د مصطفى رفعت يكتب: «مصرُ دارُكم، وأهلُها أهلُكم، وقلوبُنا وبيوتُنا مشرعةٌ لاستقبالكم»
مقالات للرأي
إلى إخواننا وأحبتنا وأهلنا من أبناء المملكة العربية السعودية الشقيقة، ضيوف أرض الكنانة، وأبناء بلاد الحرمين الشريفين، الذين حالت ظروف إلغاء الرحلات الجوية وتعليق حركة السفر دون عودتهم إلى ديارهم وأهليهم:
سلامٌ عليكم من أرض مصر، سلامُ أخوَّةٍ لا تحدُّها الحدود، ومودةٍ لا تقطعها المسافات، ووفاءٍ لا تغيِّره الحوادث، وإخاءٍ لا تنقض عُراه الشدائد.
اعلموا، حفظكم الله ورعاكم، أنكم لستم في أرض غربة، ولا بين قومٍ غرباء، ولا في ديارٍ تستثقل مقامكم أو تضيق بضيافتكم؛ وإنما أنتم في مصر، أرض الكنانة، ودار العروبة، وموطن الأزهر الشريف، وبين إخوانٍ لكم في الدين، وأهلٍ لكم في العروبة، وأحبةٍ لكم في المودة والوفاء.
فمصرُ بلدُكم الثاني، بل هي بلدُكم الذي لا تحتاجون فيه إلى استئذان أخٍ، ولا إلى تكلُّف ضيف؛ وبيوتُنا بيوتُكم، وموائدُنا موائدُكم، وما وسعتْه أيدينا من معروفٍ فهو لكم مبذول، وما انفتحت له صدورُنا من مودةٍ فأنتم به أولى وأحق.
وإنَّا لنقولها لكم بلسان الأخوَّة الصادقة، وبضمير المصري الذي يعرف لأهل الحرمين الشريفين قدرهم، ويحفظ للمملكة العربية السعودية مكانتها:
لا يحملنَّ أحدُكم همَّ مقامٍ أو ضيافةٍ أو مؤونةٍ أو حاجةٍ نستطيع قضاءها؛ فما دمتم بيننا فأنتم أهل الدار، ونحن إخوانكم، وما بين الإخوة لا تحكمه حسابات الضيافة، وإنما تحكمه حقوق المودة، وواجبات النصرة، ومكارم الأخلاق.
وإن صدورنا لكم منشرحة، وقلوبنا بكم عامرة، وأبواب بيوتنا مفتوحة، وأيدينا ممدودة بما نستطيع من عونٍ ومساعدةٍ وإكرام، حتى يأذن الله بانكشاف هذه الظروف، وعودة كل مسافرٍ إلى أهله وبلده سالمًا مطمئنًّا.
وما كانت مصر، في تاريخها الممتد، إلا دارًا للأشقاء، وموئلًا للمحتاج إلى الأمن، وملاذًا للمستجير، وميدانًا تتجلى فيه معاني النجدة والنخوة والكرم؛ وما كان أبناء المملكة العربية السعودية في قلوب المصريين إلا أهلًا وأحبةً وإخوةً تجمعنا بهم عقيدة واحدة، وقبلة واحدة، وتاريخ من المودة والتواصل والتناصر.
وإنَّ ما يصيب بلاد الحرمين الشريفين من خوفٍ أو تهديدٍ أو عدوانٍ، وما يروِّع قاصدي البيت الحرام والمسجد النبوي الشريف، ليس شأنًا يخصُّ أهل المملكة وحدهم؛ بل هو موضع ألمٍ واهتمامٍ لكل مسلمٍ يعظِّم حرمات الله، ويجلُّ شعائره، ويعرف للحرمين الشريفين منزلتهما في وجدان الأمة.
وإننا لنستنكر أشد الاستنكار كل استهدافٍ لمكة المكرمة أو المدينة المنورة، أو للمطارات والمرافق المدنية والمنشآت الخدمية والحيوية، وكل اعتداءٍ من شأنه ترويع الآمنين، أو تعريض المعتمرين والزائرين وقاصدي الحرمين الشريفين للخطر، أو المساس بأمن المدنيين والعسكريين والمنشآت التي تقوم عليها مصالح الناس وحياتهم.
كما نستنكر الاعتداءات المنسوبة إلى مليشيات الحوثي، وندين كل عملٍ عدوانيٍّ يستهدف أمن المملكة العربية السعودية أو سلامة أهلها والمقيمين فيها وزائريها، ونؤكد أن حرمة الدماء، وصيانة الأنفس، وأمن الحرمين الشريفين وقاصديهما، من المقاصد العظيمة التي لا يجوز التهاون فيها.
فحرمةُ الحرمين ليست موضعَ مساومة، وأمنُ قاصديهما ليس مجالًا للمغامرة، وترويعُ الآمنين ليس سبيلًا إلى حقٍّ ولا عنوانًا لقوة؛ وإنما هو اعتداءٌ على حقوقٍ عظيمةٍ جاءت الشرائع بصيانتها، وأوجبت المروءات حفظها ورعايتها.
ونثمِّن كل جهدٍ تبذله القيادة المصرية ومؤسسات الدولة المختصة في حماية الأمن والاستقرار، ورعاية الأشقاء، وتيسير شؤون العالقين والمتأثرين باضطراب حركة الطيران، وتعزيز التعاون والتنسيق مع المملكة العربية السعودية وسائر الدول الشقيقة؛ سائلين الله أن يكلل هذه الجهود بالحكمة والسداد، وأن يجعلها سببًا في دفع الأخطار، وحفظ الأرواح، وإعادة الطمأنينة إلى النفوس.
وإننا، من أرض مصر المباركة، نرفع أكفَّ الضراعة إلى الله جلَّ جلاله:
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، بلاد الحرمين الشريفين، بحفظك الذي لا يرام، واكلأها بعينك التي لا تنام، وأدم عليها نعمة الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والرخاء والاستقرار.
اللهم احفظ مكة المكرمة وبيتَك الحرام، واحفظ المدينة المنورة ومسجدَ نبيك عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، واحفظ قاصديهما من الحجاج والمعتمرين والزائرين، وأمِّن روعاتهم، واستر عوراتهم، وأعد المسافرين منهم إلى أهليهم سالمين غانمين.
اللهم احفظ المملكة قيادةً وشعبًا، وجنودًا وحماةً ومرابطين، واحفظ أرضها وسماءها ومطاراتها ومرافقها ومنشآتها، وادفع عنها وعن سائر بلاد المسلمين الفتن والمحن والاعتداءات، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اكفِ بلاد الحرمين الشريفين شرَّ كل من أراد بها أو بأهلها أو بمقدساتها سوءًا، وردَّ عنها كيد المعتدين، وأطفئ نار الفتن والحروب، واحقن الدماء، وأصلح أحوال الأمة، واجمع كلمتها على الحق والعدل والسلام.
اللهم احفظ مصر وأهلها وقيادتها وجيشها ومؤسساتها، وأدم عليها أمنها واستقرارها، وألِّف بين قلوب الشعبين المصري والسعودي، وزد أواصر الأخوَّة بينهما رسوخًا، وعرى المحبة توثيقًا، وأسباب التعاون والتناصر نماءً ودوامًا.
وختامًا، يا أهلنا وأحبتنا من أبناء المملكة العربية السعودية:
لا تستوحشوا مقامًا بين إخوانكم، ولا تستثقلوا سؤالًا عن حاجة، ولا تجعلوا اضطراب الرحلات الجوية سببًا لشعورٍ بالغربة أو الوحشة؛ فإن لكم في مصر أهلًا يسرُّهم أن يكرموكم، وإخوانًا يسعدهم أن يعينوكم، وقلوبًا تدعو لكم بالسلامة والطمأنينة وحسن العودة.
فإن حالت الطائرات دون وصولكم إلى دياركم، فلن تحول الحوادث دون وصولكم إلى قلوبنا؛ وإن أُغلقت مسالك السفر حينًا، فإن مسالك المودة مفتوحة، وأبواب الأخوَّة مشرعة، وبيوت المصريين لإخوانهم من أهل المملكة لا تضيق بإذن الله.
وقاعدتنا الجامعة في هذا المقام:
«إذا أغلقت النوازلُ أبوابَ الأسفار، فتحت الأخوَّةُ أبوابَ الديار؛ وإذا ضاقت بالمسافر سُبُلُ العودة، اتسعت له صدورُ الإخوان؛ فالبلادُ بالأمن تُصان، والأممُ بالتراحم تتماسك، والأخوَّةُ عند الشدائد تُعرف، والوفاءُ عند الملمات يُمتحن».
حفظ الله مصر والمملكة العربية السعودية، وحفظ الحرمين الشريفين، وأدام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين الأمن والإيمان، والسلامة والإحسان.










