مقالات الرأى

الصحة الإفريقية والقوى العاملة الصحية

مقالات للرأي

القارات لا تُقاس بمساحاتها ولا بثرواتها الطبيعية فحسب إنما بما تملكه من قدرة على صون الحياة داخلها، وبما تبنيه من إنسان قادر على حماية إنسان. وفي هذا الميزان العميق تقف أفريقيا اليوم أمام سؤال مصيري لا يتعلق بالصحة بوصفها خدمة إنما بالصحة بوصفها معنى للوجود الإنساني ذاته، إذ لا يمكن لأمة أن تنهض ولا لقارة أن تستعيد دورها الحضاري ما لم تؤسس لنظام صحي متين يكون الإنسان فيه غاية ووسيلة في آن واحد.

تضم أفريقيا ما يقارب مليارًا ونصف المليار نسمة، وهي القارة التي تتحمل نحو 24% من عبء الأمراض العالمي في حين لا تمتلك سوى حوالي 3% فقط من القوى العاملة الصحية على مستوى العالم، في مفارقة تعكس خللًا بنيويًا عميقًا في توزيع الموارد الصحية عالميًا . هذا الاختلال لا يقف عند حدود المقارنة إنما يتجسد في واقع يومي تعجز فيه الأنظمة الصحية عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات. لقد شهدت القارة نموًا ملحوظًا في أعداد القوى العاملة الصحية، حيث ارتفع العدد من نحو 4.3 مليون في عام 2018 إلى ما يقارب 5.7 مليون عامل صحي في عام 2024، إلا أن هذا النمو لا يزال غير كافٍ لمواكبة الطلب المتزايد، إذ لا تغطي هذه الأعداد سوى نحو 46% من الاحتياج الفعلي . وبناءً على تقديرات قائمة على الاحتياجات الصحية الفعلية، فإن أفريقيا كانت تحتاج إلى نحو 9.75 مليون عامل صحي في عام 2022، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 11.8 مليون بحلول عام 2030، مع عجز متوقع يصل إلى حوالي 6.1 مليون عامل صحي . ولا يعكس هذا العجز مجرد نقص عددي بل يكشف عن فجوة هيكلية عميقة في تكوين المنظومة الصحية، حيث تتركز النسبة الأكبر من النقص في الفئات الأساسية: الأطباء والممرضين والقابلات والصيادلة وهي الفئات التي تمثل العمود الفقري لأي نظام صحي فعال. وتشير البيانات إلى أن القوى العاملة الصحية في أفريقيا، رغم نموها لا تزال بعيدة عن الحد الأدنى من الكثافة المطلوبة لتقديم الخدمات الصحية الأساسية، وهو ما يفسر استمرار ضعف التغطية الصحية في العديد من الدول.

وفي عمق هذا الواقع تتجلى مفارقة أكثر تعقيدًا تتمثل في وجود بطالة بين العاملين الصحيين بالتوازي مع النقص الحاد، حيث يُقدر أن نحو 943 ألف عامل صحي مدرب في أفريقيا كانوا خارج سوق العمل في عام 2024 رغم الحاجة الماسة إليهم داخل الأنظمة الصحية .

وهو ما يعكس خللًا في التخطيط والتوظيف وليس في القدرة على الإنتاج فقط. ويزداد المشهد تعقيدًا مع ظاهرة هجرة الكفاءات التي تستقطب عبرها الدول ذات الدخل المرتفع الكوادر الصحية المدربة في أفريقيا مما يؤدي إلى استنزاف مزدوج في فقدان الموارد البشرية من جهة، وإهدار الاستثمار التعليمي من جهة أخرى. وقد وُصفت هذه الظاهرة في بعض الأدبيات بأنها شكل من أشكال إعادة توزيع غير عادلة للمهارات الصحية على المستوى العالمي. أما البنية التعليمية الطبية فرغم التوسع الكمي الكبير في مؤسسات التعليم الصحي حيث ارتفعت القدرة الاستيعابية ومخرجات التعليم بنسبة تقارب 70% خلال السنوات الأخيرة، مع زيادة عدد الخريجين إلى أكثر من 255 ألف سنويًا، إلا أن هذا التوسع لم يُترجم دائمًا إلى جودة موازية .

ولا تزال التحديات قائمة في نقص التدريب السريري الحقيقي وضعف المستشفيات الجامعية وقلة الكوادر الأكاديمية المؤهلة وغياب الاعتماد الأكاديمي الصارم وهو ما يخلق فجوة بين المعرفة النظرية والكفاءة العملية.

ولا ينفصل ذلك عن واقع البحث العلمي حيث لا تزال مساهمة أفريقيا في الإنتاج العلمي الطبي العالمي محدودة للغاية، نتيجة ضعف التمويل وقلة البنية التحتية البحثية والاعتماد الكبير على التمويل الخارجي مما يجعل القارة في موقع المتلقي أكثر من المنتج للمعرفة. ومع ذلك فإن القارة لا تخلو من نماذج مضيئة يمكن البناء عليها كما في جمهورية مصر العربية وجنوب أفريقيا، حيث تتوفر خبرات تاريخية ومؤسسات تعليمية وبحثية متقدمة يمكن أن تتحول إلى مراكز إقليمية لنقل المعرفة وبناء القدرات بما يدعم التكامل الأفريقي في مجال التعليم والتدريب الصحي. ومن هنا يصبح التعليم الطبي ليس مجرد قطاع من قطاعات التنمية إنما هو نقطة الارتكاز التي يتوقف عليها مستقبل الصحة في القارة. فالقوى العاملة الصحية لا تُستورد إنها تُبنى عبر استثمار طويل الأمد في التعليم والتدريب، يبدأ من الجامعة ولا ينتهي إلا في بيئة عمل مهنية عادلة ومحفزة. كما أن تحقيق الاكتفاء والاستدامة يتطلب إعادة تعريف التعليم الطبي ليكون تعليمًا ذا جودة عالمية، قائمًا على النزاهة الأكاديمية، والانفتاح البحثي، والتكامل الإقليمي. إن أفريقيا اليوم لا تحتاج فقط إلى زيادة أعداد الخريجين إنما إلى بناء منظومة متكاملة تربط بين التعليم والخدمة والبحث، وتعيد الاعتبار للإنسان بوصفه محور النظام الصحي. كما تحتاج إلى سياسات جادة لمعالجة اختلالات سوق العمل الصحي ووقف نزيف الكفاءات وتحسين بيئة العمل بما يجعل البقاء خيارًا ممكنًا، إن أزمة الصحة في أفريقيا ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة إدارة واستثمار في الإنسان لأن النظام الصحي مهما بلغت تقنياته يظل عاجزًا إن لم يقم على كفاءات بشرية مؤهلة. ومن هنا فإن الطريق إلى النهوض يبدأ من إعادة بناء الإنسان علميًا ومهنيًا، لأن الاستثمار في العقول هو الاستثمار الوحيد الذي يضمن استدامة الحياة. تلك هي الحقيقة التي لا تقبل التأجيل ولا يمكن بناء نظام صحي قوي دون بناء إنسان قوي.

زر الذهاب إلى الأعلى