مقالات الرأى

د.محمد ممدوح عبدالله يكتب: من الفوضى إلى التميز: الإصلاح المؤسسي طريقنا إلى قمة الاستدامة المؤسسية

مقالات للرأي

 

هل تساءلنا يوما لماذا تنجح بعض المنظمات وتتألق بينما تتراجع أخرى رغم امتلاكها لنفس الموارد ؟ السر لا يكمن في منتج فريد أو فكرة عبقرية عابرة، بل في “العقل” الذي يحكم هذه المنظمة، إنه “الإصلاح المؤسسي” هذه الاصلاح ليس رفاهية إدارية أو شكليات بيروقراطية بل عملية تحسين مستمر، عملية تحويلية شاملة تنقل الكيان من كونه مجرد مجموعة أفراد يتصارعون يومياً مع وجود الفوضى، إلى مؤسسة متماسكة تعمل كاجهزة كالكائن الحي بانسجام ، بهدف واضح وقلب ينبض بالإجراءات وعقل يخطط للمستقبل.

فالإصلاح المؤسسي هو البنية التحتية لتحسين الاداء التنظيمي تخيل بناء ناطحة سحاب على أرض رخوة، هذا بالضبط ما تفعله المنظمة التي تهمل هذا الإصلاح إنه يشمل وضع الأسس الراسخة التي تبنى عليها كل العمليات: من أنظمة واضحة للعمل، وسياسات شفافة للتقييم والترقية، وتقنيات فعالة للتواصل الداخلي، وثقافة تنظيمية تقدر المساءلة والشفافية والتحسين المستمر دون هذه الأسس، ستظل الجهود مشتته ، والطاقات معطلة، والأهداف بعيدة المنال.
فالإصلاح هو الذي يحول الأهداف العامة إلى خطط عمل قابلة للقياس، ويحول الطاقات البشرية من صراعات داخلية إلى إبداع منتج.

ولا يمكن لأي عملية إصلاح أن تنجح دون توفر متطلبات أساسية، أبرزها الإرادة والرغبة للتطوير والقيادة الاستراتيجية التي تدفع بالتغيير وتؤمن به، و الرؤية الاستراتيجية الواضحة التي ترسم خارطة الطريق، بالإضافة الي اتاحه مشاركة جميع الأطراف من موظفين وإداريين لضمان ملكية التغيير ونجاحه، وأخيرا التقييم المستمر لقياس التقدم ومواءمة المسار هذه المتطلبات مجتمعة تشكل الوقود الذي يدفع عملية الإصلاح نحو بر الأمان.

وفي صلب هذه المتطلبات تأتي الحوكمة المؤسسية كمدخل حيوي وأساسي لا غنى عنه فالحوكمة ليست مجرد لوائح رقابية، بل هي النظام العصبي للمنظمة الذي يضمن تحقيق العدالة والشفافية والمساءلة هي الإطار الذي يحدد العلاقات بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والموظفين وأصحاب المصلحة، والعمل علي توزيع السلطات والمسؤوليات بشكل متوازن ومنع تركيز السلطة ويحد من المخاطر عندما تطبق الحوكمة بشكل سليم، فإنها تبني جسور الثقة داخل المنظمة وخارجها، وتخلق بيئة يتم فيها محاسبة المقصر ومكافأة المجتهد، مما يضع اللبنة الأولى لأي إصلاح حقيقي وطويل الأمد.

لذا، فإن الاستثمار في الإصلاح المؤسسي هو أنبل أنواع الاستثمار وأكثرها ربحية هو استثمار في البشر من خلال منحهم النظام الذي يمكنهم من إظهار أفضل ما لديهم هو استثمار في المستقبل من خلال بناء كيان قادر على الصمود والتكيف مع المتغيرات، وليس مجرد الاستجابة الانفعالية لها هو استثمار في السمعة التي تجذب أفضل المواهب وأثمن العملاء. الكفاءة ليست هدفا بعيدا، بل هي النتيجة الحتمية لبيئة عمل سليمة، والاحترافية ليست صفة نخبوية، بل هي ثقافة تنشئها الأنظمة التنظيمية العادلة والرؤية الواضحة
بالتأكيد، إليك فقرة ختام قوية تلخص دور الإصلاح المؤسسي كضرورة تنموية:

واخيرا ،لا ينبغي أن ننظر إلى الإصلاح المؤسسي على أنه رفاهية إدارية أو حاجة داخلية للمنظمات فحسب، بل هو ضرورة تنموية ملحة وأحد الركائز الأساسية لبناء مستقبل. المجتمعات فالمجتمعات لا تبنى بالأحلام والطموحات المجردة، بل بمؤسسات فاعلة تكون أدوات التنفيذ على أرض الواقع .إن قوة أي خطة تنموية – مهما كانت طموحة – تتحطم على صخرة المؤسسات الهشة والهياكل المتخلفة فالمنظمات داخل المجتمعات هي القلب النابض للاقتصاد والخدمات الاجتماعية ، كما انه الأدوات التي تترجم الاستراتيجيات الوطنية إلى مشاريع ملموسة، وإنجازات حقيقية، وخدمات فعالة، لذلك، فإن الاستثمار في إصلاح المؤسسات هو في جوهره استثمار في القدرة الجماعية للأمة على تحقيق طموحاتها ولا نغالي اذ قلنا إنه السبيل الوحيد لتحويل أحلام التنمية إلى واقع ملموس، فبدون مؤسسات قوية، تظل الخطط حبراً على ورق، وتبقى الأحلام حلماً بعيد المنال.

زر الذهاب إلى الأعلى