مقالات الرأى

د.علي المبروك أبوقرين يكتب: من تباين الأنظمة الصحية إلى وحدة الرؤية والمصير

مقالات للرأي

لم تعد النظم الصحية في العالم تواجه أزمات منفردة يمكن احتواؤها بإجراءات مؤقتة أو خطط قطاعية محدودة وإنما أصبحت تعمل في بيئة تتشابك فيها الحروب والاضطرابات الاقتصادية والتحولات التكنولوجية والأوبئة والكوارث الطبيعية وتغيرات المناخ واضطراب سلاسل الإمداد ونقص الكوادر الصحية المؤهلة وتآكل البنية التحتية. وتتراكم آثار هذه الأزمات حتى تتجاوز قدرة المؤسسات الصحية التقليدية على الاستجابة، وتكشف أن صحة المجتمعات لم تعد قضية خدمات طبية تقدم داخل المستشفيات وإنما أصبحت قضية أمن إنساني واستقرار اجتماعي وتنمية اقتصادية وقدرة وطنية على الصمود والاستمرار. وفي منطقة العالم العربي تتجلى هذه الحقيقة بوضوح استثنائي إذ تتجاور أنظمة صحية تمتلك أحدث التقنيات والمستشفيات المتقدمة والقدرات التمويلية الكبيرة مع أنظمة أنهكتها الحروب والانقسامات، وأخرى تواجه اضطرابات سياسية وأزمات اقتصادية ممتدة، ومؤسسات تحاول تقديم خدماتها ببنية تحتية قديمة وموارد محدودة وكوادر تتناقص قدرتها على الاحتمال تحت ضغط الاحتياجات المتزايدة. غير أن هذا التباين على اتساعه لا ينبغي أن يكون مبررا لتجزئة الرؤية الصحية للمنطقة وإنما الدافع إلى بناء استراتيجية عربية واحدة تعترف باختلاف الواقع وتوحد الاتجاه وتحول تفاوت الإمكانات من مصدر للهشاشة إلى فرصة للتكامل والتقدم المشترك. إن الخطوة الأولى نحو هذه الاستراتيجية تبدأ من فهم الحقائق التشغيلية المختلفة للأنظمة الصحية ليس باعتبارها تصنيفات جامدة أو مراتب تفاضل بين الدول وإنما بوصفها حالات متغيرة قد ينتقل النظام الواحد بينها بفعل الحرب أو الانهيار الاقتصادي أو الإصلاح أو الاستثمار طويل الأجل. فهناك أنظمة تعمل تحت وطأة الصراع والدمار والنزوح وانقطاع الإمدادات، وتحتاج قبل كل شيء إلى ضمان استمرار الخدمات المنقذة للحياة وحماية العاملين والمرضى وإعادة تأهيل المرافق الأساسية. وهناك أنظمة تعيش حالة من عدم الاستقرار المؤسسي والسياسي، فتتراجع فيها القدرة على التخطيط وتضطرب فيها الإدارة والتمويل وتتزايد صعوبة الاحتفاظ بالكفاءات. وهناك أنظمة تعاني ضغوطا اقتصادية مزمنة وتواجه نقص الأدوية والمستلزمات وقطع الغيار والتمويل التشغيلي، حتى عندما تظل مؤسساتها قائمة وتستمر كوادرها في العمل. وفي المقابل توجد أنظمة صحية تتمتع بموارد مالية وتقنية وبنية مؤسسية متقدمة، وتمتلك فرصا حقيقية لتطوير البحث العلمي والتعليم الطبي والتصنيع الدوائي والخدمات التخصصية والابتكار الرقمي. وهذه الحقائق ليست عوالم منفصلة وإنما حلقات في مشهد عربي واحد، تتداخل مخاطره وتتقاطع احتياجاته ويمكن أن تتبادل أنظمته الصحية الخبرة والموارد والقدرات إذا توافرت الإرادة المؤسسية والرؤية المشتركة. إن المطلوب ليس إنشاء نموذج صحي موحد يفرض على جميع الدول بنية إدارية واحدة أو مستويات إنفاق متماثلة وإنما بناء منظومة تعاون عربية متكاملة تتفق على الغايات والمعايير الأساسية، وتترك لكل دولة اختيار الآليات التي تناسب ظروفها وقدراتها. فالوحدة الاستراتيجية لا تعني تطابق الأنظمة الصحية كما أن اختلاف الظروف لا يبرر غياب التنسيق. ويمكن أن تتأسس هذه الرؤية على حق الإنسان في الصحة، وضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للجميع وحماية المريض والعامل الصحي وتحسين جودة الرعاية وسلامتها، وتعزيز الوقاية والاستعداد للطوارئ، وتطوير التعليم والتدريب والبحث، وضمان استمرارية الإمدادات وبناء قدرات مؤسسية قادرة على التعلم والتكيف والتجدد. وعندما تتحول هذه المبادئ إلى التزامات قابلة للقياس يصبح ممكنا الانتقال من التعاون الموسمي المرتبط بالأزمات إلى شراكة مؤسسية تستمر قبل الكوارث وأثناءها وبعدها. ويقتضي ذلك تأسيس آلية عربية دائمة للتنسيق الصحي تضم وزارات الصحة والمؤسسات الأكاديمية والمستشفيات المرجعية والهيئات المختصة بالطوارئ والإمداد والرقابة والجودة، وتعمل وفق خريطة واضحة لقدرات الدول واحتياجاتها ومخاطرها. تبدأ مهمتها بإنشاء قاعدة بيانات عربية محدثة عن البنية التحتية الصحية والقوى العاملة وتخصصاتها والطاقة الاستيعابية للمستشفيات، ومخزونات الأدوية والمستلزمات، وقدرات المختبرات والتشخيص، ومراكز التدريب والبحث، ومصادر التصنيع والتوريد. ولا تكون هذه البيانات مجرد سجل إحصائي، وإنما أداة للتخطيط وتوقع النقص وتحديد الأولويات وتوجيه الموارد إلى حيث تحقق أكبر أثر صحي وإنساني. ومن خلال هذه المعرفة المشتركة يمكن بناء سيناريوهات للاستجابة للأوبئة والحروب والكوارث الطبيعية وانقطاع الطاقة والاتصالات والإمدادات، مع تحديد مسؤوليات كل جهة وطرق تفعيل الدعم المتبادل قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة يصعب احتواؤها. وفي قلب هذه الاستراتيجية ينبغي أن تتشكل شبكة عربية للتكامل بين المستشفيات والجامعات ومراكز التخصص، بحيث تصبح المؤسسات المتقدمة شريكا مستداما في تطوير المؤسسات الأقل قدرة وليست مجرد وجهة لإحالة المرضى أو محطة لاستقبال بعثات تدريبية قصيرة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال اتفاقيات مؤسسية طويلة الأجل تشمل الاستشارات السريرية عن بعد، والاجتماعات متعددة التخصصات والتدريب المشترك، والإشراف على الحالات المعقدة، وتطوير الأدلة والبروتوكولات السريرية، واعتماد برامج التعليم المستمر، ودعم المختبرات ومراكز التشخيص والبحث. ويجب أن تكون لهذه الشراكات أهداف محددة وموازنات معروفة ومؤشرات لقياس أثرها، مثل تقليل الوفيات الممكن تجنبها، وتحسين سلامة المرضى، وزيادة قدرة المستشفيات المحلية على التعامل مع الحالات المعقدة، وتقليص الإحالات الخارجية التي يمكن الاستغناء عنها بعد بناء الكفاءة الوطنية. وبهذه الطريقة تتحول الخبرة المتقدمة من امتياز محصور داخل حدود دولة إلى رصيد معرفي يرفع قدرة المنطقة بأكملها، من دون الانتقاص من سيادة الدول أو إضعاف مؤسساتها الوطنية. وتبقى القوى العاملة الصحية حجر الأساس في هذا البناء فلا قيمة للمباني الحديثة إذا غابت الكفاءات القادرة على تشغيلها، ولا جدوى من الأجهزة المتقدمة إذا لم تتوافر الخبرة اللازمة لاستخدامها وصيانتها، ولا يمكن ضمان سلامة المرضى بشهادات لا تسندها ممارسة سريرية راسخة وتدريب منظم. ولذلك تحتاج المنطقة إلى رؤية مشتركة للتعليم الطبي والتمريض والمهن الصحية، تبدأ من ضبط جودة القبول والمناهج والتدريب السريري، وتمر بتطوير أعضاء هيئة التدريس والتعليم بالمحاكاة والتقنيات الحديثة، وتصل إلى برامج الإقامة والتخصصات الدقيقة والتطوير المهني المستمر. كما تحتاج إلى نظام يحمي العاملين الصحيين في مناطق النزاع، ويتيح للنازحين منهم مواصلة التدريب والممارسة بصورة قانونية ومنظمة، ويمنع تحول الأزمات إلى استنزاف دائم للعقول والخبرات. وينبغي أن تقوم حركة الكفاءات على التعاون الطوعي والاتفاقات الواضحة والاعتراف المنضبط بالمؤهلات، مع تعزيز قدرة كل دولة على إعداد كوادرها والاحتفاظ بها، حتى لا يتحول التكامل العربي إلى طريق أحادي الاتجاه تنتقل عبره الكفاءات من الأنظمة الأضعف إلى الأنظمة الأقوى. وفي موازاة ذلك يصبح الأمن الدوائي والطبي شرطا لاستدامة الاستقرار الصحي. لقد أظهرت الأزمات المتلاحقة أن الاعتماد المفرط على سلاسل توريد بعيدة ومعرضة للانقطاع قد يحول نقصا تجاريا أو اضطرابا في النقل إلى تهديد مباشر لحياة المرضى. ومن ثم فإن التعاون العربي ينبغي أن يشمل إنشاء آليات للشراء التجميعي حيث يكون ذلك مجديا، وتبادل المعلومات حول الاحتياجات والمخزونات، وبناء احتياطيات استراتيجية موزعة جغرافيا من الأدوية الأساسية والمستلزمات الحرجة ومواد التشخيص وقطع الغيار، وتطوير شبكات نقل وتوزيع قادرة على العمل في الظروف الاستثنائية. كما ينبغي تشجيع التصنيع الدوائي والطبي العربي ونقل التكنولوجيا، وتوحيد المتطلبات الفنية والرقابية حيث تسمح الأطر القانونية، وتعزيز المختبرات المرجعية ومكافحة الأدوية المغشوشة والمهربة. ولا يتحقق الأمن الدوائي بمجرد امتلاك المصانع أو المستودعات وإنما بتكامل منظومة الجودة والتسجيل والرقابة والتخزين والتوزيع والتتبع، وبوجود خطط بديلة للطاقة والاتصالات والنقل تضمن وصول العلاج إلى المريض في الوقت المناسب. أما البنية التحتية فينبغي أن يعاد النظر إليها باعتبارها منظومة للمرونة والاستمرارية وليست مجرد مبان وأجهزة. فالمستشفى القادر على الصمود هو الذي يستطيع الحفاظ على الخدمات الأساسية عند انقطاع الكهرباء أو المياه أو الاتصالات، والذي يمتلك خطط تشغيل بديلة وأنظمة معلومات يمكنها مواصلة العمل عند تعطل الاتصال بالشبكات، ومخزونات مناسبة، وفرق صيانة هندسية وطبية مدربة، وقدرة على عزل المخاطر ومنع انتشار العدوى. ويشمل ذلك تحديث المرافق القديمة تدريجيا، وتطوير الطاقة الشمسية والحلول الاحتياطية، وتوسيع استخدام الوحدات الصحية المعيارية حيث تلائم الاحتياجات، وتحسين شبكات الإحالة والنقل الإسعافي، وتصميم المنشآت الجديدة وفق معايير الاستدامة وسلامة المرضى ومقاومة المخاطر. ويجب ألا يقتصر التخطيط على استعادة ما كان قائما قبل الأزمة، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء مرافق أكثر كفاءة ومرونة وملاءمة للتكنولوجيا الطبية المعاصرة وتوقعات المجتمعات. ولأن المرض لا ينتظر استكمال الإصلاحات المؤسسية فإن الاستراتيجية العربية مطالبة بإعطاء الوقاية والرعاية الأولية والصحة العامة مكانة مركزية، مع تعزيز الترصد الوبائي والمختبرات والإنذار المبكر والتأهب المشترك للأوبئة. فالتعاون في مكافحة الأمراض المعدية، ورصد مقاومة مضادات الميكروبات، ومواجهة الأمراض المزمنة، وتحسين صحة الأم والطفل، والاستجابة لمخاطر الغذاء والمياه والتلوث وتغير المناخ، يمكن أن يحقق فوائد تتجاوز حدود الدول التي تبدأ فيها التدخلات. وتتيح الصحة الرقمية فرصا واسعة لتبادل الخبرة والبيانات الصحية المجمعة بصورة آمنة، ودعم الاستشارات التخصصية والتدريب والتخطيط، شريطة احترام الخصوصية والسيادة الرقمية وضمان أمن المعلومات. إن الاستثمار في منع المرض واكتشافه مبكرا أقل تكلفة إنسانية واجتماعية من انتظار تفاقمه، وأكثر قدرة على حماية الموارد الصحية المحدودة من الاستنزاف المتكرر. ولكي تكتسب هذه الرؤية مصداقيتها ينبغي أن تقترن بآلية تمويل واضحة وعادلة تقوم على مسؤولية كل دولة عن تمويل نظامها الصحي، مع إنشاء مسارات تضامن عربي مخصصة لمساندة الدول التي تواجه الحروب والكوارث والانهيارات المفاجئة. ويمكن أن تتنوع هذه المسارات بين التمويل المشترك لمشروعات محددة، وصناديق الاستجابة الطارئة والدعم الفني وتوفير الإمدادات والمنح التدريبية وبرامج إعادة التأهيل. على أن تخضع جميعها لقواعد معلنة للحوكمة والشفافية والمساءلة، ولتقييم مستقل يقيس النتائج الصحية الفعلية لا حجم الأموال التي أنفقت أو عدد المؤتمرات التي عقدت. فالمساعدة الفاعلة ليست شحنة تصل مرة واحدة، أو جهازا يوضع في مستشفى بلا صيانة، أو اتفاقية تظل حبيسة الأدراج وإنما التزام طويل الأجل يربط التمويل بالتشغيل والتدريب والإمداد والمتابعة ونقل المعرفة وبناء القدرة المحلية. ولا ينبغي أن تنتظر المنطقة اكتمال هذه البنية العربية حتى تبدأ العمل فالانطلاق العملي ممكن عبر مشروعات تجريبية متزامنة تمثل الحقائق التشغيلية وتختبر نماذج للتوأمة بين المستشفيات والإمداد الطارئ، والتدريب المشترك، واستمرارية الخدمات الأساسية، ثم توسع التجارب التي تثبت فعاليتها. ويُمنح كل مشروع جهة مسؤولة وميزانية وجدولا زمنيا ومؤشرات أداء معلنة مع مراجعة دورية تسمح بتصحيح المسار وتبادل الدروس. وبهذا تتكون الاستراتيجية من إنجازات تراكمية قابلة للتحقق وليس من وعود واسعة تتأخر نتائجها حتى تفقد المجتمعات ثقتها بها. إن مستقبل الصحة في الدول العربية لا ينبغي أن يبقى رهينة تفاوت الثروات أو اختلاف الاستقرار أو المسافة بين مستشفى متقدم ومرفق يفتقر إلى أبسط مقومات التشغيل. فالمنطقة على الرغم من أزماتها، تمتلك موارد مالية وبشرية وعلمية وجغرافية يمكن أن تشكل أساسا لتكامل صحي واسع إذا أحسنت توجيهها وربطت بين قدرات دولها ومؤسساتها. والأنظمة المتقدمة تستطيع أن تعزز مكانتها العلمية والبحثية من خلال التعاون، والأنظمة التي تعاني الأزمات تستطيع استعادة قدراتها عندما تجد شراكات مستدامة، والدول ذات الموارد المحدودة تستطيع تحسين كفاءة الإنفاق وتوسيع الوصول إلى الخدمات من خلال التخطيط المشترك وتبادل الخبرات وتأمين الإمدادات. إن مصلحة كل نظام صحي تصبح أكثر رسوخا عندما تعمل الأنظمة المحيطة به بقدرة أكبر على الوقاية والاستجابة والصمود. إن الرؤية المنشودة ليست مشروعا لإدارة الأزمات وحدها وإنما مشروع لبناء مستقبل صحي عربي أكثر عدالة واستدامة ينتقل بالمنطقة من الاستجابة المتأخرة إلى الاستعداد المبكر، ومن العزلة المؤسسية إلى التكامل المنظم، ومن استنزاف الكفاءات إلى تنميتها وحمايتها، ومن الاعتماد الهش على الخارج إلى توسيع القدرة العربية على الإنتاج والابتكار. إنها رؤية تجعل اختلاف الظروف أساسا لتوزيع الأدوار وتكامل القدرات، وتجعل الحق في الصحة غاية مشتركة لا تتغير بتغير الحدود أو مستويات الدخل أو درجات الاستقرار. وعندما تتوافر الإرادة والحوكمة والتمويل والعمل القابل للقياس، تستطيع المنطقة أن تحول تجاربها القاسية إلى معرفة، وتنوعها إلى قوة ومواردها المتفاوتة إلى شبكة تضامن فعالة لتصبح الصحة جسرا للتعاون والاستقرار والتنمية، ومجالا عمليا تثبت فيه الدول أن مصير الإنسان الصحي لا ينبغي أن يظل معلقا بمكان ولادته أو الظروف التي تحيط به.

زر الذهاب إلى الأعلى