
وسط الحطام المتناثر، وصوت الأمهات وهنّ يودّعن أبناءهنّ دون وداع، يخيّم سؤال كبير على الوعي الفلسطيني والعربي: هل ما تشهده غزة الآن هو مجرد معركة بين إسرائيل وحماس؟ أم أننا أمام مشهد أكثر اتساعًا ودموية، عنوانه الحقيقي هو الإبادة الجماعية؟ الواقع أن ما نراه ليس مجرد ردّ عسكري، بل سياسة ممنهجة تتجاوز التنظيمات، وتستهدف الإنسان الفلسطيني أينما وُجد.
لا يمكن لأي عقل أن يقبل أن يكون استهداف المستشفيات، والمدارس، ومخيمات النازحين، مجرد “أضرار جانبية”. كل ما تفعله إسرائيل في غزة يشير إلى نية واضحة: كسر إرادة شعب بأكمله، وإعادة صياغة وجوده السياسي والجغرافي بالقوة. هذا ليس صراعًا على السلطة، بل محاولة لإعادة تعريف الوجود الفلسطيني من جذوره، وبالدم.
لكن وسط هذه الصورة السوداوية، لا مفر من طرح الأسئلة الصعبة، حتى لو آلمتنا. هل كانت حماس واعية لحجم الرد الإسرائيلي حين قرّرت ما قرّرت؟ وهل امتلكت في لحظة الصفر أدوات السياسة والحسابات الدقيقة، أم أن العاطفة الثورية كانت أقوى من التفكير الاستراتيجي؟ لا أحد يُنكر أن لها باعًا طويلًا في المواجهة، لكن لا بد من الاعتراف بأن البندقية وحدها، دون رأسٍ يخطط، قد تجرّ على أصحابها ما لا طاقة لهم به.
السياسة تظلّ ضرورية في لحظات كهذه. فحين تضعف الخيارات، وتصبح الكلفة البشرية عالية بهذا الشكل، يصبح التصرّف بعقلانية واجبًا لا ترفًا. وربما آن الأوان لأن تُفتح أبواب القرار الفلسطيني أمام كل العقول والخبرات، لا أن تبقى محتكرة داخل فصيل واحد، أو في أيدي من يُجيدون الحرب ولا يتقنون التفاوض.
لا أحد يطلب من المقاومة أن تُفرّط، أو أن تتنازل. لكن المطلوب هو ما يطلبه كل أمّ فلسطينية: أن تُدار المعركة بحساب، وأن يكون القرار مسؤولًا، وأن يعلو صوت الحياة قليلًا على ضجيج التكبير والانفعال. لسنا في اختبار بطولة، نحن في اختبار بقاء، والبقاء لا يُؤمَّن بالدم وحده.
المعادلة اليوم واضحة: الاحتلال لا يزال المجرم الأول، والمسؤول الأكبر عن هذه النكبة المفتوحة. لكن من الحكمة أن لا نُعفي أنفسنا من النقد، ولا نكابر في لحظات المفصل التاريخي. حان الوقت لأن نُراجع، لا من باب جلد الذات، بل من باب صيانة ما تبقّى من الحلم الفلسطيني.
ربما آن لغزة أن تتحوّل من رمز للدم المسفوك، إلى رمز لحكمة تُبنى على وجعها. وربما آن لفلسطين أن تُدار بقيادة تُجيد أكثر من لغة، وتفهم أن المعركة ليست فقط بالسلاح، بل بالصبر، وبالدهاء، وبالقدرة على جرّ العدو إلى المأزق لا جرّ الشعب إلى الجحيم.
وفي النهاية، لا أحد يُزايد على تضحيات غزة. لكننا نحلم لها، كما نحلم لفلسطين كلها، بأكثر من الصمود. نحلم لها بالبقاء، بالكرامة، بالبناء، وأن تخرج من هذه الحرب لا مجرد “قصة” تروى… بل كيانًا حرًا، حيًا، يعرف كيف يوجّه بندقيته، وكيف يختار لحظة الصمت والحديث، بحكمة المنتصر لا المتألم فقط.








