مقالات الرأى

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب: أكتوبر 73 … عبور لا ينتهي

مقالات للرأي

 

لم يكن نصر أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية انتهت بتحرير الأرض واستعادة الكرامة بل كان درساً استراتيجياً متكاملاً في الإرادة والتخطيط وإدارة المعلومات وتوحيد الجهود فقد أثبتت مصر أن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من إمكانات فحسب وإنما بقدرتها على توظيف هذه الإمكانات وإعداد الإنسان وتحويل التحديات إلى فرص للنجاح .

ومن هنا فإن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يقتصر على استعادة ذكريات البطولة بل يجب أن يمتد إلى استخلاص دروسها وتطبيقها في مواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل .

*جامعة القاهرة •• حين تلتقي الخبرة بطموح الشباب*

في هذا الإطار سعدت بالمشاركة في ندوة *( أكتوبر 73 •• عبور لا ينتهي)* التي نظمتها كلية التربية النوعية بجامعة القاهرة يوم الخميس 15 أكتوبر 2026 في مناسبة وطنية جمعت بين الخبرة العلمية والعسكرية ووعي الشباب والاعتزاز بتاريخ مصر .

أُقيمت الندوة برعاية الأستاذ الدكتور محمد سامي عبد الصادق رئيس جامعة القاهرة وبإشراف الأستاذ الدكتور محمد رفعت السركى نائب رئيس الجامعة لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة والأستاذ الدكتور طارق سمير عميد كلية التربية النوعية ونظمتها وأشرفت عليها الأستاذة الدكتورة راندا محمود رزق وكيلة الكلية لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة بالتعاون مع الأستاذة الدكتورة حنان إسماعيل وكيلة الكلية لشؤون التعليم والطلاب .

وشهدت الندوة مشاركة عدد من القيادات والخبرات كان من بينهم أنا بصفتى السابقه مساعداً لرئيس هيئة الاستخبارات العسكرية واللواء أركان حرب تامر عبد المنعم شوشة مدير كلية الدفاع الوطني الأسبق واللواء يحيى عبد الكريم مساعد وزير الداخلية الأسبق واللواء الدكتور راضي عبد المعطي مساعد وزير الداخلية الأسبق ورئيس جهاز حماية المستهلك السابق والدكتور مهندس وليد فهمي رئيس مجلس أمناء اتحاد رواد المحافظات الحدودية .

وأتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى جامعة القاهرة وقياداتها وإلى كلية التربية النوعية وعميدها ووكلائها وأعضاء هيئة التدريس والعاملين والطلاب على حسن التنظيم والاهتمام بترسيخ الوعي الوطني كما أقدّر ما قدمه الطلاب من أعمال فنية ومعرض للمشروعات وريادة الأعمال وفقرات موسيقية وطنية أكدت أن الفن والمعرفة والعمل يمكن أن تتكامل جميعها في خدمة الوطن .

*أكتوبر •• النصر الذي بدأ قبل المعركة*

لم يتحقق نصر أكتوبر بالمواجهة العسكرية وحدها بل سبقه إعداد طويل وتخطيط دقيق وعمل استخباراتي وتدريب متواصل وتنسيق بين مؤسسات الدولة وإيمان بقدرة الجندي المصري على تنفيذ المهمة مهما بلغت صعوبتها .

ومن واقع الخبرة العسكرية فإن أحد أهم دروس أكتوبر هو أن النجاح لا يبدأ لحظة اتخاذ القرار بل يبدأ قبلها بسنوات من الإعداد ودراسة الاحتمالات وفهم قدرات الخصم والاستعداد للمخاطر كما أن الشجاعة مهما بلغت لا تغني عن التخطيط وأن الإمكانات لا تحقق أهدافها إلا عندما تُدار بكفاءة وانضباط .

وهذه القاعدة لا تخص القوات المسلحة وحدها فهي ضرورية في التعليم والاقتصاد والإدارة ومواجهة الأزمات فالدولة التي تريد التقدم تحتاج إلى رؤية واضحة ومؤسسات تعمل بتكامل ومسؤول يعرف واجباته ومواطن يدرك أن العمل والإتقان مسؤولية وطنية .

وهنا يبرز السؤال كيف نحول ذكرى أكتوبر من مناسبة سنوية إلى منهج عمل يتجدد في المدارس والجامعات ومواقع الإنتاج ومؤسسات الدولة؟

الإجابة تبدأ بتطبيق دروسه في حياتنا اليومية التخطيط بدلاً من الارتجال والانضباط بدلاً من الفوضى والعمل الجماعي بدلاً من المصالح الفردية وتقييم النتائج بدلاً من الاكتفاء بالنوايا .

*هويتنا المصرية •• تاريخ نعتز به ومسؤولية نحملها*

إن بناء المستقبل لا يعني الابتعاد عن التاريخ كما أن الاعتزاز بالماضي لا ينبغي أن يتحول إلى الاكتفاء بأمجاده نحن أبناء مصر وأحفاد المصريين القدماء أصحاب حضارة أسهمت في مسيرة الإنسانية ومسؤوليتنا أن نحافظ على هذا الإرث بالعلم والعمل والإبداع .

والهوية المصرية ليست مجرد آثار أو رموز تاريخية بل هي لغة وثقافة وقيم وتجارب متراكمة وشخصية وطنية تشكلت عبر آلاف السنين وحمايتها لا تتحقق بالشعارات وحدها وإنما بتعليم الأجيال تاريخها بصورة صحيحة وتنمية قدرتها على التفكير النقدي وتعريفها بإنجازات وطنها وتحدياته حتى تستطيع التمييز بين المعلومة الموثوقة والشائعة المضللة .

إن احترام تاريخنا يفرض علينا أن ندرسه بأمانة وأن نستند إلى الأدلة والمعرفة وأن نقدم للأجيال صورة متوازنة تربط عظمة الماضي بواجب الحاضر فالأمم لا تعيش على تاريخها فقط بل تستمد منه الثقة التي تعينها على صناعة مستقبلها .

*كلية التربية النوعية •• الفن والمعرفة في خدمة الوطن*

تمتلك كلية التربية النوعية فرصة مهمة للإسهام في بناء الإنسان المصري فهي تجمع بين التعليم والفن والإعلام والممارسات الإبداعية ويمكن لهذا الدور أن يتجاوز حدود الأنشطة الاحتفالية إلى برامج مستمرة تُنمّي المواهب وتربط المعرفة باحتياجات المجتمع .

ومن المهم أن تتبنى الكلية مبادرات عملية من بينها تنظيم مسابقات سنوية لأفضل عمل فني أو إعلامي يوثق محطات من تاريخ مصر وإقامة ورش لريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة وإشراك الطلاب في مبادرات لخدمة المجتمع وتدريبهم على إنتاج محتوى رقمي موثوق يواجه الشائعات ويحمي الوعي الوطني .

كما ينبغي أن تتحول هذه الأنشطة إلى مسار مستدام تُقاس نتائجه بما يكتسبه الطلاب من مهارات وما يقدمونه من أعمال نافعة لا بعدد الفعاليات التي تُقام فقط .

فالموهبة التي لا تجد فرصة للتطوير قد تظل طاقة معطلة أما الموهبة التي تحظى بالرعاية والتدريب فتستطيع أن تتحول إلى مشروع ناجح أو ابتكار يخدم المجتمع .

*الأمن القومي يبدأ من وعي المواطن*

لم تعد التحديات التي تواجه الدول مقتصرة على الحدود أو المواجهات العسكرية فقد أصبحت المعلومات المضللة والاختراقات الرقمية ومحاولات بث الفرقة وفقدان الثقة من التحديات التي تتطلب وعياً مجتمعياً وقدرة على التحقق قبل إصدار الأحكام أو إعادة نشر الأخبار .

ولا يعني الوعي أن يصدق المواطن كل ما يُقال له بل أن يسأل ويتحقق ويقارن بين المصادر وأن يميز بين النقد المسؤول والشائعة التي تستهدف تضليل الناس أو الإضرار بالمجتمع .

وهنا تتكامل مسؤوليات الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات الدولة فكل مؤسسة تسهم في تشكيل عقل المواطن وكلما ارتفعت قدرته على الفهم والتحقق تراجعت فرص استغلاله أو دفعه إلى مواقف لا يدرك عواقبها .

أما الشباب فهم ليسوا مجرد متلقين للرسائل الوطنية بل شركاء في حماية المجتمع وصناعة مستقبله والمطلوب منهم أن يحولوا انتماءهم إلى سلوك يومي علم يتقنونه وعمل يخلصون فيه ومبادرة نافعة يطلقونها ومعلومة يتحققون منها قبل تداولها .

*من دروس أكتوبر إلى بناء الإنسان المصري*

إن الاستفادة الحقيقية من تجربة أكتوبر تقتضي الانتقال من الاحتفال إلى التطبيق ومن الكلمات إلى البرامج القابلة للقياس ويمكن للجامعات والمؤسسات التعليمية أن تبدأ بخطوات محددة كالتالى :

*١- تطوير الوعي بالتاريخ الوطني* :

تقديم أحداث مصر التاريخية في صورة علمية مبسطة تربط الوقائع بالدروس المستفادة .

*٢- اكتشاف المواهب ورعايتها* :

توفير فرص حقيقية للطلاب المبدعين وربط مشروعاتهم باحتياجات المجتمع وسوق العمل .

*٣- تعزيز الثقافة الرقمية* :

تدريب الشباب على التحقق من المعلومات وحماية بياناتهم والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا .

*٤- توسيع خدمة المجتمع*:

إشراك الطلاب في مبادرات ميدانية تعزز المسؤولية والانضباط والعمل الجماعي .

*٥- تقييم أثر الأنشطة*:

قياس ما تحققه البرامج من معرفة ومهارات ومشروعات والاستفادة من النتائج في تطويرها .

إن بناء الإنسان ليس مسؤولية وزارة أو مؤسسة واحدة إنه مشروع وطني تتكامل فيه الأسرة والتعليم والإعلام ومؤسسات الدولة وتظهر نتائجه في شخصية المواطن وقدرته على العمل والإبداع وتحمل المسؤولية .

*العبور الذي يبدأ من الإنسان*

لقد عبر جيل أكتوبر قناة السويس بإرادة لا تعرف الاستسلام وقدم للعالم درساً في أن التخطيط والعلم والانضباط والثقة بالقدرة الوطنية قادرة على تغيير الواقع .

واليوم تختلف طبيعة التحديات لكن جوهر المسؤولية لم يتغير فنحن بحاجة إلى عبور جديد لا يقتصر على مواجهة أزمة أو تجاوز عقبة بل يمتد إلى بناء إنسان واعىٍ وتعليم قادر على صناعة المبدعين ومجتمع يحترم العمل ودولة تستثمر في عقول أبنائها وتحمي هويتها .

إن حماية الوطن لا تبدأ عند الحدود وحدها بل تبدأ أيضاً في عقل الطالب وضمير العامل وإخلاص المسؤول وقدرة المواطن على التمييز بين الحقيقة والتضليل فالأمن القومي مسؤولية مؤسسية ومجتمعية وبناء الإنسان هو أحد أهم ضمانات استدامته .

لقد حرر جيل أكتوبر الأرض بإرادة وعلم وتخطيط وتقع على عاتق جيل اليوم مسؤولية عبور تحديات الجهل والتراجع وضعف الوعي بالعلم والعمل والإبداع فالأمم التي تعرف قيمة تاريخها وتحسن إعداد أبنائها وتستخلص الدروس من تجاربها هي الأقدر على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها .

*تحيا مصر بتاريخها العريق وبأبنائها المخلصين وبوعي شعبها وقدرتها الدائمة على العبور نحو مستقبل أفضل*

زر الذهاب إلى الأعلى