر الإنجليزية بقوة في كثير من المجالات التقنية والعلمية، وهو ما يمنحها تأثيرًا واسعًا في أنماط التعبير لدى الأجيال الجديدة !
وقد ساهم انتشار الكتابة بالعربية بحروف لاتينية، المعروفة باسم «الفرنكوآراب»، في إبعاد بعض الشباب عن الكتابة باللغة العربية بحروفها الأصلية، كما يمثل انتشار المدارس الدولية تحديًا آخر يستحق المناقشة، خاصة عندما تصبح اللغة الأجنبية محورًا أساسيًا للتعليم، بينما تتراجع مكانة اللغة العربية في الممارسة اليومية أو يُنظر إليها باعتبارها مادة دراسية ثانوية و المطلوب هو تحقيق التوازن بين اكتساب المهارات بلغات مختلفة والحفاظ على الكفاءة في اللغة الأم، بحيث يتخرج الطالب قادرًا على فهم العلوم الحديثة ومناقشتها باللغة الأجنبية، وفي الوقت نفسه قادرًا على التعبير بالعربية السليمة، والقراءة النقدية، والكتابة، وفهم تراثه الثقافي.
ويأتي الإعلام في مقدمة المؤسسات القادرة على إعادة تشكيل الذوق العام وترسيخ أنماط التعبير وهو أداة للتنوير والتثقيف وبناء الوعي.
وعلى الرغم من هذا نلاحظ في بعض القنوات والمنصات الإعلامية اتجاهًا إلى اختيار أسماء أجنبية، حتى عندما يكون المحتوى موجهًا أساسًا إلى جمهور عربي، وكأن الاسم الأجنبي يمنح المؤسسة جاذبية لا يمكن تحقيقها باسم عربي.
و يمتد الأمر إلى الإعلانات واللافتات التجارية وأسماء المشروعات العقارية حيث تختار بعض الشركات أسماء أجنبية لمنتجاتها ومشروعاتها، اعتقادًا بأن الاسم الأجنبي أكثر قدرة على جذب المستهلك أو إيصال صورة عن الفخامة والحداثة
و تكريس الاعتقاد بأن الرقي مرادف للفرنجة !
ولمواجهة أزمة العربية المطلوب مشروع ثقافي وتعليمي وإعلامي متكامل يعيد للغة العربية مكانتها الطبيعية في الحياة العامة.
ويبدأ ذلك بتطوير مناهج تدريس العربية ، وربطها بالقراءة والإبداع والتفكير النقدي والتطبيقات الرقمية.
كما ينبغي تشجيع إنتاج محتوى عربي جذاب ينافس عالميًا، وتطوير المصطلحات العلمية والتقنية، ودعم الترجمة والتأليف والنشر.
وللإعلام دور أساسي في هذا المجال، من خلال الالتزام بلغة عربية سليمة وحيوية، وتشجيع استخدام الأسماء العربية في البرامج والحوارات من دون إقصاء اللغات الأخرى.
كذلك يمكن للمؤسسات التعليمية ومراكز البحث أن تتبنى سياسات تحافظ على حضور العربية في اللافتات والمواقع والإعلانات، مع إتاحة اللغات الأجنبية حين تقتضي الحاجة.
إن اللغة العربية وعاء للذاكرة والثقافة وأداة لصياغة المستقبل بحيث تصبح العربية لغة للعلم والعمل والابتكار والإنتاج !









